لو كان المقال المنشور في جريدة (الشروق) الأحد 19/9 تحت عنوان (التحرير قبل الأسلمة) مكتوبًا بقلم أحد الكتاب "إياهم" لما ألقيتُ له بالاً، أما وإنه بقلم غاية في الاحترام لالتزامه الدائم بالحيادية والموضوعية، وهو قلم الأستاذ الكبير فهمي هويدي، فالنصح والتصويب هنا حقٌّ له علينا.

 

انتقد الأستاذ هويدي تصرفًا منسوبًا لسلطة حماس في قطاع غزة؛ حيث أغلقت منتجعًا ترفيهيًّا لممارسة أنشطة ماجنة ومختلطة، إضافةً إلى تصرفات أخرى تُجبر المواطنين على الالتزام الديني، خصَّ بالذكر منها الزي المدرسي، وراح يُفنِّد ذلك من جوانب عدة، خلص منها إلى تخطئة أية سلطة تحمل المواطن حملاً على الالتزام الديني؛ باعتبار ذلك يناقض الخصوصية والكرامة بل والإنسانية، لا سيما سلطة في ظروف حماس وغزة؛ إذ يجب أن تنشغل بـ"التحرير قبل الأسلمة" كما هو عنوان المقال.

 

وبصرف النظر عن الخبر، والذي تفضل مشكورًا بعدم القطع بصحته التزامًا منه بأمانة النقل، فإن مقالتي هذه تختص بتفنيد انتقاده بصرف النظر عن تأكيد الخبر أو نفيه:

 

أولاً: وعلى هامش الموضوع وصْف الأنشطة التي تتم داخل المنتجعات المذكورة بأنها ترفيهية وماجنة ومختلطة هو وصْف أقل بكثير مما يجرى داخلها، والذي يعرفه جيدًا العامة قبل الخاصة، وهي ذات الأنشطة التي ترفضها الغالبية الساحقة من شعوب العالم الإسلامي، فيما تصرُّ معظم الحكومات على غضِّ الطرف عنها وأحيانًا الترخيص بممارستها، ومن هنا فالتعبيرات المستخدمة (ماجنة ومختلطة فضلاً عن ترفيهية) لا تُعبِّر عن حقيقة ومدى سقوط تلك الأنشطة، بينما توحي بأن رد فعل حماس كان أعلى بكثير من المناسب والطبيعي.

 

أما مسألة الزي المدرسي فقد تعجبتُ من ذكره- بل حشره- في هذا الصدد؛ إذ جميع مدارس الكرة الأرضية تنحى ذلك المنحى، وتفرض زيًّا موحدًا حسب رؤية كل إدارة أو وزارة تعليمية، والطبيعي أن يتواءم الزي مع أعراف البيئة المحيطة ولا يشذ عنها، فهل احتشام الزي يعدُّ شاذًّا على أعراف الغزاويين المعروفين بتدينهم أم العكس هو الصحيح؟!

 

ثانيًا: معظم دول العالم أو جميعها تتدخل بالقانون في بعض خصوصيات مواطنيها إذا رأت في تصرفاتهم ضررًا عامًّا، وأبرز الأمثلة الإجماع العالمي على تحريم وتجريم تعاطي المخدرات حتى لو تم داخل المنازل، ولم يعترض الأستاذ فهمي ولا غيره على ذلك باعتباره من خصوصيات المواطن، فلماذا لا ننبري بالهجوم إلا إذا مارست سلطة تتبنى المنهج الإسلامي نفس الحق؟

 

ثالثًا: ما قولنا في طبيعة عمل مباحث الآداب التابعة للداخلية المصرية وجهدها المشكور- وإن كان محدودًا- في مطاردة بيوت الدعارة وأشباهها؟ هل هذا متعارض مع خصوصيات المواطنين؟ ثم ماذا لو استجاب الله لدعائنا الأزلي وهدى الحكومة المصرية فالتزمت أحكام الدين في سنِّ القوانين ثم قامت بتطهير البلد من القاذورات المسموح بها قانونًا، مثل الرقص الشرقي وتداول الخمور، ناهيك عن التعري على بعض الشواطئ؟ هل سننتقد حينها هذا التوجه الذي هو حلم عمرنا، والذي هو أكثر المطالب المجمع عليها من الشعب بمختلف طوائفه؟!

 

رابعًا: ما معنى تغيير المنكر باليد الذي يختص به ولي الأمر، بل ومن أوجب واجباته الشرعية؟ أليس ما قامت به حماس هو ذلك بعينه؟ أم أن هذا الواجب الوارد في جمهرةٍ من النصوص الشرعية قد سقط من قاموسنا؟

 

خامسًا: أما مبدأ تحري الحكمة ووجوب التدرج الذي ذُكِرَ في طيات الكلام فهو مما لا خلافَ عليه، لكن أي تدرجٍ نقصد؟ وحتى متى؟ مع شعبٍ كشعب غزة ذاق المرار كله ورأى صنوف المعاناة عقابًا على إصراره وتمسكه بحماس التي تتبنَّى الحل الإسلامي، وبالتالي عقابًا على تمسكه بالإسلام؟

 

ودعك من أقاويل المرجفين الذين يشككون في ذلك؛ إذ لو كان تمسك الشعب الغزاوى بحماس- وبالإسلام- مهتزًّا بعض الشيء لانقلب عليها من يومه، ولما صبر شهرًا واحدًا على الحصار، ناهيك عما خلَّفته الحرب الأخيرة من كوارث ومآسٍ.

