تأملات في زراعة القمح في مصر
لست خبيرًا أو متخصصًا في موضوع زراعة القمح في مصر وتحقيق الاكتفاء الذاتي منه، لكنني وبصفتي مواطنًا مصريًّا مهتمًا بالشأن العام فقد أصبحت قضية القمح أحد الاهتمامات الشاغلة لي في الربع قرن الأخير.
في يوم الخميس 19/7/1987 حضرت أول ندوة علمية تتحدث عن مستقبل زراعة القمح في مصر، دعا إليها نادي أعضاء هيئة التدريس بالإسكندرية بالاشتراك مع نقابة الزراعيين ووزارة الزراعة والتي مثلها الدكتور عبد السلام جمعة (أبو القمح) نائبًا عن الدكتور يوسف والي وزير الزراعة وقتها.
قبل هذه الندوة كنا نستمع من إخواننا الماركسيين والشيوعيين أن زراعة القمح تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي منه أمر ممكن، لكننا لم نكن نضع أيدينا على حقائق وأرقام المعضلة.
استمرت الندوة من التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً، وتم عرض كل المعلومات الخاصة بزراعة القمح.. وكانت اللهجة الحكومية الرسمية تؤكد وتصر على التأكيد أن الاكتفاء الذاتي من القمح أمر غير ممكن ولا يدخل ضمن حسابات وزارة الزراعة.
في نهاية الندوة وبعد أن اتضحت الأرقام والمعلومات التي كانت خافية علينا وقفت أسأل المنصة السؤال التالي: إذا كانت المعلومات التي ذكرتموها اليوم هي المعلومات الرسمية الصحيحة وتشمل الآتي:
أولاً: توفر الأراضي الزراعية (الطينية والرملية) اللازمة لزراعة القمح وهي:
( أ ) 500 ألف فدان في الساحل الشمالي تحتاج إلى تطهيرها- دوليًّا- من الألغام وتحتاج لعمل شبكة ري وصرف لها للاستفادة من مياه الأمطار تمامًا، كما كان يفعل الرومان إبان احتلالهم لمصر وأنشأوا الآبار الرومانية التي ما زالت موجودة آثارها إلى اليوم.
(ب) توفر 500 ألف فدان في وادي العوينات- جنوب الوادي- قابلة للري من خزان المياه الجوفية الذي قد ينضب بعد 200 سنة من استخدامه!!.
(ج) توفر مليون فدان في سيناء الشمالية والجنوبية مع توفر مياه السيول والأمطار بالإضافة إلى شق ترعة السلام.
(د) إمكانية تحويل مليون فدان إضافية من الأراضي الطينية القديمة إلى زراعة القمح عن طريق تحقيق عائد مجزٍ للفلاح المصري.
(هـ) بالإضافة إلى أراضٍ أخرى قابلة لزراعة القمح مثل واحة سيوة وباقي الواحات الأخرى بالصحراء الغربية.
ثانيًا: وتوفر مياه النيل اللازمة للري، خاصة أن حجم الفاقد من هذه المياه في البحر المتوسط هو 12 مليار متر مكعب سنويًّا من إجمالي حصة مصر البالغة 55 مليار متر مكعب سنويًّا أي أن نسبة الفائض السنوي من المياه 22%.
ثالثًا: توفر الأيدي العاملة المصرية المدربة خاصة وقد تم إرسال مليون فلاح إلى العراق.
رابعًا: إمكانية توفير رؤوس الأموال اللازمة للاستصلاح بجهد غير كبير، خاصة إذا علمت أن تكلفة إنشاء شبكة الري والصرف بالساحل الشمالي تساوي التكلفة المنفقة على قوات الأمن المركزي لمدة عام واحد.
هذا السؤال، وانتظرت أنا والحاضرون سماع الإجابة العلمية من هؤلاء الخبراء الرسميين ردًّا على هذه التساؤلات وإذا بالإجابة تأتي من المنصة على أعجب ما يكون الرد:
(لا يوجد قرار سياسي بزراعة القمح).
يا نهار أسود!! ألهذا الحد تدار أمور البلاد والعباد؟، يا لها من بلية وقعت علينا بهذا الشكل والحجم، وخرجنا من المؤتمر ونحن نضرب كفًّا على كف، ثم اكتشفنا أن هناك شروطًا لاستيراد القمح وهي:-
1- أن يكون القمح أمريكيًّا!!
2- أن يتم الاستيراد عن طريق شركات أمريكية!!
3- أن الدفع لا بد أن يكون بالدولار الأمريكي!!
4- أن الشحن لا بد أن يكون على موانئ أمريكية.
5- أن الشحن لا بد أن يكون على بواخر أمريكية!!
ورغم أن الرحلة كانت تستغرق شهرًا كاملاً وقتها من الموانئ الأمريكية إلى ميناء الإسكندرية ورغم أن الحلف الأطلنطي- وقتها- كانت تملك صوامع للغلال في ميناء بيريه اليوناني؛ ما يجعل الرحلة لا تستغرق أكثر من ثلاثة أيام فقط لا غير، إلا أن شروط الشحن هذه كانت موضوعة لإمكان التحكم في كمية القمح المصدرة لمصر مع إمكانية تغيير وجهة الشحنة إلى أي ميناء آخر إذا رفعت مصر رأسها أو صوتها في أي محفل دولي على غير هوى ورغبة الولايات المتحدة الأمريكية.
هكذا على مدار ربع قرن من الزمان تتبعت هذا الموضوع المثير فوجدت الحصيلة متمثلة في الجدول الآتي:-

عجائب الجدول:-
1- عندما كانت مصر تنتج من 1/4 احتياجاتها- 2 مليون طن- من أصل- 8 ملايين طن- للاستهلاك كانت تستورد 75% من هذه الاحتياجات بواقع 6 ملايين طن/ السنة.
2- عام 2002 عندما وصل الإنتاج إلى 50% من الاحتياجات، كانت مصر تستورد 6 ملايين طن/ السنة.
3- 2010- 2011 عندما يصل إنتاج مصر إلى 60% من الاحتياجات فإننا نستورد 6 ملايين طن/ السنة.
4- في عام 2020 المتوقع أن يكون الاستهلاك 20 طنًّا وأن يكون الإنتاج 70% من الاحتياجات أى 14 طنًّا وبالتالي سوف تستورد 6 ملايين طن/ السنة.
هل فهمت المؤامرة؟!
إن حصة مصر من سوق القمح العالمي لا بد ألا تقل في أي سنة من السنوات عن 6 ملايين طن/ السنة.
س1: لماذا؟.. س2: من المستفيد؟.. س3: لماذا لم تنتج مصر عام 1987 ما تحتاج من القمح 8 ملايين طن؟.. س4: ما هو الحل؟