الصورة غير متاحة

 د. أحمد دراج

نشرت صحيفة (المصري اليوم) في عددَيْها الصادرَيْن يومي الجمعة والسبت الموافقين 10، 11/9/2010م بعناوين واضحة، لا تخطئها العين الناقدة؛ نبأ قرار عفو وزير الداخلية عن 450 سجينًا من 5 أقسام شرطة وسجن عمومي ("المصري اليوم" 2280 ص15)، والإفراج عن 637 من نزلاء سجن "طرة" بعد انقضاء نصف المدة لحسن السير والسلوك!! ("المصري اليوم" 2281 ص15).

 

والغريب في الأمر أن تقوم وزارة الداخلية بتسديد ما عليهم من مصاريف لهؤلاء السجناء المحكوم عليهم في جرائم متنوعة، والأكثر غرابة هو اللقاء الودي والعناق الحميم والحفل الغنائي الراقص الذي جمع بين القيادات الأمنية ولواءات وزارة الداخلية مع هؤلاء المفرج عنهم على مائدة الإفطار والاحتفاء بهم حفاوة بالغة.

 

وإذا كان المرء يرحِّب من حيث المبدأ بالإفراج عن السجناء بعد انتهاء محكوميتهم لحسن السير والسلوك؛ إلا أن مبدأ العدالة والمساواة يقتضي الإفراج عن سجناء الرأي والمعتقلين السياسيين قبل غيرهم؛ ولكن هذا الإفراج عمل انتقائي مشبوه، ويفهم الحصيف مغزى تلك الخطوة الغربية؛ حيث تلعب آلاف الفئران في صدور أي مراقب للأحداث، وتنبت بذور الشك أشجارًا في عقل أي إنسان مصري يراقب سلك وزارة الداخلية وقياداتها؛ ما يثير عشرات الأسئلة التي تشير بأصابع الاتهام إلى أجهزة الدولة، وفي مقدمتها جهاز الشرطة؛ لشبهة مشاركته في عدة جرائم في حق الوطن، وأهمها: لماذا أفرج عن هؤلاء المساجين انتقائيًّا بعد نصف المدة فقط؟ ولمَ في هذا التوقيت تحديدًا؟ وإذا كان الإفراج بمناسبة عيد الفطر؛ فلماذا لم يفرج عن بقية السجناء وخاصةً سجناء الرأي وأولئك الأبرياء الذين لُفقت لهم قضايا سياسية واقتصادية وحُوكموا أمام محاكم عسكرية؟!.

 

لماذا لم يُفرج عن هؤلاء بعد انقضاء ثلاثة أرباع المدة؟ ولماذا لم يُفرج عن الصحفي المناضل مجدي حسين الذي حُوكم على دخول غزة ومساندة شعبها بعد الغزو الصهيوني؟ ولماذا لم يُفرج عن خيرت الشاطر ورفاقه الذين حُوكموا أمام محكمة عسكرية رغم انتهاء أكثر من ثلثي المدة وثلاثة أرباع المدة لآخرين؟ ولماذا لم يُفرج عن الإخوة الزمر رغم انتهاء محكوميتهم منذ عدة أعوام؟!.

 

يتردَّد في الأوساط السياسية وبين المطلعين على خبايا النظام الحاكم أن وزارة الداخلية وكوادرها التابعين للحزب الوطني؛ بصدد إعداد العدة للانتخابات التشريعية القادمة باستخدام هؤلاء السجناء مع أرباب السوابق الذين تعج بهم أقسام الشرطة في عمليات القتل والبلطجة والتزوير التي ستُمارس أثناء العملية الانتخابية بضراوة، وهذا الاحتمال هو أقوى الاحتمالات- في رأيي- وليس كما تروِّج وزارة الداخلية وأبواق النظام في وسائل الإعلام عن حرص الوزارة على رعاية حقوق الإنسان، ولا رغبة منها في تأهيل المجرمين، وذلك للأسباب الآتية:

1- مشاركة قيادات أمنية كبرى في حفل الإفطار مع المفرج عنهم لأول مرة.

2- مشاركة قيادات الأحياء والإدارات المحلية في حفل الإفطار الساخن.

3- اختلال قاعدة العدالة بين المواطنين المسجونين على ذمة قضايا سياسية وجرائم متنوعة.

4- معاملة المسجون السياسي وصاحب الرأي أسوأ من معاملة المجرمين.

 

إن ما يحدث في كواليس الحزب والنظام السياسي يؤكد أن وزارة الداخلية انحرفت عن دورها الأساسي في الحياد ومعاملة كل أفراد الشعب المصري على قدم المساواة، بغض النظر عن الانتماء السياسي وانحيازه الكامل للحزب الوطني ولجنة السياسات، واستقواء الحزب وجهاز الشرطة والأمن بالمسجونين والمشبوهين لتزوير الانتخابات وإرهاب الشعب، وهذا ما يفقدها جميعًا شرعية الطاعة، بل يسحب من النظام أي شرعية مدعاة، وينذر بأحقية الشعب بالخروج عليها، وحدوث ما لا يُحمد عقباه، ونأمل أن يجنِّب الله البلاد مخاطر تلك المرحلة الخطرة، والله من وراء القصد.

-----------

* darrag11@yahoo.com