هناك بعض المحاذير التي ينبغي على الداعية أن يراعيها ويحذرها حتى لا تفسد تكوينه أو يكون تكوينه مشوهًا، فيفسد من حيث أراد الإحسان، وقد قسمت هذه المحاذير إلى: محاذير أخلاقية، ومحاذير علمية:
المطلب الأول: محاذير أخلاقية:
وهي محاذير ترتبط بذات الداعية وبنيته وأخلاقه كشخص، وما لم يراع الداعية هذه المحاذير ويحذرها ربما أغلق الله عليه باب التوفيق والتيسير؛ لأنه كما قال الشاعر:
إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده
ومن أهم هذه المحاذير:
** أن تتغير نيته إلى مماراة السفهاء أو طلب دنيا، بعد أن عقد نيته لله تعالى، وهذا يأتي من استحسانه لعلمه الذي بدأ في تحصيله عند مماراة الناس، أو مجادلة بعضهم، أو إجابته على بعض الاستفسارات؛ فيدخل العجب إلى نفسه وتتحول نيته من الله (الطريق الرأسي) إلى الناس (الطريق الأفقي) مستمطرًا مدحهم، ومستجديًا ثناءهم، وهذا من أخطر ما يكون على الداعية.
** ومن هذه المحاذير الاغترار ورؤية الذات، وهو محذور مرتبط ومترتب على ما قبله، فحين يتجه الداعية ويطلب وجه الناس لا وجه الله، يهتم بذاته، وتتورم عنده "الأنا"، أولئك الذين ينفخون أنفسهم "كالبالون" حتى ليغطي الورم المنفوخ عن عيونهم كل آفاق الوجود.
** ومنها أيضًا أن يستطيل على الناس بعلمه، ويتكبر به، ويتعالى عليهم في لفتة تحقير لمن حوله؛ حيث يرى أنهم دونه وهو فوقهم بما حصَّله من علم وعرفه من ثقافات، وهو من أخطر ما يصرف الناس عن الداعية، ويسقطه من اعتبارهم، في حين أن الموقف الصحيح للداعية أن يتواضع، فضلاً عن ألا يلقي بالاً بمدحهم له، متمثلاً قول ابن عطاء الله: "الناس يمدحونك لما يظنونه فيك, فكن أنت ذامًّا لنفسك لما تستيقنه منها".
المطلب الثاني: محاذير علمية:
وإذا كانت المحاذير الأخلاقية تقطعه عن توفيق الله، وتحجبه عن النور والإلهام والإشراق؛ فإن إهمال المحاذير العلمية تأتي على ما تبقى لديه من علم مجرد، وتضله عن الطريق تمام الضلال، ومن هذه المحاذير:
** أن يتوقف عن المتابعة والقراءة؛ حيث يتصور الداعية في بعض الأوقات أنه قد وصل إلى درجة تؤهله للدعوة، لم يعد معها في حاجة إلى مزيد متابعة ولا كثير تحصيل، وهنا نذكِّره بالقول المشهور: "لا يزال المرء عالمًا ما طلب العلم فإذا ظن أنه علم فقد جهل".
ونوجه نظره إلى القرآن الكريم في قصة موسى والخضر: ألم يكن موسى من أعلم الناس، فهو نبي صنعه الله على عينه، وعلَّمه من فضله، ومع ذلك حين قام خطيبًا في الناس، وسُئل من أعلم الناس؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فقال له: بلى، عبد بمجمع البحرين هو أعلم منك.
ورُوي أن أحد السلف في لحظات موته، يسأل صاحبًا له عن مسألة في المواريث، فقال له: يا أبا فلان وماذا ينفعك علمها الآن وأنت على فراش الموت؟! فرد عليه: أفلا أموت وأنا أعلمها خير من أموت وأنا لا أعلمها؟.
وروى ابن الجوزي عن صالح بن أحمد بن حنبل قال: رأى رجل مع أبي محبرة، فقال له: يا أبا عبد الله، إنك قد بلغت هذا المبلغ وأنت إمام المسلمين ومعك المحبرة تحملها؟! فقال له أبي: "مع المحبرة إلى المقبرة"، وسمعته مرة يقول: "أنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر".
** إهمال جانب لصالح آخر، فإذا كانت المتابعة والمطالعة الدائمة أمر يجب أن يهتم به الداعية ويداوم عليه، فإن موازنته بين أمور الفقه وأمور الدعوة هو ما يشكل فيه هذا الاتزان المنشود.
فلا يصح للداعية أن تكون كل قراءاته ومتابعاته في الفقه وأصوله وقواعده، متناسيًا جانب الدعوة وتاريخها وفقهها وآفاقها، فإنه حينئذٍ تخفت فيه هذه الروح التي تؤثر في الناس ويترتب عليها الإنذار: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)﴾ (التوبة).
كما لا يصح منه أيضًا أن يتضلع في جانب الدعوة ويهمل جانب الفقه وما يتصل به من أصول وقواعد وضوابط؛ فإنه حينئذٍ يفقد الضابط الذي يضبط الروح الدعوية والوهج السماوي، ومن ثم يتعرض للوقوع في محظورات دعوية وفقهية معًا.
والمنهج الصحيح أن يوازن الإنسان بين هذين المجالين، فيقرأ هنا كما يقرأ هناك، ويتابع هناك كما يتابع هنا، وإلا أصبح خلقًا ممسوخًا مشوهًا بعيدًا عن الاتزان ومقتضى الصراط المستقيم.
-------------
* الباحث الشرعي بالمركز العالمي للوسطية- الكويت