ردود على شبهات وأكاذيب وحيد حامد

عدد كبير من الشبهات والتهم ألقاها وحيد حامد جزافًا على الإخوان في مسلسله الفاشل.. العجيب أن المؤلف (المدقق) لم يُكلِّف نفسه بالنظر في أدبيات الإخوان، وخصوصًا تراث البنا؛ للوقوف على حقيقة هذه القضايا عندهم، كما لم يُكلِّف نفسه بالرجوع إلى المعاصرين منهم للاستفسار عن حقيقة هذه التهم؛ لو افترضنا أنه يجهل واقعهم البريء- كل البراءة- من هذه الشبهات.

 

من المؤكد أن وحيد فعل ذلك عامدًا متعمدًا؛ لغرضٍ في نفسه.. ونحن لن نجتهد من جانبنا في جداله أو الرد عليه.. ولكن نترك المجال لأقوال البنا بنفسه، التي كتبها منذ ما يزيد على 70 عامًا للردِّ عليه، وهي بذلك تعد شاهدًا على هذا الرجل الذي فعل فعلاً خطيرًا؛ ذلك أنه ترك الشيء الصادق الطيب، وتناول الكاذب الخبيث، فحق أن يوصم مسلسله بالفشل، وأن يوصم هو بالخداع والتدليس.. وفيما يلي رد على هذه الشبهات..

 

الإخوان ليسوا دعاة كسل أو دروشة:

يخطئ مَن يظن أن جماعة الإخوان المسلمين جماعة دراويش، قد حصروا أنفسهم في دائرة ضيقة من العبادات الإسلامية، كل همهم صلاة وصوم وذكر وتسبيح، فالمسلمون الأولون لم يعرفوا الإسلام بهذه الصورة، ولم يؤمنوا به على هذا النحو، ولكنهم آمنوا به عقيدةً وعبادةً، ووطنًا وجنسيةً، وخلقًا ومادة، وثقافة وقانونًا، وسماحة وقوة، واعتقدوه نظامًا كاملاً يفرض نفسه على كلِّ مظاهر الحياة، وينظم أمر الدنيا كما ينظِّم أمر الآخرة.

 

اعتقدوه نظامًا علميًّا وروحيًّا معًا، فهو عندهم: دين ودولة، ومصحف وسيف.. وهم مع هذا لا يهملون أمر عبادتهم ولا يقصرون في أداء فرائضهم لربهم، يحاولون إحسان الصلاة ويتلون كتاب الله، ويذكرون الله تبارك وتعالى على النحو الذي أمر به، وفي الحدود التي وضعها لهم، في غير غلو ولا سرف، فلا تنطُّع ولا تعمُّق، وهم مع هذا يأخذون من دنياهم بالنصيب الذي لا يضر بآخرتهم.

 

ويخطئ من يظن أن الإخوان المسلمين دعاة كسل أو إهمال، فالإخوان يعلنون في كلِّ أوقاتهم أن المسلم لا بد أن يكون إمامًا في كل شيء، ولا يرضون بغير القيادة والعمل والجهاد والسبق في كل شيء، في العلم وفي القوة وفي الصحة وفي المال، والتأخر في أي ناحيةٍ من النواحي ضار بفكرتنا، ومخالف لتعاليم ديننا، ونحن مع هذا ننكر على الناس هذه المادية الجارفة التي تجعلهم يريدون أن يعيشوا لأنفسهم فقط، وأن ينصرفوا بمواهبهم وأوقاتهم وجهودهم إلى الأنانية الشخصية، فلا يعمل أحدهم لغيره شيئًا، ولا يُعْنَى من أمر أمته بشيء، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم".

 

الإخوان لا يمدون أيديهم لأحد:

ألا فليعلم الجميع أن دعوة الإخوان هي أعفُّ الدعوات، وأن جماعتهم هي أشرف الجماعات، وأن مواردهم من جيوبهم لا من جيوب غيرهم، ونفقات دعوتهم من قوت أولادهم ومخصصات بيوتهم، وأن واحدًا من الناس أو هيئة من الهيئات أو حكومة من الحكومات أو دولة من الدول، لا تستطيع أن تجد لها في ذلك منة عليهم، وما ذلك بكثير على دعوة ما يطلب من أهلها: النفس والمال ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: من الآية 111)، وقد قبل الإخوان البيع وقدموا البضاعة عن رضا وطيب نفس، معتقدين أن الفضل كله لله، فاستغنوا بما في أيديهم عما في أيدي الناس، وقد منحهم الله البركة في القليل فأنتج الكثير.

