- عشرات المنازل انهارت.. وأخرى مهجورة
- الأهالي يعيشون مع الصراصير والثعابين
- أمراض غير معروفة تصيب السكان
تحقيق: مي جابر ويارا نجاتي
وصل سخط أهالي قرية مسجد موسى بمركز أطفيح في محافظة حلوان إلى ذروته بعد غرق منازلهم في بحيرات المياه الجوفية، والتي زاد عمق المياه فيها عن 70 سنتيمترًا؛ ما أدَّى إلى انهيار عدد من المنازل، وتصدع أكثر من 200 منزل آخر، باتت آيلةً للسقوط.
وأكد الأهالي أن تلك المأساة بدأت بعد قيام هيئة الصرف الصحي بحفريات في شوارع القرية لإنشاء شبكة صرف صحي، إلا أنها فشلت بعد فترة من الحفر، فتوقف المشروع وغرقت القرية في المياه الجوفية؛ ما تسبب في تفشي الأمراض بين الأهالي.
(إخوان أون لاين) قام بجولة ميدانية في شوارع وبيوت القرية التي ما أن تخطو داخلها حتى تعيش الأزمة التي يعاني منها الأهالي.. فالشوارع تمتلئ بالمياه ذات الروائح الكريهة، وممزوج بها الكتل الطينية التي يصعب معها المرور والحركة في الشوارع، حتى إنه لم يتبقَّ سوى سنتيمترات قليلة من الشارع الذي يتعدَّى عرضه سبعة أمتار لتتحول إلى ممرات ضيقة.
أما الشوارع التي قد تظن عيناك أنها جافة، فسرعان ما تكتشف حقيقتها بمجرد أن تخطو عليها؛ لتجدها هشة، تتحرك من تحت قدمك بما تشبعت به من مياه.
وسترى من الخارج حوائط المنازل المتآكلة، والتي يسهل ملاحظتها من خارجها، إلى جانب أن معظم المنازل هبطت العديد من السنتيمترات، حتى المدرسة الوحيدة الموجودة بالقرية مهددة بالانهيار بين اللحظة والأخرى على رءوس الطلاب والتلاميذ.
مأساة "منجي"
الحجرات تحولت لبركة من الأوبئة

في أحد المنازل تسكن عائلة منجي المكونة من 17 فردًا، وقد أغرقت المياه نصف المنزل الأمامي الذي يسكنه عيد (33 عامًا- مزارع) مع أسرته، فلم يعد يصلح للسكن الآدمي، بعد أن غرقت الغرفتان والمدخل المؤدي إليهما.
ويروي عيد المأساة اليومية التي تعيشها أسرته فيقول: لم أعد أتمكن من العيش في المنزل، وانتقلتُ مع أولادي وزوجتي إلى أحد غرف إخوتي، على الرغم من كثرة عدد أولادهم، ويضيف: ورغم أننا نستأجر عربية الكسح 3 مرات يوميًا لنزح الماء من البيت، إلا أننا نستيقظ في اليوم التالي لنجد الماء قد ارتفع في غرف المنزل، فنضطر إلى إزاحته لنحاول حماية الأطفال من الأمراض التي تصيبهم، كالطفح الجلدي، والأملاح التي تمكنت من أرجلهم، وأصابتها بالضعف مع صغر سنِّهم.
ويتابع: نسبة ملوحة الماء عالية جدًّا لدرجة إصابتنا بحروق والتهابات مؤلمة جدًّا بمجرد ملامستها الجلد، كما أن النصف الآخر من المنزل لم يسلم من ارتفاع منسوب الماء، لكن بنسب أقل، فنقوم بردم بقية الغرف حتى نستطيع العيش بها.
أموات ومقابر
وتوضح عواطف سعد التي تعيش في منزل صغير- مع زوجها ووالدته- يتكون من غرفة واحدة ودورة مياه، وأن زوجها تعرَّض لحادث في عمله من قبل أفقده أصابعه؛ ما منعه من الخروج إلى العمل، لذلك تأتيها سيارة الكسح كل ثلاثة أيام، وتدفع لها في المرة الواحدة 25 جنيهًا، مؤكدة أنهم قاموا من فترة بتعلية الباب الذي هبط وانخفض مستواه- ما جعلهم لا يستطيعون الدخول من خلاله بشكل طبيعي- إلا أن ذلك لم يفلح.
