المسرح الراهن للمفاوضات المباشرة يتطلب وقفةً طويلةً لتحليله، وتظهر أمامنا على الفور ثمانية مشاهد، وقد توزَّعت الأدوار لمسرحية حفظ الممثلون فيها أدوارهم، مع البطولة المطلقة لبنيامين نتانياهو رئيس وزراء الكيان الصهيوني؛ الذي يجاهد لارتقاء المجد الصهيوني والحصول على جائزة نوبل في نفس الوقت ما دام تاريخ الجائزة قد ارتبط بشكل أو بآخر بتطور وازدهار هذا المشروع، ومن المحقق أن المفاوضات المباشرة التي بدأت في واشنطن في الثاني من سبتمبر في واشنطن تيمنًا بأوسلو لا مفاجأة فيها، ويستطيع أي مراقب يمتلك حواسه أن يقطع بنتائجها، ولذلك نقدم المشاهد الثمانية في هذا المسرح:

المشهد الأول: أن الكيان الصهيوني هو الذي طلب المفاوضات، وهو الذي ابتدع تقسيم المفاوضات إلى مباشرة وغير مباشرة، فكانت المفاوضات غير المباشرة تتصل نظريًّا بالمسائل التكتيكية أو المعيشية للفلسطينيين، ولم يتحقق منها شيء، ولم تحرَّر إلا على الورق ولم يفهمها أحد، كما أن الجميع "إسرائيل وأمريكا والعرب" متفاهمون على السير فى هذه المسرحية دون أن يتوقف أحد بالسؤال، وتظاهر الجميع بأن المفاوضات غير المباشرة قد انتهت مهمتها، ولا بد من الإسراع بالدخول في المفاوضات المباشرة، استسلم الجميع أيضًا لانطباع مفتعل؛ مفاده أن المفاوضات المباشرة هي استئناف للمفاوضات المنتظمة التي تمَّت بين الجانبين منذ ما قبل أنابوليس التي حضرها الجميع أيضًا، وبشروا بعدها بعصر جديد من السلام الوارف لتظهر إحصائيات "الاستيطان" حصيلة نجاح الكيان ودفع مشروعه بهمة بعد أنابوليس.

 

ثم تظاهر الجميع بأن المفاوضات المباشرة مخصَّصة لبحث الوضع النهائي، وأنه نظرًا لصعوبة هذه الموضوعات يتم الاتفاق على مبادئ عامة، مثل أوسلو، ثم ينخرط المفاوضون في استيفاء فراغات العناوين، بعد أن يتم التوقيع على هذا الإطار العام على أنه معاهدة السلام بين الكيان الصهيوني والفلسطينيين وليس فلسطين؛ لأن الكيان الصهيوني يميِّز بين الشعب والأرض، وهو يريد الأرض ويسعى للتخلص من الشعب.

 

المشهد الثاني: هو أن الجميع تظاهر بتصديق أن قرار تجميد "الاستيطان" صحيح، وأنه تضحية كبيرة من جانب نتنياهو، وأنه بذلك يقبض على الشوك؛ لأن شركاءه والحكم يصرُّون على العودة إلى "الاستيطان"، هو لم يتوقف يومًا، وأن فكرة تجميده مؤقتًا هي مؤشر امتثال الكيان الصهيوني للضغط الأمريكي.

 

المشهد الثالث: هو تمنع أبو مازن عن الدخول في أية مفاوضات وقبل وضوح المرجعية والوقف الكامل لـ"الاستيطان" وتكراره للثوابت الفلسطينية؛ حتى يبيع الوهم لشعبه، ثم تفوضه لجنة المبادرة السعودية وتترك له الوقت المناسب لاستخدام التفويض؛ حتى لا يتهمه أحد من العرب، مثلما اتهموا عرفات بأنه يفرِّط في حقوق الشعب، وحتى يظهر معارضة المقاومة بكل أسلحتها على أنه صراع سياسي معه على السلطة، وبأنه هو الأدرى بمصالح شعبه "وضرورات المرحلة"؛ حتى لا تفلت الفرصة من يديه.

 

المشهد الرابع: هو أن الجميع، عربًا ويهودًا وأمريكيين، يتحدثون لغةً متشابهةً، ولكل مضمونها المختلف؛ لأن لكل حساباته ومفاهيمه، خاصةً أن الكيان يريد مع واشنطن تعديل المعادلة؛ بحيث يكون الصراع بين الجميع ضد مصدر الخطر على الجميع، وهو المقاومة، ومن يساعدها، ومن يتحدَّى الإرادة الصهيونية، حتى لو لبسوا لباس شهداء "أسطول الحرية".

