هل سينتهي موقف القوى الوطنية من الانتخابات القادمة إلى المقاطعة أم إلى المشاركة؟ هل سيتجه الإخوان المسلمون إلى المشاركة رغم عدم وجود ضمانات لنزاهة الانتخابات؟ ماذا سيفعل د. البلتاجي في الانتخابات القادمة؟ ولماذا لم تبدُ له أية لافتات في دائرته بشبرا الخيمة؟!

 

عشرات من الأسئلة أتلقاها كل يوم، وفي كل مرة أعيد السؤال للسائل: "ما رأيك أنت؟ وبماذا تنصح؟"، وأقف أستمع إلى إجابات وآراء متفاوتة.

 

في مقال سابق لي بعنوان (حتى لا نبكي على اللبن المسكوب) نُشر في 11 يوليو 2010م بجريدة (الدستور)، كان رأيي أننا يجب أن نقود حراكًا جماهيريًّا واسعًا يبدأ فورًا بالضغط على النظام لردعه عن تكرار تجربة الشورى مرةً ثانيةً؛ أي كان رأيي أننا يجب ألا نقع في خلاف حول السؤال الخطأ: (هل سنشارك في انتخابات بلا ضمانات؟ أم سنقاطع الانتخابات إذا لم تتحقق الضمانات؟)، لكن السؤال الذي ينبغي أن ننشغل بالإجابة عليه هو (كيف يمكن أن ننتزع حقنا في منع النظام من تزوير الانتخابات التي من حقنا أن نشارك فيها؟).

 

في مقال أخير لي بعنوان (مرشحو الشعب ومرشحو الحزب) نُشر في 1 سبتمبر 2010م بجريدة (الدستور)، قلت تعليقًا على اللافتات الانتخابية التي تملأ شوارع مصر: (ينبغي ألا تنخدع الجماهير وتتوه بين هذه اللافتات- التي لا تخاطبها ولا تعمل لها أصلاً- فأغلبها سيلعب حتمًا ضمن فريق الحزب الوطني، وهو الفريق الذي يجب أن تبدأ الجماهير بإخراجه من الملعب أولاً بصرف النظر عن أسماء لاعبيه وصورهم، فهو الحزب الذي بقي طوال الثلاثين سنة الماضية يعمل لاعبوه لصالح أنفسهم، محتكرين ثروات وقدرات وخيرات هذا الوطن لهم ولذويهم، فالسؤال الذي ينبغي أن ننشغل به هو (هل نملك أن نخرج ذلك الفريق من الملعب؟ أو أن نمنعه من تزوير إرادتنا واللعب باسمنا؟!).

 

الآن وقد مضى الوقت وصرنا أمام انتخابات لم نستطع أن نفرض ضمانات لنزاهتها، فما هو الموقف منها؟ أما بالنسبة لموقف القوى الوطنية فقد أعلنت الجمعية الوطنية مقاطعتها الانتخابات، وكذا أعلن حزب الجبهة وحزب الغد، بينما أعلنت أحزاب الوفد والتجمع والناصري وأحزاب أخرى (لا يسمع بها الناس) مشاركتهم فيها، ولم يحسم الإخوان المسلمون موقفهم من الانتخابات بعد، وأما فيما يخص موقفي الخاص فها هو الشريط أمام عيني بمحطاته ومؤشراته:

1- في عام 2000م تقدم أخي وأستاذي د. حسين الدرج لانتخابات مجلس الشعب عن دائرة شبرا الخيمة، وكنت ضمن الفريق المسئول عن متابعة العملية الانتخابية له، التفَّت جماهير شبرا الخيمة التفافًا قويًّا حول مرشحها الذي أحبته من كل قلوبها رغم كل التهديدات والتخويفات.

 

كان هناك قاضٍ على كل صندوق انتخابي.. نعم، لكن كان البطش والتنكيل والاعتقالات الواسعة نصيب كل المؤيدين لحسين الدرج، أغلق الأمن كل الطرق المؤدية إلى اللجان الانتخابية، جاءت نتيجة الجولة الأولى الإعادة بين أربعة من بينهم حسين الدرج، نزل محافظ القليوبية والقيادات الأمنية بأنفسهم لعقد الصلح بين مرشحي مقعد العمال المتنافسين لمواجهة حسين الدرج، يوم انتخابات الإعادة، تركوا القريتين اللتين ينتمي إليهما مرشحا العمال فقط وأغلقوا كل اللجان الأخرى.

