بصورة يعتريها الأمل بغدٍ مشرق، وبخطوات واثقةٍ نحو أمتهم، توجَّه ملايين الأتراك إلى صناديق الاقتراع؛ لإقرار التعديلات الدستورية التي طالب بها حزب العدالة والتنمية برئاسة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، ومن حسن الطالع أنني كنت أثناء الإعداد لهذا الاستفتاء ضيفًا على تركيا، أتابع في الشوارع والساحات العامة أجواء هذا الحراك الديمقراطي، وكيف أن السيد أردوغان طاف على كافة الولايات التركية بالرغم من اتساعها، متحدثًا مع الأتراك على الدخول بقوة في الحياة الديمقراطية، على اعتبار أنها مرحلة تاريخية لن يقتصر تأثيرها على تركيا فحسب، وإنما على العالم العربي والإسلامي أجمع.
هكذا يفهم العقلاء الديمقراطية، "فالشعب مصدر السلطات"!، بل هو مبدأ كتبته شعوب الدول ذات الديمقراطيات العريقة بدمائها، بعد أن ثارت على ظلم الاحتلال واستبداده، ولا يختلف اثنان على أن الشعب الفلسطيني قدَّم- ولا زال- من دماء أبنائه ومن تضحيات قادته، حتى روى بها ثرى فلسطين الطهور.
كما الكثيرون غيري، فقد تابعت أعمال قمة واشنطن لاستئناف المفاوضات بين حركة فتح والكيان الصهيوني، وكون هكذا مفاوضات أوصلتني وغيري من أبناء هذه الأمة إلى قناعة راسخة لا تهزها أقوى زلازل "طوكيو"، بأن لا جديد من هذه المفاوضات سوى رضوخ المفاوض الفلسطيني، وقبوله تقديم تنازلاتٍ جديدة تمس الثوابت الفلسطينية، وعلى رأسها حق العودة، وبالتالي فإنني أصررت على ألا أعلِّق على هذه المفاوضات، حتى صدور نتائج الاستفتاء في تركيا.
17 عامًا من المفاوضات العبثية قادتها منظمة التحرير الفلسطينية "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني!"، منذ اتفاقية "أوسلو"، وحتى قمة واشنطن مؤخرًا، لم تجلب إلى الفلسطينيين سوى مصادرة أراضيهم، وتسارع عمليات التهويد في القدس الشريف، وفرض الحصار الجوي والبحري والبري على قطاع غزة، وإعلان الجانب الصهيوني شروطًا جديدةً للمفاوضات ليس أقلها الموافقة على يهودية الدولة، مقابل الاعتراف بدولةٍ منزوعة السلاح، في ظل ارتفاع وتيرة بناء المستوطنات في هذه الدولة.
في كل مفاوضات تجريها حركة فتح مع الجانب الصهيوني يدفع الفلسطينيون الثمن، من خلال ارتفاع أعداد المعتقلين، وازدياد عمليات الاغتيال، وتجريف الأراضي وسرقتها واستهداف المقدسات، لدرجة بات فيها الفلسطيني يضع يده على قلبه خوفًا من نتائج أية مفاوضاتٍ قادمة!!.
بالجهاد والمقاومة حرَّر الفلسطينيون قطاع غزة في العام 2005م، أي بعد 5 سنوات على انتفاضة الأقصى المباركة، والتي شكَّلت باكورة العمل الجهادي المقاوم، من خلال توحُّد كل الفصائل الفلسطينية في خندقٍ واحد لأول مرة، في حين استمرت مفاوضات الفنادق لزمرة أوسلو في عواصم أوروبا وأمريكا سرًّا وعلانيةً دون أن تحقيق نتيجة تذكر.
كما النموذج التركي الذي قدَّم مثالاً للديمقراطية الغنَّاء، فعلى منظمة التحرير الفلسطينية التي تدَّعي تمثيلها الكامل للشعب الفلسطيني أن تضع طريقة إدارتها للصراع مع العدو الصهيوني لاستفتاءٍ شعبي في الداخل والخارج؛ ليقول كلمته.. أليست الدماء جوابًا، والأسر ثمنًا أيها المفاوضون؟!.