الصورة غير متاحة

 د. حسن يوسف الشريف

الاختلاف بين الناس في الفهم والفكر والسلوك له أسباب كثيرة، ليس هذا محل شرحها، ولكن الحقيقة التي يجب أن نؤمن بها هي أن الاختلاف في الرأي بين الناس أمر طبيعي، ولكن غير الطبيعي هو احتكار الرأي، وعدم السماح بظهور أي رأي آخر يعارضه، وتسفيه الرأي الآخر وتحقيره، بل وعقاب صاحبه، ثم رفض الحوار مع الرأي الآخر، ورفض سماع أدلته وبراهينه، مع تسليط وسائل الإعلام، والتي يسيطر عليها محتكرو السلطة والرأي؛ من أجل إحكام "صناعة توجيه العقول" لكي يتبنَّّى الرأي العام الرأي الذي تفرضه السلطة، وليس من صالح أية أمة أن يقوم نظامها الحاكم باحتكار الرأي ومصادرة الرأي الآخر، واستخدام وسائل القهر الأمنية، ووسائل التضليل الإعلامية لمحاربة الرأي الآخر، والتضييق على أصحابه وإلصاق التهم بهم، ومصادرة حريتهم المعنوية والمادية، وهذا ما تفعله النظم الاستبدادية، والتي تحرص- وبكل الوسائل غير المشروعة- على مصادرة حقوق أصحاب الرأي الآخر السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل وحتى تزوير العملية الانتخابية، بدءًا من تسجيل الأسماء، وحتى مرحلة فرز الأصوات، كل هذا من أجل محو الصوت الآخر والرأي الآخر، وإسكاته عن النطق بالرأي الآخر، ولو تطلَّب الأمر استخدام التصفية الجسدية.

 

ولا شك أن انتشار مصادرة الحريات واستخدام التضليل والقهر في أية بيئة اجتماعية إنما يعمل على قتل الإبداع والمبدعين، وهجرة هذه العقول إلى حيث وجود بيئة الحرية، التي ينبت فيها ويترعرع الإبداع والابتكار، أما بيئة الاستبداد فهي قاتلة للقدرات العقلية المبدعة والمبتكرة، وحينما نتكلم عن الرأي الآخر أو المعارضة إنما نعني المعارضة الصالحة العاقلة، التي تبغي البناء والإصلاح، ولا تبغي الهدم والفساد، والتي تعمل لمصلحة الوطن لا لحساب جهات أجنبية مشبوهة تؤسَّس للشر في بلادنا.

 

إن شيوع بيئة الحرية التي تقبل الرأي والرأي الآخر، والجميع فيها له حقوق متساوية في السياسة وفي الإعلام وفي المجتمع، ولا فرق في الحقوق والواجبات بين حزب حاكم أو معارض، فالكل أبناء الوطن ويعمل لمصلحة الوطن، أما في بيئة الاستبداد فأتباع الحزب الحاكم هم مَن يمتلكون كل شيء، ويمنع عن الآخرين كل شيء، أتباع الحزب الحاكم هم البرآء وأصحاب النية الطيبة، أما المعارضة فهم المتهمون أصحاب النيات الشريرة، لا تتاح لهم فرص إدارة المؤسسات، حتى وإن كانوا في قمة الكفاءة، ويحملون أرفع الدرجات العلمية، وكل هذه السلوكيات تساهم في تدمير البُنى الأخلاقية للمجتمع؛ فيشيع الكذب وطمس الحقائق ويكثر الظلم، والاجتهاد في استغلال السلطة في جمع الثروة، وينتشر الفساد الإداري والاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وكأنه عملية تدمير منظَّمة لهذا المجتمع الذي يقوده الاستبداد السياسي.

 

إن أديان السماء قد أعطتنا درسًا بليغًا في التسامح مع المعارضة، بل والحفاظ عليها؛ فالمسيحية التي جاء بها المسيح لم تطارد وتقتل، أو تدمر المعابد اليهودية، بل جاءت بتعاليم من آمن بها فهو مسيحي، ومن رفضها من اليهود فهو حر في اختياره، وعليه أن يتحمل حساب الله له يوم القيامة على رفضه رسالة المسيح عليه السلام، ولما جاء الإسلام لم يطارد أتباع الديانات الأخرى، أو يهدم معابدهم، ففي ظل الإسلام ظلَّت الديانات الأخرى وأتباعها ومعابدها يهودًا أو نصارى، لهم حقوقهم كاملة غير منقوصة، بل لهم كما تقول القاعدة الفقهية "لهم ما لنا وعليهم ما علينا".

 

ولقد تبرَّأ الإسلام ونبيه من كل مؤمن يؤذي أحدًا من أهل الكتاب بغير حق "من آذى ذميًّا فأنا خصيمه يوم القيامة".

 

وهناك دروس نستفيدها من فلسفة الإسلام في وجود المعارضة:

1- إن العقل يؤمن بأنه لا ثقة في رأي إلا بعد تمحيصه ونقده، وأن النقد الحقيقي للرأي ليس هو الذي يأتي من أنصاره ومعتنقيه، وإنما هو النقد الذي يأتي من المعارضين له والمنكرين عليه، ومن يحرص على النجاح يستفيد من قول خصومه فيه.

 

2- إن المعارضة تُعتبر نصف الحق، وإن لم تكن حقًّا؛ لأنها تبين الحق وتجلوه وتقطع الألسنة، وتنفي عنه الظنة(1).

 

3- وقد يستغرب بعض الناس من انفراد القرآن من دون الكتب السماوية والأرضية؛ حيث انفرد وتحدَّى الخلق جميعًا، وأثبت هذا التحدِّي في أكثر من موضع فيه، بل وتحدَّاهم تحدِّيًا قويًّا، واتَّهمهم بالعجز إذا لم يقبلوا التحدِّي؛ وذلك بأن يأتوا ولو بسورة منه على نفس نسقه من الإعجاز، ويعلق (الرافعي) على هذا، قائلاً: عن هذا المسلك القرآني: "وبذلك قرَّر أسمى قواعد الحق الإنساني، ووضع الأساس الدستوري الحر لإيجاد المعارضة، وحمايتها، وأقام البرهان لمن آمنوا على من كفروا، وكان العجز عنه حجةً دامغةً معها من القوة، كالذي مع الحجة الأخرى في إعجازه، فسما بالحجتين معًا؛ وذلك هو المبدأ الذي لا استقلال ولا حرية بغيره، وما الصواب إذا حقَّقت إلا الانتصار في معركة الآراء، ولا الخطأ إلا اندحاره فيها لا أقل ولا أكثر، وبهذا وحده يقوم الميزان العقلي في هذه الإنسانية"(2).

 

4- الحجة الصحيحة في حاجة إلى حجة أخرى من الرأي الآخر المعارض تؤيدها أو تفسرها أو تحددها، أو تمنع اللبس بينها وبين غيرها.

 

وهو كما يقول الرافعي: "كل شيء فإنما صحته وتمامه في معارضته ونقده"(3)، ومن أجل هذه الحكم وغيرها؛ فإن وجود المعارضة أمر طبيعي، ومن حقِّها أن تعرض رأيها، ولكن ليس من حقِّها ولا حقِّ غيرها أن تفرض رأيها على غيرها.

 

ويرى البعض أن كلمة "معارضة" فيها شيء من الجفاء والجفاف في المعنى، ويفضِّل كلمة "مناصحة"، ولكن المهم هو أن نتفق على أنه في عصرنا، والذي لا يوجد به أنبياء معصومين، لا يوجد أحد فوق النصيحة والنقد، وأي حزب أو جماعة أو نظام يضيق ذرعًا بالنصيحة والنقد والمعارضة، ويحاول تهميشها أو إلغاءها، فهو يجني على نفسه قبل أن يجني على المعارضة؛ لأن مسلك التضييق على المعارضة أو المناصحة إذا سلكه أي حزب، هو سبيل لانفضاض الواعين من أنصاره عنه، وفقد ثقتهم فيه وانحساره، ثم اندحاره في النهاية.

 

وفي الثقافة الإسلامية روى التاريخ الإسلامي كيف اشتركت المرأة في تفعيل هذه الوسائل؛ لأنها تعلَّمت من القرآن أن هذه الوسائل التي تساهم في إصلاح المجتمع هو خطاب موجَّه إلى المرأة مثل الرجل، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)﴾ (التوبة).

 

ونحن لا ننكر إيجابيات الديمقراطية كثمرة من ثمار الحضارة الغربية المعاصرة، ولكن لا ننسى أن الحضارة المعاصرة هي حضارة مادية مخاصمة للثقافة الروحية والأخلاقية في الكتب السماوية، فلا بد أن تكون مواليد أو ثمار هذه الحضارة على نفس النسق، وهذا ما يؤكده مؤرخ تيارات الفكر الحديث في الغرب، وهو مفكر أمريكي مرموق (يُدعى كرين برينتون)؛ حيث قال: "إن أحد العناصر المهمة للغاية في الديمقراطية هو إنكارها للغيبيات والحياة الأخرى"، وكذلك العلمانية الغربية هي على نفس النسق.

 

فالديمقراطية وأخواتها (الرأس مالية والعلمانية..) حينما تجحد وحي السماء، فهي بالطبع ستعارض القيم الأخلاقية، وإذا خلت المعارضة من القيم الأخلاقية، فسوف تؤدِّي إلى فساد، إن لم يكن في الغاية، فسيكون في الوسيلة؛ فالغاية تبرِّر الوسيلة في عرف الديمقراطية العلمانية المتشائمة، أما الشورى الإسلامية أو الديمقراطية المتفائلة كما يسميها (كرين برينتون) فهي تشترط طهارة الوسيلة وطهارة الغاية معًا.

 

فالديمقراطية المتفائلة (المؤمنة بالقيامة) وحقوق الإنسان والحرية والعدالة في جوانبها التي لا تصطدم بالأديان هي ثقافة إسلامية، حثَّ عليها الإسلام، وهي حقوق يجب على أفراد المجتمع تفعيلها وتصحيح أوضاعها وتقويتها، سواء سمينا ذلك نصيحةً أو معارضةً أو نقدًا، أو رفع مظلمة أو غير ذلك.

 

إن الثقافة الإسلامية تدعو كل المجتمع إلى المشاركة في الإصلاح والتغيير نحو الأحسن؛ وذلك لتقديم النصح أو النقد سواء للأعمال أو الأشخاص المسئولين عنها، وإن كان المسئول هو قمة السلطة، وعلى الناصح أن يتحلَّى بالصبر على ما يصيبه؛ بسبب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ على مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (لقمان: من الآية 17).

 

وأن السلطة لو حكمت بالقتل على هذا الناصح أو الآمر الناهي بسبب قيامه بهذا العمل، فيعتبر هذا الإنسان من الشهداء في سبيل الله لا يقل أجره عن الاستشهاد في القتال ضد أعداء الأمة؛ حيث جاء في الحديث "سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه؛ فقتله"(4).

 

ووضع فقهاء الإسلام شروطًا للمعارضة أو النصيحة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ذكرها الإمام ابن تيمية حين قال: "يحتاج الآمر الناهي إلى ثلاث: علم قبل الأمر أو النهي، ورفق مع الأمر أو النهي، وصبر بعد الأمر أو النهي"(5)، فهي معارضة تُبنى على علم لا على ظن أو إشاعة، وعلى أدلة وبراهين تثبت صحة ما يطالب به، كما أنها لا تخرج في سلوكها عن آداب الإسلام وأخلاقه؛ حيث ينهي عن العنف في النصيحة، فالرفق شرط فيها، كما أن الناصح أو الآمر أو الناهي قد يتعرَّض من المنصوح للأذى المعنوي أو البدني، فعليه أن يصبر ويتحمل فهو كالمجاهد في سبيل الله.

 

لقد شاع في الثقافة الإسلامية فقه "الحسبة" أو "الاحتساب"، وفيه يوجب على أفراد المجتمع أنه إذا رأى أحدهم أو بعضهم خطأً أو منكرًا ظهر فعله، أو معروفًا ظهر تركه، أو ظلمًا وقع من شخص أو فئة على شخص أو فئة، فالواجب عليه التنبيه على هذه المخالفات الشرعية؛ من أجل تصحيح الأوضاع، وعلاج السلبيات من أية جهة جاءت أو من أي مستوى.

 

و"ديوان المظالم" في الفقه الإسلامي يتيح لكل صاحب مظلمة أن يتقدَّم بها، حتى وإن كانت ضد رأس هرم السلطة؛ فها هو القبطي (المصري) يشكو حاكم مصر (عمرو بن العاص) إلى خليفة المسلمين (عمر بن الخطاب)؛ لأن ابن الأول اعتدى على ابن القبطي، حينما فاز عليه في السباق، واستدعى (عمر) القبطي وابنه واستدعى حاكم مصر، وطلب عمر من ابن القبطي أن يأخذ حقَّه كاملاً، ويقتص من (عمرو بن العاص) نفسه؛ لأن الابن إنما اعتدى بسبب موقع أبيه في السلطة، ثم صرخ (عمر بن الخطاب) في وجه (عمر بن العاص) قائلاً: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا"، وأمثال هذه المواقف كثيرة.

 

إن المعارضة وإن شئت سمِّها التناصح قد تتجه إلى رأس السلطة بالنصح، أو أعوانه، أو طوائف المجتمع أو آحاده، ولكن مع طهارة القصد وعفة اللسان، فلا يكن القصد فضح المنصوح أو إذلاله أو إحراجه، ولا تحويل المجتمع إلى طوائف متحاربة تتسبب في إضعاف الدولة.

 

ولا يسعى الناصح بهذا إلى البحث عن الشهرة؛ ليتحدث الناس عن جرأته وشجاعته، أو ليكسب ثناء الناس ومدحهم له، بل القصد المصلحة العليا للوطن، ومصالح المواطنين، وإحقاق كل ما هو حقٌّ وتقويته، وإبطال كل ما هو باطل وظلم وإضعافه، دون النظر إلى مغنم أو مغرم، فالعمل على إصلاح وتقوية وتطهير المجتمع الإنساني هو واجب شرعي، قبل أن يكون واجبًا أخلاقيًّا وإنسانيًّا، يميز مجتمعات الإنسان عن تجمعات الحيوان.

 

هذه هي فلسفة المعارضة في الإسلام، وحكمته مِن جعل كل مؤمن في المجتمع المؤمن داعيًّا إلى الخير، معارضًا الشر، ولكن يسبق هذا العمل ويعقبه ولاء بعضهم البعض، أي حب بعضهم لبعض لقوله تعالي: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَر﴾ (التوبة: من الآية 71)، وبوسيلة تتسم بالحكمة، وهي حسن الخُطا نحو تحقيق الهدف، مع الأسلوب المؤثر لا المنفر، والحوار المهذب لا الطائش، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية 125).

 

هذه هي آداب ووسائل المعارضة في الإسلام، فالمعارضة وسيلة من وسائل تنمية وتقوية وتصحيح مسيرة الخير للمجتمع ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾ (آل عمران)، سواء كانت في صورة حزب أو جماعة، ولا تنس هذه الجماعة أو الحزب– إن كانت صادقة في الإصلاح- أن تُلزم أفرادها بأدبين، الأول: داخلي، وهو الإنكار على كل فرد منها إذا خالف الآداب أو الضوابط في أداء هذه الوظيفة الدعوية، والثاني: خارجي، وهو أن يقبلوا كل نصحٍ مصحوبٍ بالدليل إذا جاء من خارجهم.

------------

الهوامش:

(1) إعجاز القرآن، للرافعي، ص 239.

(2) السابق.

(3) السابق.

(4) المستدرك على الصحيحين، عن جابر رضي الله عنه.

(5) رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للإمام ابن تيمية.