كأحجار النرد سقطت شبكات التجسس الصهيونية الواحدة تلو الأخرى، إن كان في غزة أو لبنان، وسقطت معها أضحوكة جهازي "الشاباك" و"الشين بيت" الصهيونيَّيْن، من أنهما يملكان جيشًا من العملاء الفلسطينيين واللبنانيين هم ذراعهما الأشد والأقسى على المقاومة في فلسطين ولبنان، مع إقرارنا هنا على أن هذه الخطوة جاءت متأخرة نوعًا ما، إلا أن تحقيقها يبقى نجاحًا هائلاً يسجل للمقاومة في كلا البلدين، إذا ما أخذنا بالحسبان الأسلوب المتطور والحديث الذي يستخدمه العملاء في تحركاتهم وسكناتهم.
يحسب هذا الإنجاز العظيم لجهازي الأمن الداخلي في كلٍّ من لبنان وقطاع غزة، وها هي من جديد توجِّه الحكومة الفلسطينية في غزة ومن تحت ركام القصف والدمار الذي تعرضت له قبل عام في حرب الفرقان؛ صفعةً مدويةً لمخابرات العدو، في حين سجَّل المفاوض الفلسطيني هو الآخر تنازلاً فلسطينيًّا جديدًا، يُضاف إلى سلسلة لا تنتهي من التنازلات الفلسطينية المذلة، من خلال الإعلان عن استمرار المفاوضات مع الاعتراف بيهودية الدولة.
منذ احتلال فلسطين عام 1948م وإنشاء الكيان الصهيوني أحاطت القيادة العسكرية للعدو جهاز استخباراتها اهتمامًا عاليًّا، وخصوصًا جهاز الموساد، وركزت جهودها على مواقع التهديد للكيان الصهيوني، وكأي احتلال فإن جهوده تنصب على الإيقاع بالعملاء، وإرسال الجواسيس بغية نقل المعلومات أو تحقيق إنجازات عسكرية، يصعب على الجنود تحقيقها على الأرض، مع التذكير هنا على أن عدم وجود عملاء على الأرض، يعني بصورة قطعية، أن ضربة قوية قد وُجهت للمحتل، إذ لن تفيد مختلف الأسلحة التدميرية في تحقيق أهدافها على الأرض ما دام غاب الموجه أو غُيِّب!.
فانصبت اهتمامات المحتلين وجهودهم على الدول العربية المجاورة بالطبع، خصوصًا دول المواجهة كمصر وسوريا ولبنان والأردن، فتم الكشف من جواسيس الموساد شولا كوهين في لبنان، وإيليا كوهين في سوريا، والذي أعدمته السلطات السورية في ساحة المرجة بدمشق عام 1965م، وفضيحة لافون، وصاحب نادي الخيول كوكس في مصر، والطيار منير روفا في العراق.
بعد ذلك انتقلت جهود الموساد إلى مطاردة أفراد وقادة الفصائل الفلسطينية، خاصةً الإسلامية منها؛ ليتمكن من اغتيال عددٍ كبيرٍ منهم، كخليل الوزير ومحمود الهمشري وفتحي الشقاقي ويحيى عياش وأحمد ياسين وغيرهم؛ لتتركز الجهود والنشاط الاستخباري في وقتنا الحاضر على ملاحقة الأخطار القادمة من حزب الله في لبنان وحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، بعد رفعها راية المواجهة المباشرة، والأخطر من ذلك أن هذه المواجهة اعتبرت عقدّيةً لا تقبل التأويل أو التفاوض.
لم يستفد المفاوض الفلسطيني من نجاحات المقاومة، كي تكون ورقة ضغط يحقِّق بها مطالبه، بل أصبحت المفاوضات في كل مرة غطاءً لإخفاقات الصهاينة العسكرية والاستخباراتية، بأن الفلسطينيين ما زالوا بحاجة للجلوس مع الجانب الصهيوني (الطرف الأقوى) على طاولة واحدة، وما حقَّقه المقاومون في فترةٍ قصيرة، يبعد سنواتٍ ضوئية عما تحاول المفاوضات تحقيقه منذ 17 عامًا، فماذا عن الحدود؟ بل ماذا عن الدولة؟ ماذا عن الأقصى؟ وماذا عن الأسرى؟ ماذا عن حصار غزة؟ وماذا عن اللاجئين؟ وماذا عن يهودية الدولة؟.. هذا إن أبقت المقاومةُ للصهاينةِ دولةً ليتفاوضوا عليها.