![]() |
|
الجدران تفتت بسبب المياه الجوفية |
وتُرجع السبب في ظهور تلك المياه الجوفية إلى الحفر الذي قامت بها هيئة الصرف الصحي في الشوارع؛ حيث حاولت وضع مواسير للصرف الصحي، ولكنها توقفت فجأة، ولم يكتمل المشروع؛ ما أدَّى إلى ظهور تلك المياه في منازل الجهة البحرية من القرية.
ويؤكد الحاج محمد أبو زيد (45 عامًا- عامل بناء) من سكان القرية أنهم لم يروا أحدًا من المسئولين أتى ليتفقد أحوالهم أو عمل على حلِّ مشكلتهم، ويقول: "المسئولين بيعتبرونا من كوكب تاني، كأننا بالنسبة لهم أموات، وقريتنا هي المقابر، وعمرنا ماشتكينا ولن نشتكي؛ لأن أي حد هيشتكي لن يجد من يسمعه، وأنا أعلم كيف تجري الأمور مع المسئولين، لأني كنت أعمل بالقاهرة، وشهدت بنفسي طريقة تعامل المسئولين للمواطنين".
الردم هو الحل
"الحمد لله إحنا صابرين على ما ابتلانا بيه ربنا" هكذا عبَّرت الحاجة سميحة عبده (51 عامًا- ربة منزل) عن حال منزلها الذي تعيش فيه بمفردها بعد زواج أبنائها، وتؤكد أنها تشتري كل شهر مقطورة رمل وظلط بـ40 جنيهًا لتقوم بردم الساحة الرئيسية في مدخل منزلها.
وتضيف أنها هجرت منزلها طوال شهر رمضان الماضي؛ بسبب ارتفاع منسوب المياه، وظلت تنتقل بين منازل أبنائها وبناتها على الجانب الآخر من القرية طوال الشهر الكريم.
بلا نهاية
الأملاح سيطرت على كل مكان

قصص لا تنتهي حكاها لنا سكان القرية الذين توافدوا علينا، والقاسم المشترك بينها المعاناة المستمرة، والمرارة والإصابة بالأمراض المختلفة التي لم يصل الأطباء لتشخيص لها حتى الآن.
وقادنا البعض إلى منزل سيدة شعبان التي لم تعد تعرف سنها، فقالت: إنها تحتاج بصفة دورية إلى شفط المياه التي ملأت الجزء الخلفي من المنزل؛ ما أدى إلى سقوط جدرانه بالكامل، كما تمكنت الأمراض من ابنها الكبير الذي يصرف على المنزل بعد وفاة زوجها، والذي أصيب بارتفاع نسبة الأملاح في قدمه وأضعفته فجعلته يخرج للعمل يومًا أو اثنين فقط كحد أقصى أسبوعيًّا؛ ما جعلهم عاجزين عن شفطها أكثر من مرة أسبوعيًّا نظرًا لضيق ذات اليد.
وتشير إلى أن الحالة المادية لمعظم أهالي القرية ضعيفة جدًّا، فالشباب يعمل إما في مناشير البلح بحلوان أو كفاعل في أعمال البناء، وكلها أعمال يومية غير ثابتة، موضحة أنهم قاموا ببناء غرفة ومدخل البيت بالطوب الأبيض وتعلية الأرض والأبواب التي هبطت إلى نصف مستواها، إلا أن المياه تمكنت منهم مرة أخرى.
وتؤكد أنها لا تجد مكانًا لوضع ملابسها سوى غسلها ونشرها في الشمس مباشرةً أو ارتدائها، كما أنها اضطرت إلى رمي نصف ملابسها وملابس أولادها بعدما غمرتها المياه المالحة كريهة الرائحة وأفسدتها.
غرق الأطفال!
