- خبير بيئي: كارثة أسوان أخطر من خليج المكسيك

- النائب أكرم الشاعر: الأزمة كشفت تخبط المسئولين

- علماء الزراعة: تلوث الماء سبَّب أمراض المصريين

- حمدي عبد العظيم: خسائر اقتصادية شاملة

 

تحقيق: مي جابر

"الموقف تحت السيطرة" و"ليس هناك أي داعٍ للقلق"؛ عبارات معلبة اعتادت حكومة الوطني أن تواجه بها الكوارث التي تعصف بالمواطن المصري بين الحين والآخر، وهو ما بدا واضحًا في حادث تسرب 110 أطنان من السولار إلى مياه النيل، عقب غرق صندل أسوان مؤخرًا.

 

ففي الوقت الذي تم الإعلان فيه عبر جميع الصحف والقناة الثامنة عن قطع المياه عن جميع أنحاء المحافظة لثلاثة أيام متصلة نفت الشركة القابضة لمياه الشرب بأسوان الأمر جملةً وتفصيلاً، متجاهلةً الأضرار الصحية الخطيرة التي يمكن أن تلحق بالمواطنين عقب شربهم ماء "بالسولار"!

 

وبدورها التزمت هيئة الثروة السمكية الصمت التام في الأزمة، كما لم تقم بدورها في التأكد من صلاحية أسماك النيل التي يُقبل أبناء أسوان على تناولها بكثرة للأكل وخلوها من آثار هذا التسرب!

 

ورغم حالة القلق التي انتابت الكثير من أبناء أسوان إلا أن المسئولين رفضوا الإدلاء بأية تصريحات حول مدى انتشار بقعة السولار، وكيفية التعامل معها أو المواد المستخدمة لتفتيتها، والآثار الجانبية المحتملة لهذه المواد، واقتصر حديث البعض منهم على الادعاء العجيب أن 80% من الكميات المتسربة تبخرت!!

 

تهديد الحياة

بدايةً.. يقول الدكتور أحمد عبد الوهاب أستاذ علوم البيئة بجامعة بنها: إن ما حدث يعد كارثة كبيرة، فكمية السولار المتسربة لمياه النيل ليست قليلة، وهي تمثل تهديدًا واضحًا لحياة المواطنين سواء عن طريق الشرب أو تناول الأسماك.

 

ويدعو الحكومة إلى تشكيل لجان متخصصة وعلى قدر كبير من الكفاءة؛ لكي تتمكن من علاج مثل هذا النوع من الكوارث في أقل وقت ممكن، حتى لا تتعرض الحياة المائية والبشرية للتدمير، خاصة مع حدوث وقعة مشابهة في سوهاج من قبل غرقت فيها سيارة محملة بـ40 طن سولار وبنزين داخل ترعة الكسرة ناحية البلينا.

 

ويؤكد أن ما شهدته أسوان مؤخرًا أخطر من كارثة تلوث بحيرة فيكتوريا بـ 50 ألف جثة، فإذا كانت منظفات البيئة تستطيع تنقية المياه من مثل هذه الملوثات العضوية، فإن الأمر أكثر صعوبة في حالة اختلاط السولار بالماء.

 

ويضيف: رغم أن القلق أصاب العالم كله بسبب تسرب كميات من الزيت في محيط خليج المكسيك إلا أن ما حدث لدينا أكثر فداحة خاصة أن السولار أثقل من الزيت ولهذا لا يطفو كله على السطح، علاوةً على أن تلوث مياه النيل له تأثيره المباشر على صحة الإنسان عن طريق مياه الشرب وزراعة المحاصيل.

 

ويشير إلى أنه كان يمكن فتح السد العالي وتسريب المياه الملوثة بكميات السولار حتى تصل إلى البحر عن طريق فرعي النيل، ولكن في ظل أزمة المياه التي تمر بها مصر في الوقت الحالي فإن هذا الحل يبدو مستبعدًا.

 

سياسة النعامة

 الصورة غير متاحة

 د. أكرم الشاعر

ويرى النائب الدكتور أكرم الشاعر عضو الكتلة البرلمانية عن الإخوان المسلمين بمجلس الشعب وعضو لجنة الصحة والبيئة أن سياسة تعامل الحكومة مع كارثة أسوان لم تختلف كثيرًا عن الطريقة التي واجهت بها العديد من الأزمات التي تعرضت لها البلاد خلال الفترة الماضية، والتي تقوم على سياسة النعامة التي تدفن رأسها في الرمال؛ لتهرب من الواقع، وهو ما بدا من جميع تصريحات المسئولين التي اتسمت بتهوين وتصغير الحادثة رغم أن الخبراء اعتبروها كارثة بيئية كبيرة.

 

ويشدد على أن حكومة الوطني أثبتت فشلها في جميع الاختبارات التي تعرضت لها؛ حيث أخفقت من قبل في التعامل مع أزمة غرق عبارة السلام 98، كما لم تقم بمحاسبة المسئول عنها وفي النهاية ذهبت دماء ألف مصري بدون ثمن، كما كشف وباء إنفلونزا الخنازير عن تخبطها الواضح؛ حيث قامت باستيراد كميات هائلة من مصل الوقاية من الفيروس دون ضرورة له، وعندما فشلت في إقناع الشعب بتناوله، لجأت إلى التطعيم الإجباري للحجاج للتخلص من الفضيحة.

 

ويعبِّر عن استيائه من تصريحات المسئولين، قائلاً: في البداية قرأنا كلامًا لمحافظ أسوان عن قطع مياه الشرب عن محافظتي أسوان والأقصر، ثم تمَّ نفى الخبر، كما أكدت الجرائد أن بقعة السولار تنتشر بسرعة كبيرة، في حين تدعي الحكومة انتهاء الأزمة كلها، ولا يعرف المواطن البسيط أين هي الحقيقة؟!

