- الطلاب: ذهابنا للمدرسة للحفاظ على نسبة الغياب فقط
- المدرسون: الكادر بلا قيمة أمام ارتفاع الأسعار الجنوني
- د. أميرة صابر: لا حلَّ بدون قيام المَدْرَسة بدورها الحقيقي
تحقيق: أحمد الجندي وأحمد هزاع
"الدروس الخصوصية من المهد إلى اللحد"، "إمبراطور الفلسفة"، "عملاق الكيمياء"، "متنبي اللغة العربية"، "كينج الرياضيات" تحت هذه المسميات تقيم مراكز الدروس الخصوصية أنشطتها لجذب أكبر عددٍ من الطلبة إليها.
وتشهد الشوارع والميادين وجدران المدارس الدعايات والإعلانات الواسعة للدروس الخصوصية وأساتذتها ومراكزها، كما تجوب شوارع المدن السيارات والتوك توك؛ للإعلان عن نشاط هذه المراكز وعن العروض والخصومات التي تقدمها، مستخدمين مكبرات الصوت؛ لتوزيع الإعلانات المطبوعة على جداول الحصص الطلابية.
وشهد العام الحالي ارتفاعًا كبيرًا في أسعار الدروس الخصوصية بنسبة تصل لأكثر من 20%؛ نتيجةً لمنع الوزير أحمد زكي بدر طباعة الكتب الخارجية؛ لتصبح الدروس الخصوصية وملازم المدرسين هي الملاذ الوحيد الذي يلجأ إليه الطلاب!، ما أدَّى أيضًا إلى ارتفاع أسعار ملازم ومذكرات المدرسين التي وصلت أسعارها إلى 50 و60 جنيهًا للتيرم الواحد.
بورصة الدروس
(إخوان أون لاين) زار مراكز الدروس الخصوصية في أماكن متفرقة، ورصد تفاوت الأسعار في بورصة الدروس الخصوصية.
ففي القرى ومدن الأقاليم يكون التعامل بالشهر في أغلب الأحيان، ويكون الدفع مقدمًا في مجموعات يصل أعدادها إلى أكثر من 50 طالبًا بالمجموعة الواحدة، وزمن الحصة ساعة واحدة.
وتتراوح الأسعار في مدينة بنها ما بين 60 و 100 جنيه حسب المادة، وشهرة المدرس والحالة الاقتصادية للمنطقة، وترتفع أسعار مواد الشعبة العلمية عن مواد الشعبة الأدبية، فتتراوح أسعار التاريخ والفلسفة للثانوية العامة ما بين 40 و60 جنيهًا، أما الرياضيات والأحياء والفيزياء فتبدأ من 60 إلى 100 جنيه.
أما الدروس الخاصة في المنازل فيتراوح سعر الحصة ما بين 40 و80 جنيهًا للحصة، بزيادة حوالي 20%عن العام الماضي، وأغلب المدرسين لا يفضلونها؛ لأن المجموعات الكبيرة تكون أجدى لهم.
وفي شبين الكوم تتراوح أسعار الدروس في المراكز ما بين 25 و40 جنيهًا، وفي المجموعات يتراوح ما بين 60 و80 حسب شهرة المدرس.
أما بالقاهرة فيتراوح سعر الحصة في المعادي ما بين 25 و30 جنيهًا للحصة الواحدة في مراكز الدروس الخصوصية، في مجموعات تتجاوز الـ50 طالبًا.
وبالأحياء الشعبية كالمطرية والسيدة زينب يبلغ ثمن الحصة بالنسبة لطلبة الثانوية ما بين 20 و25 جنيهًا للمادة الواحدة في المراكز.
ولفت انتباهنا أثناء جولتنا بين مراكز الدروس الخصوصية وجود مركز للدروس الخصوصية أمام الباب الخلفي لوزارة التربية والتعليم.
أما في مصر الجديدة فيختلف الأمر كثيرًا؛ حيث يتراوح سعر الحصة الواحدة في مراكز الدروس الخصوصية ما بين 35 و40 جنيهًا للطالب في مجموعات تتراوح ما بين 120 و200 طالب، أما الدروس الخاصة في المنازل فتتراوح أسعار الحصة الواحدة ما بين 40 و75 جنيهًا حسب تسعيرة المكان والحالة المادية لولي أمر الطالب.
وفي منطقة عباس العقاد يبلغ سعر الحصة 100 جنيه؛ نظرًا لارتفاع مستوى المعيشة بالمنطقة.
أسعار نار
ويشتكي أولياء الأمور من ارتفاع أسعار الدروس الخصوصية التي أصبحت أمرًا واقعًا على جميع المواطنين في ظلِّ غياب التعليم الحقيقي بالمدرسة، واللافت أن شكاوى المواطنين أغلبها ليست انتقادًا لظاهرة الدروس الخصوصية والمطالبة بالحدِّ منها، ولا لطلب إصلاح التعليم، ولكنه فقط طلب تخفيض أجور الدروس أو رفع المرتبات لتتماشى مع أسعارها، ما يعكس حالة اليأس التي وصل إليها المصريون من إصلاح التعليم.
