- حسن: التجربة التركية لا مثيل لها في العالم العربي
- عبد الجواد: النُّظُم العربية العائق الأكبر
- البنا: الحراك السياسي بداية التحول الديمقراطي
- عبد الله خليل: لا بد من تغيير حقيقي
تحقيق: الزهراء عامر
تركيا تتجه إلى الأمام تحت حكم حزب ذي توجه إسلامي، ودول العرب تتربع بجدارة على عرش البلدان الأكثر تخلفًا وفسادًا واستبدادًا، في ظلِّ حُكَّام يسيطرون على مقاليد الأمور بالحديد والنار الذي يطال كل من يحاول أن يُطِلَّ برأسه، وفي المقدمة بالطبع الحركات الإسلامية.
المفارقة تجسدت معالمها بوضوح شديد عقب نجاح حزب العدالة والتنمية في الحصول على موافقة 58% من الأتراك على الاستفتاء الذي أُجري مؤخرًا لتعديل 26 مادة من الدستور الحالي الذي تمَّ وضعه بعد انقلاب سبتمبر عام 1980م.
المعنى المباشر لهذا التأييد الشعبي هو الحد من سلطات الجيش والقضاء، وهما أكبر سلطتين تقومان بحماية العلمانية في البلاد، وهو ما وصفه الكثير من الخبراء بالنجاح غير المسبوق لإسلاميي تركيا.
على الناحية الأخرى، ما زال حكام العرب يغطون ويغرقون في سباتهم العميق واستبدادهم اللا محدود، ونسوا أن العالم يتغير من حولهم، فالكل يُسرع الخطى من أجل لَمِّ شمل بلاده وإرساء قواعد الديمقراطية التي وصلت إلى أغلب أماكن المعمورة باستثناء أرض العرب!.
والسؤال هنا يطرح نفسه: ما المقومات التي استند عليها حزب العدالة لتحقيق هذا النجاح الساحق؟، وما مدى انعكاس هذه التجربة على الأنظمة العربية؟، وماذا سيكون شكل الدول العربية إذا طبقت هذه التجربة؟ وهل هناك دول عربية بدأت تخطو خطى الدول الديمقراطية؟
المتخصصون من جانبهم قالوا إن التجربة التركية الديمقراطية لا يوجد لها مثيل في الدول العربية، وأشاروا إلى أن نتيجة الاستفتاء كانت نتيجة متوقعة لحزب أحدث نقلة غير مسبوقة في تركيا، واستطاع أن يخلِّص شعبه من الاستبداد، وأن ينهي الكثير من الخلافات الإقليمية بين دول الجوار.
![]() |
|
د. عمار علي حسن |
بداية، يؤكد الدكتور عمار علي حسن الخبير في شئون الحركات السياسية أن التجربة التركية لا يوجد لها مثيل في العالم العربي، فحزب العدالة والتنمية أخذ بكلِّ أساليب الحداثة السياسية، متمثلة في مبدأ المواطنة، وقبول الآخر، والقدرة على التعايش مع النُّظم العلمانية في الوقت الذي ما زلنا فيه كعرب عاجزين عن حسم الكثير من هذه القضايا.
ويضيف: رغم حداثة عمر الحزب بالمقارنة بالكثير من الأحزاب العربية، فإنه استطاع أن يغامر ويتحدى كلَّ الظروف ليصل إلى ما يريد.
ويقول: عندما يشعر المواطنون بأن هناك جدية من حزب ما، وأن هناك سياسات عامة تنحاز لمصلحتهم، فإنهم سيلتفون حوله ويقومون بدعمه بكل ما يملكون من قوة، وهو ما يبدو بوضوح في تجربة العدالة والتنمية، والذي استطاع أن يحقق إنجازات كبيرة على مستوى السياسات الإقليمية من خلال بناء علاقات جيدة مع اليونان وأرمينيا العدو الأكبر لتركيا، وكذلك مع سوريا وإيران وروسيا، حتى وصل النفوذ التركي في عهده إلى دول الخليج العربي، وبالتالي كان من الطبيعي أن يقف الشعب بأكمله بجواره عند دعوته لتعديل الدستور القديم.
ويلفت النظر إلى أنه على النقيض من هذا فإن أحزابنا ليست لديها الشجاعة لتحدي النظم العربية الديكتاتورية، وبالتالي تكتفي الغالبية العظمي منها بعقد صفقات وتفاهمات معها؛ للحصول على أكبر قدر من المكاسب بعيدًا عن مصلحة الشعب.
ويشير إلى أن العدالة والتنمية نشأ في ظلِّ ظروف سياسية بالغة الصعوبة، في ظلِّ نظام عسكري كان يتدخل بين فترة وأخرى لإفساد الحياة السياسية، ونجح رغم هذا في مواجهة الكثير من التحديات الداخلية؛ وهو الأمر الذي انعكس بالإيجاب على مُجمل الحالة العامة في البلاد.