 

ويعرب عن أمله في سماع معلومات حقيقية وذات ثقة من المسئولين توضح للشعب المصري جميع تفاصيل الكارثة، مثل من المتسبب الحقيقي فيها؟، ومدى انتشار بقعة السولار في مياه النيل، ومدى تأثيرها على الحياة المائية والزراعة، بالإضافة إلى الخسائر الناتجة من ورائها.

 

كلام حكومة!!

ويوضح أن مثل هذه التصريحات تضفي على الحكومات المصداقية بين الشعب، ولكن يبدو أن حكومات الوطني تصر على توسيع الفجوة بينها وبين الشعب المصري، مؤكدًا أن المواطنين يعتبرون كلام الحكومة كلام "فاضي"، وبلا جدوى حتى أصبح يُضرب به المثل على عدم الجدية، فيقال "كلام حكومة".

 

ويستهجن تصريحات محافظ أسوان، والتي تشير إلى أن الكميات المتسربة تبخرت بفعل درجة الحرارة المرتفعة، قائلاً: "هذا كلام غير علمي، ولا يجب أن يصدر من مسئول؛ حيث إنه لا يمكن أن يتبخر السولار؛ لأن كثافته 0.7% بينما كثافة الماء واحد؛ ما يؤدي إلى طفو السولار على السطح".

 

مأساة النيل

ويصف الدكتور أمين عبد المعطي الجمل أستاذ كلية الزراعة جامعة عين شمس وضع النيل بالمأساة، قائلاً: إن كم الأشياء التي تلقى فيه يوميًّا كبير جدًّا، فضلاً عن أن تكرار مثل هذه الحوادث يمثل ضررًا كبيرًا على الثروة السمكية وعلى صحة الإنسان، خاصة أن هناك كميات كبيرة من الملوثات المستدامة من الصرف الصحي والصرف الصناعي والزراعي تحتوي على أجسام ثقيلة يصعب تحليلها تُلْقَي في هذا النهر المسكين دون أن يتحرك أحد.

 

ويضيف أن الأسماك تتأثر بشكل كبير بهذه المواد؛ حيث تتراكم داخل أجسامها لتنتقل بعد ذلك إلى الإنسان لتسبب له العديد من الأمراض مثل الفشل الكلوي والكبدي.

 

ويؤكد أن هناك العديد من الدراسات التي تشير إلى كثرة الملوثات الصناعية بمياه النيل وخاصة البحيرات الشمالية؛ حيث تُعْتَبر من أكثر المناطق تأثرًا بسبب وجود عدد كبير من المناطق بها، مشددًا على ضرورة اتخاذ إجراءات فورية لوقف هذه المهزلة.

 

حلول مؤقتة

ويصف إبراهيم حسن عضو النقابة العامة للعاملين بالنقل النهري كل ما تقوم به الحكومة لحل بالحلول المؤقتة، ويضيف أنهم دائمًا يتعاملون مع الحادثة الواقعة فقط دون البحث عن الأسباب المؤدية لها، ولهذا علينا أن نتوقع تكرارها مرة أخرى، خاصة أنه لا توجد رقابة مستمرة على الصنادل ووسائل النقل النهري بشكل عام.

 

ويشدد على ضرورة أن يتم توقيع عقوبات رادعة على المخالفين مثل سحب تراخيص الصنادل المخالفة، والسجن والغرامات، وليس مجرد تحرير محاضر فقط، بالإضافة إلى أهمية الكشف الدوري على من يقودونها، متهمًا الهيئة العامة للنقل النهري بالعمل لمصلحتها فقط بعيدًا عن حماية الثروة المائية وأرواح المصريين؛ حيث لا تهتم الهيئة سوى بالمركبات السياحية، التي تعود عليهم بعائد مادي فقط.

 

ويستطرد قائلاً: "أطلقنا مثل هذه النداءات سابقًا بعد حادثة غرق مركب المعادي التي أسفرت عن 7 قتلى، بسبب الإهمال وانعدام الرقابة، وسنظل نكرر هذا الكلام كل شهر لتكرار مثل هذه الحوادث طالما أننا نعمل بالحلول المؤقتة فقط!".

 

خسائر اقتصادية

 الصورة غير متاحة

د. حمدي عبد العظيم

ويكشف الدكتور حمدي عبد العظيم أستاذ الاقتصاد والرئيس السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية وعضو المجالس القومية المتخصصة أن تسرب بقعة السولار تسبب في العديد من الخسائر التي لحقت بالاقتصاد المصري على جميع المستويات؛ حيث ضاع أكثر
110 أطنان سولار، علاوة تكلفة مكافحة انتشار البقعة وإزالتها، والتي تتحملها الشركة المالكة للصندل المتسبب في الكارثة.

 

ويقول: إن المواطن تعرض لخسائر مباشرة نتيجة انقطاع المياه لعدة أيام في محافظتي أسوان والأقصر، علاوة تأثر الاستثمار والشركات السياحية وخاصة المنشآت العائمة في هذه المنطقة تأثيرًا سلبيًّا".

 

ويؤكد أن أسعار الأسماك في هذه المناطق سوف ترتفع ارتفاعًا ملحوظًا بسبب تسمم كميات كبيرة منها، علاوة على أن المواطنين الذين سيقومون بتناول مياه أو أسماك ملوثة سوف يكبدون الدولة مستقبلاً مبالغ طائلة.