 

المشهد الخامس: هو عرض الرئيس مبارك لاستضافة جولات المفاوضات "الشاقة" في منتجع شرم الشيخ؛ لعل سحر الطبيعة يلهم المتفاوضين بما يرضي ذويهم، ولا ندري هل كان العرض من مصر تعلقًا بالسلام وتعطشًا إليه، وأملاً في أن ينعم الفلسطينيون بالسلام الذي ينعم به الشعب المصري والأردني؛ ما ينهي العدوان ويفتح باب الأخوَّة بين اليهود والعرب بعد زوال "العقدة النفسية" التي لا يزال الرئيس يعتقد أنها سبب المشكلة، أم كان العرض استجابةً لرغبة كريمة من أصدقائنا اليهود أو الأمريكيين؛ حتى لا يتعطل الدور المصري النشط في المنطقة، بعد أن سدَّت حماس منفذ المصالحة، وهو الملف الوحيد الذي بقي لدى مصر من ذيول هذا الصراع، أم أن شرم الشيخ مكان قريب ومحايد إلى أن يدرك الطرفان مزايا السلام فتتنقل المفاوضات منها في مراحل متقدمة إلى القدس التي حجزتها دولة الكيان عاصمةً أبديةً لها؟!!

 

المشهد السادس: هو أن الجميع يردِّد أن مفاوضات الوضع النهائي تتناول نفس القضايا الخمس الكبرى المحجوزة مع اتفاق أوسلو؛ حتى يتوهَّم الأغيار أن الدولة الفلسطينية والقدس قادمة لا محالة، رغم أن الكيان الصهيوني تحدث طويلاً عن موقفه من كل هذه القضايا.

 

المشهد السابع: هو أن الكيان الصهيوني تمكَّن- بالحديث عن "الاستيطان" والمغتصبات- من الحصول على قبول مجاني بأن قرار "الاستيطان" بيده وأنه جوهريٌّ لصيانة التحالف الحكومي، ولم تصرح أنه جوهري باعتباره أداةً سياسيةً للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية من أهلها، بعد أن انتهت مرحلة إرهابهم وتهجيرهم وطردهم؛ لتخلي منازل الفلسطينيين بكل الذرائع حتى يحلَّ محلَّهم اليهود.

 

وما دام القرار بتأجيل "الاستيطان" واستئنافه بيد الكيان فإنه بذلك يحقق نجاحًا عبقريًّا، وهو ألا يصبح "الاستيطان" عملاً غير مشروع في القانون الدولي ما دام الكيان الصهيوني لا يعترف بأن الأراضي الفلسطينية أراضٍ محتلة، يحظر تغيير طبيعتها، أو نقل سكانها إليها، فاستبعد الكيان تمامًا القانون الدولي الذي يجب أن يحكم وضع الأراضي الفلسطينية بموافقة فلسطينية وعربية وأمريكية وأوروبية، ما دام تأجيل "الاستيطان" قرارًا مؤلمًا فإن استئناف القرار يكون باتفاق الطرفين، فيكتسب الشرعية الكاملة.

 

أما المكسب الآخر في هذه اللعبة، فهو أن المغتصبات القائمة على الأراضي الفلسطينية تصبح كياناتٍ شرعيةً، كما يصبح طرد الفلسطينيين لإقامتها عملاً مشروعًا لا يمكن تحديه، وأقصى ما يمكن أن تحققه العدالة اليهودية للضحايا هو تقديم تعويض؛ أي شراء أرض الفلسطينيين بمقابل، أو دفع خلوٍّ لاسترداد الأراضي اليهودية وفق نظرية الكيان الصهيوني.

 

المشهد الثامن: هو أن ينشغل الجميع بالمفاوضات، ويصبح لها الأولوية، بزعم أن أيَّ تداخل بينها وبين غيرها يعطِّل السلام الواعد، ويصبح تلكؤ الجانب الفلسطيني والاعتراف بيهودية الدولة تعنتًا ونقصًا في أهلية الطرف الفلسطيني، كما تجوز الرشى والمكافآت للطرف الفلسطيني لتسهيل تعاونه مع الكيان الصهيوني على إنهاء الملف؛ بحجة إعداد البنية التحتية للدولة الفلسطينية المزعومة.

 

واتصالاً بهذا المشهد يفلت الكيان من المساءلة عن جرائمه في محرقة عزة و"أسطول الحرية"؛ ليس فقط لأن الضحايا يستحقون من "إسرائيل" مانا لهم؛ بسبب تجرئهم على تحدي الكيان الصهيوني بأسطول الحرية ومنعه من الاستمرار في خنق غزة؛ لأن بيد الكيان موتهم وحياتهم، وأهالي غزة يستحقون الموت- في نظره- لأنهم لم يرفضوا حماس واختاروها في انتخابات حرة، ولكن لسبب آخر مصطنع مألوف، وهو أن السلام هنا مقدَّم على العدالة، وذلك على عكس الشعار الذي قلب في حالة دافور، فأصبحت العدالة ضد البشير مقدمةً على مساعي السلام؛ التي يقوم بها مع المتمردين أصدقاء أمريكا والكيان الصهيوني.