الدور الشعبي
د. عاطف البنا

ويستبعد الفقيه الدستوري الدكتور عاطف البنا إمكانية تكرار هذه التجربة الناجحة في العالم العربي، قائلاً: إنه من الصعب لدينا أن يتم إفساح الساحة للتيار الإسلامي لكي يُثبت قدرته على مواجهة الكثير من المشكلات التي تعيشها دولنا المختلفة.
ويشدِّد على أن ما شهدته تركيا تعبيرٌ واضحٌ على قدرة الإسلاميين على النجاح عند وصولهم للحكم، مضيفًا أن سبب نجاح العدالة والتنمية انتعاش البلاد اقتصاديًّا في عهده، بالإضافة إلى عمله بهدوء.
ويكمل: إن الشعب التركي اعتاد أن يمارس حقوقه المختلفة بإيجابية شديدة؛ حيث يذهب للإدلاء بصوته في أية انتخابات تشهدها البلاد بأعداد كبيرة في ظلِّ غياب التزوير الذي لا تخلو أية انتخابات منه في عالمنا العربي.
ويرى أن المشاركة الإيجابية لدينا تحتاج إلى وقت لتحقيقها، مؤكدًا أن على النظام المصري- على سبيل المثال- أن يقتنع أنه آن الأوان للتغيير، وأنه لا بد أن يرحل عن الحكم، وأن تنتهي حالة الطوارئ، ليس في الانتخابات كما تطالب المعارضة ولكن نهائيًّا؛ حتى تتحقق مصالح الشعب ومصالح الوطن.
ويشير البنا إلى أن كلَّ بلد عربي له وضع مختلف، فهناك بلدان تتمتع بهامش كبير من الديمقراطية وفي مقدمتها لبنان والكويت، على الرغم من الحروب التي تعرضت لها هاتين الدولتين.
وفي الوقت نفسه- والكلام للفقيه الدستوري- فإن الشعوب العربية لديها التوجه الإسلامي أشد من تركيا، كما تنظر أغلبها للإسلام على أنه قواعد عامة تحكم الحياة السياسية والاقتصادية وليس مجرد عبادات؛ ولكن للأسف الشديد فإن هذه الشعوب تُحَارَب من الداخل والخارج معًا.
اللعبة الديمقراطية
جمال عبد الجواد رئيس وحدة العلاقات الدولية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بـ(الأهرام) يرى أن التجربة التركية الأكثر تقدمًا ربما في العالم الإسلامي كله في ظلِّ نظام ديمقراطي نجح في أن يفتح الباب أمام تمثيل التيار الإسلامي، في الوقت الذي ما زالت أغلب الدول الأخرى تجد صعوبة في دمجه في الحياة السياسية.
ويضيف أن نجاح التجربة التركية ساهم فيه قبول جميع الأطراف الموجودة بالبلاد بقواعد اللعبة السياسية، في ظلِّ أكثر من 70 عامًا من الحكم الدستوري؛ وهو ما نفتقده في دولنا العربية التي تعيش في ظلِّ أنظمة استبدادية منذ سنوات طويلة.
ويطالب جميع العرب بإعادة قراءة التجربة التركية؛ لنعيد إنتاج الحياة السياسية عندنا مرة أخرى، قائلاً: إن هناك نجاحات متفاوتة حققتها بعض الدول العربية في تطبيق الديمقراطية في بلادها مثل المغرب العربي والأردن، ولكن يعوق استكمال برامجها النظم العربية التي يغلب عليها الطابع السلطوي.
ويقول: إن حزب العدالة التركي استند على عدد من الأشياء؛ ليحقق هذا النجاح، أهمها أنه الأصغر سنًّا مقارنة بجميع الأحزاب الأخرى التي تآكلت أفكارها نتيجة قدمها، فضلاً عن دعم الاتحاد الأوروبي له في مجال تحقيق الاستقلال القضائي، والالتزام بالمعايير الديمقراطية الأوروبية.
القدرة والفهم
ويرى عبد الله خليل الخبير القانوني بالأمم المتحدة أن الهامش الديمقراطي الموجود في العالم العربي سببه الرئيسي الضغوط التي تمارسها بعض القوى الغربية بين الحين والآخر على النظم العربية، وبالتالي فالأمر مجرد مساحة مقصودة للتنفيس عن الشعوب؛ لتجنب أي انفجار محتمل؛ وهو ما يختلف كثيرًا عن التجربة التركية.
ويقول: إذا أردنا أن نسير على خطى تركيا، فلا بد من إصلاح حقيقي يتم فيه تكوين بنية ديمقراطية فعلية قائمة على تشكيل مجالس نيابية منتخبة، وإعلام يتمتع بالاستقلالية والموضوعية.