 

إن كلمة (تدرج) تعدُّ عيبًا في حقِّ شعب غزة وانتقاصًا من قيمته بعدما قطع الأشواط واجتاز المسافات في سبيل دينه ووطنه وتخطَّى التدرج كله؛ بحيث لم يعد لهذا التعبير معنى في حياته، كمَن يطالب بتعليم طالب حروف الهجاء وقد أوشك على التخرج.. عجبًا أن نتكلم عن التدرج مع شعبٍ قد سبق بل اقتحم بكل معاني الاقتحام.

 

وعلى هذا فالتجاوزات الحادثة من بعض مواطنيه هي استثنائية وطبيعية في أسمى المجتمعات خلقًا حتى مجتمع الصحابة الكرام عاش حالات منها، وأبرزها حفنة المنافقين التي فضحها القرآن في غير موضع، إضافةً إلى بعض العصاة والمذنبين، ولأنها استثنائية وشاذة فالحكمة- التي ذكرها الأستاذ هويدي- تقتضي منعها ولو بقوة السلطة وليس تركها تدنِّس نقاء المجتمع الطاهر وتهدد بنيته المرتكزة أساسًا على الأخلاق، ولعلك تتفق معي إن قلت إن الحكمة تكمن أحيانًا في الشدة، كما تكمن غالبًا في اللين.

 

إننا يا سادة أمام نموذج من الشعوب فريد، نحسبهم كذلك والله أعلم؛ لذا فالمعاني والمفردات الشائعة والمائعة التي اعتدنا استخدامها ترفقًا بمَن يهتزون على السلم حائرين بين الصعود والهبوط لا تناسب الحالة التي نحن بصددها ولا تتناسب معها، علينا التمييز بين مَن يوقدون النار للتدفئة، ولو كانوا في محاريب الصلاة، ومن يحترقون بالنار وأولادهم وبيوتهم دفاعًا عن الدين والوطن!.

 

سادسًا وأخيرًا وهو الأهم: لماذا ننسى أن العودة إلى الإسلام هي نقطة الانطلاق إلى التحرير ونهضة الأمة، وبغير العودة للإسلام لن يتحقق التحرير، ولن تقوم للأمة قائمة؟

 

وصدق عمر الفاروق وهو في طريقه لاستلام مفتاح القدس: "لقد كنا أذلة فأعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله"، وحتى لو تحقق تحرير غير مبنيٍّ على الإسلام فهو تحرير شكلي، وخروج من ذل إلى ذل، ومن سخرة إلى سخرة، من المحتل الغاصب إلى الحاكم المستبد الذي لا يألو جهدًا في نهب ثروات شعبه، وبيع قضيته، والتنكيل بأحراره، وتكريس فرقة أمته، وما تجربة الانقلابات العسكرية في القرن الماضي عنا ببعيدة، والتي ما زلنا نعاني من ويلاتها حتى الآن رغم توالي العقود.

 

إن نصر الله تعالى إنما يتنزَّل على مَن أطاعوه والتزموا بشرعه، وإنما تحل الهزائم على المسلمين بمعصيتهم لله؛ إذ يبعث الله عليهم عدوًّا من غيرهم يُنزل بهم من الذل والعار؛ ما يدفعهم إلى الأوبة إلأى دينهم، وما يجري للمسلمين اليوم ومنذ ما يقرب من قرنين من الزمان هو تجسيد فعلي لهذه القاعدة.

 

إن أضمن طريق للخروج من الهزائم والنكبات إذا حلَّت بالشعوب المسلمة هو اللجوء إلى الله بطاعته وترك منابذته بالمعصية، تلك واحدة من البديهيات التي رسختها نصوص القرآن والسنة في مواضع كثيرة، وعلى الشعوب حمل الحكام على ذلك حملاً وبشكلٍ سلمي إذا كان الخلل من جهة الحكام، وعلى الحكام حمل الشعوب على ذلك بقوة السلطان إذا كان الخلل من الشعوب، مع مراعاة التدرج والحكمة بالشكل السابق بيانه.

 

وما أدرانا لعل تثبيت الله لأهل غزة وإخفاق المتآمرين رغم الهجوم الضاري والمستمر بكل الأساليب إنما يرجع إلى أنهم مرابطون على طاعة الله ونبذ معصيته ما استطاعوا بالتوازي مع مرابطتهم على ثغور القتال.

 

لا أعتقد أن ما قلته يضيف جديدًا على ثقافة مفكر بحجم الأستاذ فهمي هويدي، لكنها التذكرة والنصح التي كُلفنا بها مع أئمتنا، وأراك من أئمة الفكر في بلدنا ووطننا، فأرجو إفساح الصدر لنصيحتي، أراك جانبك الصواب كثيرًا، بل آلمتني بشدة حينما عنونت مقالك (التحرير قبل الأسلمة) لا يا أستاذي الفاضل.. بل الأسلمة طريق التحرير.