 

وإلى الآن لم تُمنح الجماعة إعانة واحدة من حكومة من الحكومات.. وهذا ما نباهي به ونفاخر، ونتحدى الناس جميعًا أن يقول أحدهم إن خزانة الجماعة قد دخلها قرش واحد من غير جيوب أعضائها، ولسنا نريد إلا هذا، ولن نقبل إلا من عضو أو من محبّ، ولن نعتمد على الحكومات في شيء، ولن نبخل على دعوتنا يومًا من الأيام بقوت أولادنا وعصارة دمائنا وثمن ضرورياتنا، فضلاً عن كمالياتنا والفائض من نفقاتنا.

 

إننا نعمل لغاية، على هدى من ربنا، وهي الإسلام وأبناؤه في كل زمان ومكان، ولن نعمل في يومٍ من الأيام لحساب هيئة من الهيئات أو جماعة من الجماعات، ولن تُمد أيدينا إلى أحد، ولن نستعين بفرد أو هيئة أو جماعة.

 

الإخوان جماعة من المسلمين:

لم يزل فقهاء الدعوة المعتمدون وجميع قياداتها يعتبرون الإخوان هم جماعة من المسلمين، تسعى لتحقيق منهج الله في الأرض، وإيجاد الأمة التي تحمل هذا المنهج وتطبقه- أولاً- على نفسها، وتتحمل تبعات هذه الأمانة، والإخوان لا ينسون أبدًا أخوَّتهم لكل مسلم، كما وصف الله المؤمنين بقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)﴾ (المائدة).

 

كما أنهم لا يبخسون أهل الفضل فضلهم، ولا يتكبرون على الحق، بل يحاسبون أنفسهم بإنصاف، والميزان الذي يرجعون إليه هو الحق المتمثل في الكتاب والسنة، والحكم دائمًا بينهم هو حكم الله ورسوله والشورى، كما تحاول الجماعة دائمًا أن تنقي صفَّها، وأن تربِّي أفرادها، وتحرر المسلمين من أمراضهم التي أدَّت إلى إذلالهم وقعودهم وتخلفهم.

 

فالعاملون للإسلام بحق يفهمون جيدًا أن جماعة المسلمين هي التي يُمَكِّن الله لها في الأرض، ويكون لها إمام هو إمام المسلمين جميعًا، وقبل ذلك لا يجوز ولا يصح هذا، كما أن الإسلام ليس حكرًا على طائفة أو حزب أو جنس بشري، وإنما هو دين الله الذي ختم به الرسالات للبشرية جمعاء، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو وحده محل القدوة والأسوة ومصدر التلقي والاتباع والطاعة ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)﴾ (آل عمران).. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب).

 

إن أي إنسان أو طائفة أو جماعة أو جنس بشري لا يمتلك ذلك مهما علا شأنه، فإنه يبقى دائمًا وأبدًا متبعًا وليس مبتدعًا، ويبقى الإسلام وحده هو الموجه والقائد، ويبقى الإسلام وحده هو الحاكم والمسيطر على سلوكنا جميعًا، ويبقى الإسلام وحده هو الميزان الثابت لأعمالنا.. ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)﴾ (البقرة).

 

ولا يصح أبدًا أن يكون سلوك فرد أو جماعة أو هيئة هو المنهج والمقياس، وأن نصيب المسلمين أفرادًا وجماعات من نصرة الإسلام لا يكون متفاوتًا إلا بمقدار ما يقدمون لدينهم ولأمتهم، وبمقدار إخلاصهم وتجردهم، وبمقدار صدقهم وعطائهم، وبمقدار ما يقتربون بسلوكهم من المثل الكامل، المثل الأعلى المعصوم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والإسلام دين جماهير هذه الأمة في أنحاء العالم، وهو أمل هذه الجماهير وهدفها، بل وحياتها.

 

ومن هنا نستطيع أن نقول: إن الجماعات أو الجمعيات التي تدعو إلى الإسلام ليست مراكز احتكار له، وليست بعيدة عن جماهير الأمة أو منفصلة عنها، أو غريبة على كيانها وحقيقتها، وإنما هي مجموعات من العاملين للإسلام، ترجو أن تكون أكثر ثوابًا عند الله، وأكثر اهتمامًا بقضايا الإسلام وآلامه، وهي مراكز تعمل للإسلام وتتمثل الإسلام الحق في واقعها، وتعطي نموذجًا عمليًّا حسنًا طيبًا للحياة الإسلامية في تسامحها وعدلها وأفقها الواسع، وفهمها العميق للإسلام، وحبها للآخرين، وحرصها على سيادة أمة الإسلام.

 

ولا يكفّرون مسلمًا أقرَّ بالشهادتين:

الحكم على شخص بالكفر، يعني إهدار دمه، وبالتالي فإن الحكم بكفر مسلم أمر في غاية الخطورة، فإن من يُكَفِّر مسلمًا بغير حق يبوء هو بإثم الكافر، فقد روى البخاري أن أبا ذر- رضي الله عنه- سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه" متفق عليه، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه".

 

ولقد صاغ الإمام حسن البنا- رحمه الله- من هذه النصوص، قاعدة مهمة، هي الأصل العشرون من ركن الفهم، أراد بها ألا تكون كلمة الكفر سهلة النطق فيرمي بها برءاء؛ لأن في ذلك انحرافًا قد يؤدي إلى اتهام الأمة كلها بالكفر، كما فعل الخوارج، فتصير فتنة وهلاكًا، يقول رضي الله عنه: "لا نكفر مسلمًا أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاها وأدى الفرائض، برأي أو معصية، إلا أن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملاً لا يحتمل تأويلاً غير الكفر".

 

ولقد كان موقف الإمام حسن الهضيبي صلبًا لا ليونة فيه، تجاه من أعلنوا هذا الفكر المنحرف، ولقد فاصلهم في أثناء محنة السجن، وأصدر كتاب (دعاة لا قضاة) وقال لهم قولته المشهورة: "إذا أصررتم عليه، فابحثوا لكم عن لافتة أخرى غير لافتة الإخوان لتعملوا تحتها، فليس هذا فكر الإخوان، وليس من الإسلام".

 

ولقد سارت الجماعة على هذا المنهج طوال تاريخها، ما زاغت يومًا عنه، ولقطع الطريق على كل تأويل، تبنى مكتب الإرشاد عام 1982م سياسة إخوانية ملزمة لجميع الأقطار، تقوم على مبدأ المناصحة بين الإخوان والسلطة الحاكمة.

 

وعندما سئل الأستاذ عمر التلمساني عن جماعات التكفير أجاب:

"الإسلام ينكر الاغتيال والقتل، وما دمنا مسلمين فنحن متمسكون بديننا، وهذه الجماعات- والكثير منها يكفرنا كالتكفير والهجرة والجهاد- يرددون أن الإخوان المسلمين قد تركوا الجهاد، ونحن في غرف بعض هذه الجماعات نشترك- على مستوى واحد- في الإثم مع الدولة.

 

وللأسف كانت الأسلحة تُشترى وخطط العنف تُدبر، وقد تركت الدولة كل هذا واستشعرت فقط خطر مقالات البعض من أمثالي، إن ديني يحرم العنف، وإذا أبحت قتل إنسان أختلف معه فإنني أبيح قتلي أنا الآخر، وثق أن هناك منطقًا بسيطًا يفيد بأن هذا الشباب المتطرف لو وجد بغيته في العنف وأسلوب الاغتيال السياسي في جماعة الإخوان المسلمين لانضم إلينا، وما وجد حاجةً للانضمام إلى تنظيمات أخرى غيرنا".

 

عباءة الإخوان المظلومة!!

ومن التهم التي يوجهها المرجفون للإخوان، أن جماعات (العنف والتكفير) خرجت من تحت عباءتهم.. يقول الدكتور يوسف القرضاوي ردًّا على هذه التهمة:

"والحق الذي لا ريب فيه: أن بعض هذه الجماعات مثل جماعة (التكفير) تعد (انشقاقًا) على الإخوان، وليست (امتدادًا) للإخوان.