 

أعلنت الـ(bbc) نجاح حسين الدرج، لكن النتيجة الرسمية قررت حرمانه من مقعده الذي حجزته له جماهير شبرا الخيمة في قلوبها، وبقي المقعد شاغرًا؛ حيث بقيت شبرا الخيمة طوال 2000: 2005 لا تعرف غير حسين الدرج زعيمًا محبوبًا لها.

 

كان من الطبيعي أن يزجَّ بحسين الدرج في أول قضية عسكرية للتخلص من شخصية عشقتها الجماهير، وبقي الرجل في محبسه ثلاث سنوات رغم مرضه الشديد الذي خرج به من سجنه ليلقى ربه، لكن أثره في شبرا الخيمة بقي محفورًا في قلوب أهلها الذين بقوا يحلمون بمن يكمل مشوار حسين الدرج.

 

2- في 2005م طلب مني إخواني النزول لانتخابات الشعب لاستكمال المشوار الذي بدأه حسين الدرج، كانت الأجواء مختلفة تمامًا عن 2000م (وكذا عن 2010م)، عقدنا الجولات والمؤتمرات والمسيرات، وبدا واضحًا أن جماهير شبرا الخيمة تريد أن تثأر لكرامتها التي ديست في 2000م، كنا في المرحلة الثانية من الانتخابات التي بدأ النظام يعيد فيها حساباته بعد نتائج المرحلة الأولى.

 

بعد انقضاء يوم الانتخابات بقيت الجماهير بالآلاف ساهرة لتحرس إرادتها أمام سرادق فرز الأصوات، في الساعة الثانية بعد منتصف الليل وقد انتهى الفرز في كل اللجان وبدت النتيجة واضحةً أمام كل المندوبين الذين حضروا الفرز، جاءت التعليمات بالتليفون بضرورة تغيير النتيجة وقلبها على النحو الذي حدث في دائرة مدينة نصر والدقي في المرحلة الأولى، كانت الصدمة واضحة على وجه رئيس اللجنة وهو يرد على تليفون المسئول الكبير، فجأةً أعلن الرجل أنه مضطرٌّ لمغادرة اللجنة بحجة أزمة قلبية انتابته وأن اللجنة العليا سترسل قاضيًا آخر سينهي إجراءات إعلان النتيجة.

 

أصرَّ الرجل على المغادرة في تلك اللحظات الحرجة (إذ لم يسمح له ضميره بالاستجابة للمسئول الكبير الذي طالبه بالتزوير ولم يقو كذلك على رفض الطلب ومخالفته)، لكن الرجل حين همَّ بركوب سيارته فوجئ بشاب ينام أمام عجلات سيارته ويقول له (ادهسني بسيارتك إن شئت المغادرة، أيها القاضي المحترم، عد وأعلن النتيجة كما يمليها عليك ضميرك، فأنت صاحب المسئولية أمام الله والشعب والقانون)، عاد الرجل واستكمل إجراءاته وأعلن النتيجة التي جاءت بنجاحي وحصولي على 19750 صوتًا من مجموع 26 ألف صوت صحيح، وانتصرت إرادة الجماهير.

 

3- كنت أدرك من البداية أن واجبي كنائب أن أقول كلمة الحق، وأقف الموقف الصحيح دون سقف أو حسابات ومهما كانت التبعة، وهكذا عشت طوال السنوات الخمس (تحت قبة البرلمان، وفي الشارع السياسي، وفي الإعلام كاتبًا أو متحدثًا)، أعيش القضية المعروضة كأنها قضيتي الوحيدة، وكأنها معركة وجود بالنسبة لي.

 

هكذا عشت في معركة السلطة ضد استقلال القضاء وفي سعيها لحبس وتقييد حرية الصحافة، وحين ساندت الحركة الطلابية ضد تغييبها وتزوير إرادتها، وحين وقفت إلى جانب المعلمين في كادرهم وحقهم في الحياة الكريمة، وكذا إلى جانب أعضاء هيئات التدريس بالجامعات ضد إهدار حقوقهم وكرامتهم، وحين وقفت إلى جانب المزارعين ضد إجراءات حكومية عبثية في أزمة إنفلونزا الطيور، وحين خضت معركة ضد الإهمال والمحسوبية في فضيحة عبّارة السلام، وحين وقفت ضد التعديلات الدستورية، وحين دافعت عن حرية التعبير للجميع وحق الشباب في التظاهر دون ملاحقة أو تهديد بالرصاص، وحين خضت معركة الطوارئ حتى سقطت مغشيًّا عليَّ، وحين دافعت عن أهلنا في غزة ضد العدوان وضد الحصار والتجويع، وحين وقفت ضد تشريعات جائرة في قانون المرور وقانون الضرائب العقارية وغيرها.. كنت أعلم أن هذه المعارك بهذه القوة لها ثمن سيدفع، لكني لم أنشغل بغير واجبي أؤديه.