ويقول صابر عبد السلام عامل نظافة (بولاق) أضطر إلى أن أعمل عملاً إضافيًّا؛ لكي أستطيع توفير مصاريف الدروس الخصوصية لأولادي الثلاث التي تتعدى 1500 جنيه، وهو أضعاف المرتب الذي أتقاضاه من الحكومة.
وتؤكد فاتن حمدي (بولاق) طالبة بالثانوية العامة أن الإهمال في المدارس، وغياب ضمير بعض المدرسين، وقلة الإمكانيات داخل المدارس الحكومية، وضعف الكتاب المدرسي من أهم أسباب سعي الطَلبة وراء الدروس الخصوصية.
السيدة أم صابر (المطرية) تقول: إن لديها 3 أبناء في مراحل مختلفة، الابن الأصغر في الصف الرابع الابتدائي يدفع 25 جنيهًا للمواد كلها عدا الإنجليزي الذي يدفع له 15 جنيهًا, أما الابن الثاني في المرحلة الإعدادية يدفع 25 جنيهًا للمادة الواحدة, والبنت الكبرى فهي بالمرحلة الثانوية وتدفع 50 جنيهًا للمادة الواحدة، مع العلم بأن الجميع يكونون في مجموعات كبيرة يصل أعدادها في بعض الأحيان إلى 50 طالبًا.
وتقول هدى محمد (الدقي): إن الدروس الخصوصية أصبحت بندًا أساسيًّا في ميزانية بيتها، مضيفةً أنها تستعد لها منذ الإجازة بحجز المدرس الذي سيعطي الدروس لأبنائها، ويتم الاتفاق مع أكثر من مدرس في المادة الواحدة، ويبلغ ثمن الحصة 30 جنيهًا.
وتضيف شاهيناز المحلاوي "صاحبة محل ملابس بالزمالك" أن الدروس الخصوصية أصبحت عقدةً لكل رب أسرة، فيما أصبحت بالنسبة للمدرس دجاجة تبيض له ذهبًا, وتطالب وزير التعليم بوضع حلٍّ جذري أمام تلك المشكلة الخطيرة، وإلغاء الدروس أو أن يقوم بإلغاء المدارس ونكتفي بالدروس.
ضعف المرتبات
من جانبهم، برر المدرسون رفع أسعار الدروس الخصوصية، بأن المدرسين يعانون من موجة الغلاء التي تجتاح البلاد، وأن المدرسين لا بد أن يرفعوا الأسعار؛ لتتواكب مع أسعار السوق على حدِّ تعبيرهم، فضلاً عن أن مرتبات المدرسين ضعيفة جدًّا حتى بعد الكادر.
ويوضح عبد الله صلاح "مدرس لغة إنجليزية" أن المواطنين هم الذين يجبرون المدرسين على رفع أسعار الدروس في أغلب الأحيان؛ حيث يظن الناس أن المدرس الذي يعطي الدرس بـ200 و300 جنيه أفضل من غيره الذي يعطي الدرس بـ50 و100 جنيه، بغض النظر عن قوته العلمية وخبرته التربوية، موضحًا أنه عندما لم تُرفع أسعار الدروس هذا العام وظلت بأسعار العام الماضي؛ فوجئ باستنكار أولياء الأمور.
ويقول سيد علي "مدرس رياضيات بمنطقة مصر الجديدة": إن المدرسين ليسوا هم الذين يحددون أسعار الدروس، ولكن هناك تسعيرة بالمنطقة يعرفها أولياء الأمور، كما أن السعر يختلف من شخصٍ لآخر- حسب حالته المادية- وحسب شهرة المدرس ومدى استيعاب الطالب منه، موضحًا أن أولياء الأمور إذا وجدوا أن المدرس يبذل جهدًا كبيرًا مع الطالب، وأن الطالب يستوعب منه أكثر من غيره زاد له في سعر الحصة.
ويضيف "ولا يعقل أن يدفع ولي الأمر للمدرس 100 جنيه ثمن الحصة ثم يرجع له المدرس 50 جنيهًا مثلاً".
ويوضح أن سعر المذكرات والملازم يكون بنفس سعر الحصة، أي لو أن الحصة بـ50 جنيهًا تكون المذكرة بـ50 أيضًا، لافتًا إلى أن المدرسين يقسمون المذكرات على ثلاثة أقسام في التيرم الواحد.
"الكادر لم يحل المشكلة؛ لأنه ضعيف ولا يتماشى مع زيادة الأسعار" هكذا برر أشرف المصري "مدرس لغة عربية" إصراره على إعطاء الدروس الخصوصية ويقول: الحكومة ضحكت علينا بالكادر، مؤكدًا أن المرتب لا يكفي أبدًا لفتح بيت على حدِّ تعبيره، وأن مرتب المعلم بعد الكادر أصبح لا يتعدى الـ700 جنيه.