 

وقد بدأت بذور هذه الجماعة في السجن الحربي، وتسلسل تفكيرهم حتى انتهى بهم الأمر إلى (تكفير الناس بالجملة) ابتداءً بالذين يتولون تعذيبهم بلا رحمة، ثم من يأمرهم بهذا التعذيب من الحكام، ثم مَن يسكت على هؤلاء الحكام من الشعوب.

 

وقد اعتزلت هذه الفئة الإخوان في السجون، وكانوا لا يصلُّون معهم، وقام بينهم وبين الإخوان جدل طويل ورد عليهم مرشد الجماعة الثاني حسن الهضيبي رحمه الله في مقالات سجلها ونشرها بعد ذلك في كتابه (دعاة لا قضاة).

 

وقد اتهم شكري مصطفى أمير جماعة التكفير ومؤسسها، قادة الإخوان بالخيانة العظمى؛ لأنهم لم يقاوموا رجال الأمن والشرطة وسلَّموا جلود إخوانهم للسياط ورقابهم للمشانق.

 

فكيف يعتبر الإخوان مسئولين عن هؤلاء الذين انشقوا عنهم واتهموهم بأبشع التهم؟

 

إن هذا أشبه بمَن يُحمِّل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه وزر جماعة (الخوارج) الذين كانوا جنودًا في جيشه، ثم انشقوا عنه وخرجوا عليه، ورموه بالكفر، وتحكيم الرجال في دين الله، ثم تآمروا عليه وقتلوه غيلةً رضي الله عنه!.

 

هل يقبل عاقل هذا المنطق الأعوج؟ أن يحمل المرء تبعة مَن يخرج عنه ويتمرَّد عليه وينصب له الحرب والعداء؟

 

هذا ما تتبناه- للأسف الشديد- أجهزة الإعلام المصرية والعربية، وتردده ولا تمله، وما يكرره كتاب علمانيون أو ماركسيون يعادون الإخوان، بل يعادون رسالة الإسلام.

 

وأما جماعتي (الجهاد)، و(الجماعة الإسلامية) في مصر فليست انشقاقًا عن الإخوان، بل هي جماعات نشأت من أول يوم؛ احتجاجًا على الإخوان، وإنكارًا عليهم أنهم خانوا (مبدأ الجهاد) الذي أعلنوه طريقًا لهم، وشعارًا يتغنون به (الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا).

 

والإخوان لم يخونوا مبدأ الجهاد كما زعم هؤلاء، ولكن (الجهاد) ليس معناه (القاتل) بل الجهاد مراتب وأنواع.

 

الإخوان لا يطلبون الحكم لأنفسهم:

هناك مَن يتهم الإخوان المسلمين، بالسعي إلى الحكم والجري وراء السلطة، وأن تلك غايتهم الكبرى، التي يبررون من أجلها جميع الوسائل.

 

وهذا الكلام يقوله خصوم الإخوان، الذين يريدون إرهابهم فكريًّا، والتشويش على دعوتهم، لينتفض الناس من حولها، فإن فكر الإخوان ومنهجهم في هذا الجانب هو فكر الإسلام الصحيح، فالسلطة لا تُطلب لذاتها، وإنما يطلبها المسلمون ليطبقوا من خلالها شرع الله، وليقيموا المجتمع على ما تقوم عليه المجتمعات الإسلامية الفاضلة، بإقامة العدل ونشر قيم الحق والحرية والفضيلة.

 

إن منهاج الإخوان المسلمين في التغيير، يقوم على التدرج، ولا يؤمن بالثورة، والتدرج معناه اقتناع الشعب بالإسلام، حكومةً وشريعةً، قناعةً تامةً، وبعدها سوف يختار الشعب، الحكومة الإسلامية الرشيدة، الصادرة عن المجتمع المسلم الواعي، وفي هذا يقول الإمام البنا:

"وأما الثورة فلا يُفكِّر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت على هذا المنوال ولم يفكر أولو الأمر في إصلاحٍ عاجلٍ وعلاجٍ سريعٍ لهذه المشاكل، فسيؤدي ذلك حتمًا إلى ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمين، ولا من دعوتهم، ولكن من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال، وإهمال مرافق الإصلاح، وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن ويستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيرًا من هذه النذر، فليسرع المنقذون بالأعمال".