 

4- بعد التعديلات الدستورية ونماذج انتخابات (الشورى 2007م- المحليات 2008م- الشورى 2010م) صار واضحًا أن الاتجاه ليس لوجود نواب عن الشعب بل نواب عن السلطة، استشعرت خطر المرحلة القادمة، كتبت كثيرًا عن كارثة التوريث، والخطر الذي يتهدد مستقبل هذا الوطن، شاركت في كل الفعاليات التي من شأنها أن توحِّد جهود المعارضة وتنسِّق بينها لتزيد من قدرتها على التصدِّي لهذا الخطر القادم، شاركت في الحملة المصرية ضد التوريث وفي الجمعية الوطنية للتغيير، واعتبرت أن المعركة الرئيسية في هذه المرحلة هي (كيف نتفق على القاسم المشترك من مطالب الحركة الوطنية وكيف نحوِّلها من مطالب نخبوية تخص قوى سياسية وشخصيات عامة إلى مطالب جماهيرية تهتم بها القاعدة العريضة من شعبنا)، ومن ثم اهتممت في الفترة الأخيرة بالنزول إلى كل المحافظات- مع رموز الجمعية الوطنية للتغيير- للمشاركة في تكوين هذا الوعي لدى جماهير مصر في الوقت الذي بدأ البعض يوفر جهده ووقته لدائرته استعدادًا للمعركة الانتخابية.

 

5- في منتصف يوليو الماضي، بينما كنت أعبر الطريق على قدمي، وقفت سيارة فخمة ظننتها تقف لعبوري أمامها، لكني وجدت صاحبها يفتح الباب ويتجه نحوي فاتجهت إليه مصافحًا ومرحبًا، عرفني الرجل بنفسه؛ فهو ذو مسئوليات كبيرة ورفيعة جدًّا- كنت أعرف بعضها لكني لم أره من قبل- قال لي الرجل: (أنا وأولادي نتابعك ونتابع نشاطك عن قرب، ونحن نقدِّر جدًّا ما تقوم به من جهد، لكننا مشفقون عليك جدًّا في المرحلة القادمة وكيف ستواجهها، فأنا باعتبار موقعي أعرف ماذا أعدَّ لك ولمواجهتك)، شكرت الرجل وانصرفت غير مكترث كثيرًا بما عسى أن يكون قد أعد لي.

 

6- في الجمعة الأولى من رمضان الأخير وبغير ترتيب، صليت الجمعة في أحد المساجد الكبرى بشبرا الخيمة، ولم أكن أنوي غير أن أحضر الصلاة وسط الناس وأصافحهم عقب الصلاة مهنئًا برمضان، عقب الصلاة وقف الشيخ (وهو من كبار علماء ودعاة شبرا الخيمة الرسميين) ينبه على بعض الأشياء الخاصة بالمسجد في رمضان، وفي نهاية كلمته رحَّب بوجودي وسط المصلين فاضطررت للذهاب إليه فعانقني مهنئًا برمضان، وما كنت أريد أن أسبِّب له حرجًا لكنه آثرني بكرمه، ما إن جاء الليل إلا ووجد الرجل ضيوفًا من زوار الليل يسحبونه إلى مقر أمن الدولة، وهناك بقي يومين يتلقى أقذع السباب وأشد الإهانات في رمضان وكانت كل جريمته (كيف ترحب بالدكتور البلتاجي في المسجد وكيف تعانقه أمام المصلين؟!).

 

7- في ليلة الـ21 من رمضان الأخير، (الليلة الأولى من العشر الأواخر، أحد الليالي الفردية المتوقع أن يكون من بينها ليلة القدر)، صليت في المسجد المجاور لمكتبي وعيادتي، وعقب صلاة أربع ركعات من التراويح جلس إمام المسجد يعطي درسًا لجمهور المصلين الكبير في تلك الليلة المباركة (!)، فأخرج أوراقًا من كيس وأخذ على مدار نصف ساعة يقرأ على الناس من تلك الأوراق (من هم الإخوان المسلمون؟ إنهم خوارج هذه الأمة.. ومن هو حسن البنا؟ إنه مضل هذه الأمة.. ومن هو عمرو خالد؟ إنه المبتدع الدعي..)، انتظرت حتى انتهى الرجل من حديثه، وخشيت من الفتنة والجدال والمراء الذي يمكن أن يفسد على الناس تلك الليلة المباركة، فنبهت الناس إلى أننا في أجواء المسجد والصلاة والعشر الأواخر وليلة القدر، وقلت لهم: (لا أدري هل يتعبَّد الشيخ في تلك الليلة بسب الإخوان والدعاة وأكل لحومهم أم أنه متأثر بمسلسل "الجماعة" فأبى إلا أن يستكمل رسالة المسلسل من منبر المسجد لتتكامل أدوار الفن والدين في تشويه الإخوان!).