الأهالي هجرت منازلها بعد هبوطها وانهيارها

ويؤكد مبروك محمد أن الساحة الرئيسية في منزله التي كان ينوي بناءها لتزويج ابنه، لم تعد تصلح للعيش، حتى إنهم لم يدخلوها منذ أكثر من شهر بعدما امتلأت بالماء عن آخرها، ويخشى على الأطفال الغرق بها، قائلاً أن تكلفة سيارة الكسح التي تأتي لشفط المياه الموجودة بالغرفة تبلغ 120 جنيهًا في المرة الواحدة، وبعد انتهاء شفط الماء بأقل من ساعتين تعود المياه مرة أخرى إلى الحجرة.
ويوضح أنه قام ببناء غرفة لابنه الآخر لكي يتزوج بها إلا أنها استنزفت كل ما يملك، بعدما أخذ هو وأبناؤه الاثنين قروضًا وصلت إلى 13 ألف جنيه، ويحاولون جاهدين تسديدها مع الفوائد التي تراكمت عليهم.
ثعابين وحشرات!
"المياه خرَّبت البيوت" هكذا قالت نادية عبد المجيد عن المياه الجوفية التي أصابت البلد بأزمة كبيرة تفاقمت قبيل شهر رمضان مباشرة، وتعيش مع زوجها (عامل بناء) وثلاثة أطفال، وتؤكد أن المياه أضرَّت أكثر الضرر بالأطفال؛ حيث أصيبوا بآلام في القدم والركبة، فضلاً عن التآكل الذي يشعر به من تلمسه نقطة من المياه شديدة الملوحة.
وتكمل: يعيش الأطفال في رعب وخوف بسبب الثعابين والصراصير، والكثير من الحشرات التي ظهرت في المنزل، مشيرةً إلى أنها لم تعد تستطيع استخدام دورة المياه ولا أطفالها؛ لأنها مغمورة بالمياه التي لا تجف، على الرغم من شفطها المستمر.
وتؤكد فوزية عبد العال (متزوجة حديثًا) أن منزلها غرق بالكامل؛ لأنه مبنيٌّ من زمن طويل (بالدبش)، وتكلف ردم مدخل المنزل وحده 300 جنيه، لكن المياه عادت مرةً أخرى إلى سطح الأرض، فانتقلت من منزلها لتعيش مع عائلة زوجها الكبيرة.
منازل مهجورة
وفي كل شارع وجدنا منزلاً على الأقل قد هجره أصحابه بعد غرقه بالمياه، وتقول الحاجة رشيدة (50 عامًا- ربة منزل) إن المياه أغرقت منزلها عدة مرات، وفي كلِّ مرَّة تقوم هي وابنها بردم المنزل بالرمال، فردموه عشرات المرات، وبعد كل مرة تعود المياه مرةً أخرى لتغرق كل حجرات المنزل؛ لتجعلهم أسرى غرفة واحدة بالمنزل؛ لأنهم لم يستطيعوا ردم بقية غرف المنزل.
وبنبرة متحسرة يشكو أحمد عبد العظيم (45 عامًا- عامل بناء) من إصابة أطفاله بأمراض جلدية بسبب هذه المياه، فيقول: "ذهبنا للطبيب، ولكنه لم يعرف المرض الذي أصاب الأطفال، ووصف لهم أدوية لم تُذهب المرض الغريب، وأخشى على أطفالي الأربعة من إصابتهم بالمزيد من الأمراض؛ بسبب ملوحة المياه الشديدة، بالإضافة إلى تعفنها ورائحتها الكريهة التي تسيطر على المكان".
3 سنوات
سيارة الكسح تدور على منازل القرية 24 ساعة

وتقول سعاد محمد (ربة منزل): إنهم يعيشون في هذه المأساة منذ أكثر من 3 سنوات، ولا يملكون للتخلص منها سوى كسح المياه وردم المنزل بالرمال كل فترة، وهذا يستلزم ميزانية خاصة؛ حيث إن ردم "المندرة" يصل إلى 6 آلاف جنيه، مشيرةً إلى أنهم اضطروا لردمها للحفاظ على "منظر" الأبناء أمام زملائهم بالمدرسة.
ويؤكد لنا عم عامر (44 عامًا- عامل بسيارة الكسح) أنه يقوم بكسح المياه بشكل يومي عن المياه، وهناك عائلات تقوم بكسح المياه 5 مرات يوميًّا، وكلٌّ حسب طاقته المادية.