 

لكن.. هل في منهاج الإخوان المسلمين أن يكونوا حكومةً، وأن يطالبوا بالحكم.. أو ينتزعوه من غيرهم؟.. هذا ما أجاب عنه مؤسس الجماعة، في رسالة المؤتمر الخامس بقوله:

"ويتساءل فريق آخر من الناس: هل من منهاج الإخوان المسلمين أن يكونوا حكومةً وأن يطالبوا بالحكم؟ وما وسيلتهم إلى ذلك؟، ولا أدع هؤلاء المتسائلين أيضًا في حيرة، ولا نبخل عليهم بالجواب، فالإخوان المسلمون يسيرون في جميع خطواتهم وآمالهم وأعمالهم على هدي الإسلام الحنيف كما فهموه، وكما أبانوا عن فهمهم هذا في أول هذه الكلمة، وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنًا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، وقديمًا قال الخليفة الثالث رضي الله عنه: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الحكم عروة من عرى الإسلام، والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع، فالإسلام حكم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء، لا ينفك واحد منها عن الآخر، والمصلح الإسلامي إن رضي لنفسه أن يكون فقيهًا مرشدًا يقرر الأحكام ويرتل التعاليم ويسرد الفروع والأصول، وترك أهل التنفيذ يشرِّعون للأمة ما لم يأذن به الله ويحمِّلونها بقوة التنفيذ على مخالفة أوامره، فإن النتيجة الطبيعية أن صوت هذا المصلح سيكون صرخةً في وادٍ ونفخة في رماد كما يقولون.

 

فقد يكون مفهومًا أن يقنع المصلحون الإسلاميون برتبة الوعظ والإرشاد إذا وجدوا من أهل التنفيذ إصغاءً لأوامر الله وتنفيذًا لأحكامه، وإيصالاً لآياته وأحاديث نبيه صلى الله عليه وسلم: أما والحال كما نرى: التشريع الإسلامي في وادٍ والتشريع الفعلي والتنفيذي في وادٍ آخر، فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف.

 

هذا كلام واضح لم نأتِ به من عند أنفسنا، ولكننا نقرر به أحكام الإسلام الحنيف، وعلى هذا فالإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم، فإن وجدوا من الأمة مَن يستعد لحمل هذا العبء، وأداء هذه الأمانة، والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم، وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله.

 

وعلى هذا فالإخوان أعقل وأحزم من أن يتقدموا بمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذا الحال، فلا بد من فترة تُنشر فيها مبادئ الإخوان وتسود، ويتعلم فيها الشعب كيف يؤثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.

 

وكلمة لا بد أن نقولها في هذا الموقف، هي أن الإخوان المسلمين لم يروا في حكومةٍ من الحكومات التي عاصروها- لا الحكومة القائمة ولا الحكومة السابقة ولا غيرهما من الحكومات الحزبية- مَن ينهض بهذا العبء، أو من يبدي الاستعداد الصحيح لمناصرة الفكرة الإسلامية، فلتعلم الأمة ذلك، ولتطالب حكامها بحقوقها الإسلامية، وليعمل الإخوان المسلمون.

 

وكلمة ثانية: إنه ليس أعمق في الخطأ من ظن بعض الناس أن الإخوان المسلمين كانوا في أي عهد من عهود دعوتهم مطيةً لحكومةٍ من الحكومات، أو منفّذين لغاية غير غايتهم، أو عاملين على منهاج غير منهاجهم، فليعلم ذلك مَن لم يكن يعلمه من الإخوان ومن غير الإخوان.

 

لا للقفز على السلطة:

والإخوان على قناعة تامة، أنه لن يكون هناك حكم إسلامي، إلا إذا أرادت الشعوب نفسها ذلك، ولن يتم هذا الأمر إلا إذا قام الإخوان بدورهم في هذا المجال، بتوعية الشعب وقيادته إلى الله وإلى شرعه وشريعته، يقول المرشد الثالث عمر التلمساني: "إن من أهم واجبات الشباب ألا يفكر اليوم في الحكم والحكومة، لا لأنها ليست مطلوبة منا كمسلمين أبدًا، نحن مطالبون بألا يكون الحكم إلا لله، وعلينا أن نضع ذلك في برنامجنا، ولكننا لن نصل إلى تحقيق ذلك في يسرٍ وسهولة إلا إذا ربطنا الشعوب المسلمة بدينها، تؤمن بأن الله ربها القادر على كل شيء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم زعيمها الذي هداها إلى كل خير، وأن القرآن دستورها الذي حوى كل شيء، وأن الجهاد سبيلها الموصل إلى كل شيء، وأن الموت في سبيل الله أعز عليها من كل شيء، فأعدوا لذلك ما يجب أن يُعد له من علم وقوة وتضحية وفداء؛ بعد أن تربطوا شعوبكم بحبل الله المتين وحينذاك سترون كيف يتحقق للمسلمين ما تشتهون من أمن وهدوء وسلام، أما التحركات السرية الطائشة دون أن يكون الشعب كله مؤمنًا بما تفعلون؛ فليس من ورائه إلا إنهاك القوى وإضاعة الجهود وتأخير النجاح".

 

أما القفز على السلطة، والسيطرة على مقاليد البلاد بالانقلابات والفتن، فهذا ليس منهج الإخوان، بأي حال.. يقول عمر التلمساني: إن الإخوان المسلمين لن يفكِّروا يومًا من الأيام في استبدال حاكم بحاكم، فالكل في الهوى سواء، ولكنهم يعملون ويصرحون وينادون بإحلال حكم الله محل حكم البشر؛ لأن فيه الخير والصلاح (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: من الآية 50).

 

ولو أراد الإخوان المسلمون الحكم، لنالته أيديهم ولتسنموا غاربه منذ أمد بعيد، ولكنهم عن زهو الدنيا في شغل، وما أرادوا إلا حكم الله وتطبيق شريعته، أيًّا كانت تلك اليد التي تطبق الشريعة السمحاء، وما من شك في أن كل حاكم لبلد إسلامي يعلم عن طريق جواسيسه ومخابراته أن الإخوان المسلمين لا يتآمرون ولا يخربون؛ لأن أساس دعوتهم الحكمة والصراحة والوضوح.

 

إن الإخوان لا يسعون لحكم، ولكنهم يعملون لتسود العقيدة، إنهم يمدون أيديهم طاهرة عزيزة، في كرامة المسلم وعزة المؤمن، لكل مَن يعمل لتحقيق هذا الغرض النبيل؛ لا يألونه نصحًا ولا يمنعونه تأييدًا، ولا يضنون عليه بكلمة ثناء، فالفضل لا يعرفه من الناس إلا ذووه".

 

إن السبب الرئيس في اصطدام الإخوان بأهل الحكم والسلطة، أنهم لم يكونوا أبدًا مطيةً لحكومة من الحكومات، أو رئيس من الرؤساء، وهم ممن لا يبيعون مبادئهم بأي مقابل، ولا يمدون أيديهم لأحد، ولا يتلونون، ولا يتغيرون بتغير الظروف والأحوال.. وبالتالي ففي ظل الحكومات العلمانية التابعة ليس للإخوان مكان في السلطة، بل قل ليس لهم من مكان سوى المعتقلات والسجون.. ورغم ذلك فإنهم ما فتئوا يشاركون في العمل السياسي، باعتبارهم فصيلاً مؤثرًا وعريضًا على الساحة، ملتزمين بالقانون وبالأساليب التي ارتضاها النظام الحاكم للأحزاب والقوى السياسية.

 

وكان من نتاج ذلك، حصدهم لأغلبية الأصوات، في أية انتخابات تجريها السلطة.. فلم يرض هذا النظام الحاكم بذلك، فصار يتفنن في إلحاق الأذى بهم، محاولاً- حسب وهمه- استئصالهم، فاعتقل الآلاف، وشرَّدهم، وأقام المحاكمات العسكرية للبرءاء الشرفاء.. وما زال يخترع الوسائل لإيذائهم، وما زال الشعب يعطيهم صوته، ويقف خلفهم كلما تطلب الأمر ذلك.

 

ويسعى قادة الإخوان، رغم إيذاء الحكام والحكومات لهم، إلى التقرب منهم، وإظهار النيات الحسنة من جانبهم، ومد الأيادي بالمصافحة والمسامحة.. ولا مجيب!!.