ويضيف أتحدى أي مدرس يقوم بالاعتماد الكلي على مرتبه الحكومي لتغطية نفقات بيته, فالغلاء يزداد يومًا بعد يوم، والأسعار ترتفع ولا يستطيع المدرسون الاستغناء عن الدروس الخصوصية إلا إذا كان لديه عمل خاص بالإضافة إلى التدريس.
ويؤكد رأفت الجزار "مدرس رياضيات" أن الطلاب أصبحوا غير جادين في ذهابهم للمدرسة واستماعهم للمدرس، وأنهم يعتبرون الآن الذهاب للمدرسة مجرد نزهة يلتقون فيها مع أصحابهم وزملائهم؛ للترفيه عن أنفسهم.
وينتقد محمد عبد الجليل موجه بالتربية والتعليم عدم وجود خطوات وآليات حكومية محددة للحدِّ من انتشار ظاهرة الدروس الخصوصية التي ازدادت وباتت تؤرق الطلبة وتثقل كاهل الأسرة المصرية، مؤكدًا أن سياسات وزراء التعليم الفاشلة هي السبب في انتشار هذه الظاهرة التي تحوَّلت إلى مافيا يديرها بعض مصاصي الدماء، وتوسَّعت حتى كادت تلغي المدارس.
وترى مريم شكري (موجهة) أن الدروس تعني تدهورًا قيميًّا كبيرًا، وتوترًا في العلاقة بين الطالب والمدرس، وخلق أجواء غير صحيحة بينهما, مؤكدةً أن الدروس تشوه صورة المدرس وتجعله يتخلى عن العلم من أجل لقمة العيش.
ضمائر ميتة
فيما يبرر الطلاب لجوءهم للدروس الخصوصية بغياب ضمائر المدرسين وعدم قيامهم بالشرح في المدارس؛ ما يدفعهم للذهاب إلى مراكز الدروس من أجل ضمان النجاح، والحصول على درجات عالية تحقق طموحاتهم وطموحات ذويهم.
وتقول مروة سامي "طالبة بالصف الثالث الثانوي": إنها تعتمد على الدروس بصورة أساسية؛ لأن المدرسين لا يشرحون في الفصول، وأغلبهم يُحوِّل الحصص إلى حكايات وكلام خارجي ليس له علاقة بالمناهج ولا بالدروس، فضلاً عن أن الطالبات يحولن الفصل إلى فوضى، والمدرسين يجلسون مع بعضهم في الطرقات أمام الفصول ويتركون الطلبة.
وتضيف أنها تضطر إلى الذهاب للمدرسة بسبب نسبة الغياب وقرارات وزير التعليم بأن من يفصل بسبب الغياب سيدفع 1000 جنيه لإعادة قيده بالمدرسة، موضحةً أنها تأخذ دروسًا خصوصية عند أكثر من مدرس لمادة واحدة، وأن أخيها في الصف الثاني الثانوي يأخذ 8 دروس خصوصية في 8 مواد؛ لأنه في الشعبة العلمية.
ويقول أحمد علي "طالب بالصف الثالث الثانوي": إن المدرسين في المدرسة لا يشرحون في الفصل، ويقول لنا المدرس: "أنا عارف إن كلكم بياخد دروس بره، وأنا مش هتعب نفسي وأتعب صوتي على الفاضي، أنا هوفر مجهودي للطلبة اللي بيخدوا عندي درس".
ويضيف أيضًا أنه لولا الغياب لما ذهب إلى المدرسة إلا في أيام الامتحانات فقط، موضحًا أنه يحصل على كل المعلومات التي يريدها من خلال الدروس الخصوصية، ولا يحتاج إلى المدرسة في شيء ويعتبرها مضيعةً للوقت، تعيقه عن المذاكرة فترة طويلة من اليوم.
ويوضح محمود إبراهيم "طالب بالصف الثاني الثانوي" أنه يذهب إلى المدرسة للقاء أصدقائه وزملائه، وللترويح عن نفسه، والخروج عن جوِّ المذاكرة لفترة، وأنه يرتب هو وزملاؤه للعب كرة القدم خلال فترة تواجدهم بالمدرسة، خاصةً أن المدرسين لا يريدون أن يشرحوا، مؤكدًا أنهم يتركونهم للعب "علشان يريحوا دماغهم"، على حدِّ تعبيره.
40% من الدخل
وترى الدكتورة أميرة صابر أستاذة علم النفس التربوي بجامعة بنها أن الدروس الخصوصية في كل المراحل وحتى الجامعية أمر مزعج بالنسبة للبيت وللأسرة ومقلق على الأبناء في المراحل التعليمية الأولى.
وترى أن الحل الوحيد لمشكلة الدروس الخصوصية التي تكلِّف الأسرة أكثر من 40% من دخلها الشهري بتكلفة تصل إلى 12 مليار جنيه سنويًّا هي العودة بالمدرسة إلى دورها الحقيقي كمنظومةٍ للتعليم بكلِّ تفصيلاته, وتغيير أساليب الامتحانات وأهدافها, وتغيير آلية الالتحاق بالجامعة.