 

ولم أشأ أن أتوقف وأرد على ادعاءات الشيخ الباطلة واتهاماته المختلقة، لكني قلت له فلتقم لاستكمال الصلاة وسأصلي خلفك درءًا للفتنة رغم أنك زعمت أننا خوارج، وطلبت من الناس ألا يتعرَّضوا له ولو بالمناقشة عقب الصلاة.

 

في اليوم التالي جاء الرجل معتذرًا للناس عما حدث، لكن يبقى السؤال: هل يجرؤ خطيب أو شيخ في مسجد للأوقاف أن يتحدث للناس عن الإخوان المسلمين (سلبًا أو إيجابًا) إلا باتفاق وترتيب مع أمن الدولة؟ ولماذا بقي هذا الشيخ محل السكوت والرضا من أمن الدولة بينما الآخر (الذي هو أعلى منه علمًا وسنًا ووظيفة) كان محل المحاسبة والإهانة لمجرد تقبيله لي، وهل دخلت المساجد في التوظيف في لعبة الانتخابات بالتشويه لخصوم النظام (كما دخل الفن وكما دخل العمل الخيري؟)، وهل هذه سياسة عامة أم خاصة بدائرتي ومقعدي الذي نزل للترشح عليه في مواجهتي لواء شرطة سابق (كان مسئولاً عن النشاط الديني بأمن الدولة بشبرا الخيمة! ولا يزال زوج ابنته رئيسًا للمباحث بشبرا الخيمة؟!).

 

8- لا أدري أي مجلس هذا الذي سيتشكَّل من الوزراء ورجال المال والأعمال وضباط الأمن ومن المعارضة التي سينتقيها الحزب الوطني؟ وهل سيبقى اسم هذا المجلس (مجلس الشعب)؟!

 

9- يقابلني أصناف من الناس في الدائرة قلقين (لماذا لم نرَ لك لافتات حتى الآن؟ إياك أن تكون قد قررت عدم النزول هذه الدورة، لا بد من استكمال المشوار) وآخرون مشفقون (المناخ العام سيئ ولا توجد ضمانات بعد غياب الإشراف القضائي وتجربة الشورى الأخيرة واضحة) وآخرون يائسون (لقد بذلت وسعك وكنت محل تقديرنا، لكن ماذا أفاد ذلك، إنك وأمثالك تنفخون في قربة مقطوعة)!!.

 

أخيرًا:

1- أؤمن أن هذه الجولة في معركة التغيير ليست جولة نهائية، وأن المعارضة لم تدفع ولم تقدم ثمن التغيير بعد، وأن معركة التغيير ليست صفرية وإنما تراكمية، وأن العنصر الرئيسي فيها هو تماسك الحركة الوطنية واستمرارها وقدرتها على التحول لتيار وطني يلتف حوله الشعب، وأننا يجب أن نراهن على قدرتنا على بناء الوعي لدى الجماهير وتكوين الرأي العام المناصر للتغيير، كما أن رهان أعداء التغيير هو على استمرار الجهل والأمية السياسية وتغييب الوعي وسحق الناس بلقمة العيش وتلهيتهم بكل تافه.

 

2- ما زلت لم أقرر بعد موقفي من الانتخابات، وها أنذا أعيد السؤال على القراء الأعزاء (ما رأيكم؟ بماذا تنصحون؟).

 

وسواء كنت ضمن المشاركين في الانتخابات أم ضمن المقاطعين لها فكل ما أعد به هو أن أستمر مشاركًا في النضال السياسي وألا أتوقف عن قول كلمة الحق، وأن أبقى ضمن جنود الإصلاح والتغيير حتى يتحقق أو نهلك دونه فيأتي من يكمل المشوار من بعدنا.. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: من الآية 51).

--------

* عضو مجلس الشعب المصري- الأمين العام المساعد للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين.