عند النظر في موقف جماعة الإخوان المسلمين من العلمانية والتغريب، نفهم جانبًا مهمًّا من منهج الإصلاح لدى الجماعة. فالجماعة تعتمد المنهج الإصلاحي التدريجي السلمي، بكل عناصره، في القضايا العملية والتنفيذية، فهو بالنسبة لها نهج تحقيق المشروع الإسلامي الذي تحمله. ولكن في القضايا الفكرية التي تتعلق بثوابت المشروع الإسلامي، تتبع الجماعة نهج المواجهة الفكرية المباشرة. فعندما يتعلق الأمر بالأفكار والقيم والمبادئ، تأخذ الجماعة مواقف حازمة وحاسمة. وهنا يظهر أن المنهج الإصلاحي المتدرج، يتعلق بالجانب العملي وكما يتعلق أيضًا بالفروع، أما الثوابت فالجماعة تحافظ على وضوحها وثباتها، عبر كل المراحل، وفي كل الظروف.

 

فعندما تواجه الجماعة الدولة القطرية، تتعامل معها باعتبارها مرحلة أولى تسبق بناء الوحدة السياسية الإسلامية، ولكن عندما تتعامل الجماعة مع الأفكار الخاصة بعلمنة السياسة، أي فصل الدين عن الدولة، تأخذ موقفًا حاسمًا. فالآليات يمكن أن تتطور عبر المراحل، كأن تكون الدولة القطرية مقدمة للدولة أو الوحدة الإسلامية، ولكن الأفكار والقيم لا تتجزأ، ولا يمكن بناء دولة علمانية تمهيدًا لبناء دولة إسلامية، والعلمانية لا يمكن أن تكون مرحلة مقبولة، حتى يتاح بناء النموذج الإسلامي.

 

وهنا يظهر الطابع الرئيس للجماعة، فهي هيئة إسلامية جامعة، يتأسس دورها الأول على الدعوة لمشروعها، وتلك الدعوة لا يصح إلا أن تكون واضحة وبينة منذ اللحظة الأولى، ولا يستقيم مع العمل الدعوي الديني والسياسي والحضاري، أن تكون الفكرة غامضة أو ملتبسة. كما أن المرحلية تتعلق بالتنفيذ فقط، ولكن الرؤى الأساسية والقيم العليا والمبادئ، ليس فيها مرحلية. فالجماعة تدعو الناس لفكرة، وهي تبشر بهذه الفكرة بصورتها الكاملة والواضحة، وتقدمها للناس بصورة لا تحتمل الالتباس. ولكن التنفيذ هو الذي يتميز بالمرحلية، من داخل إطار المشروع. فالمراحل المشروعة، هي تلك المراحل التي تنقل الوضع القائم، ليصبح أكثر قربًا من الوضع المنشود.

 

لهذا يظن البعض أن خطاب جماعة الإخوان المسلمين، يتراوح بين الشدة واللين، أو التشدد والمرونة، ولكن الناظر إلى فحوى الخطاب، يجده يجمع بين الشدة في الثوابت، والمرونة في المتغيرات والفروع والآليات، والشدة في الثوابت تصل لحد المفاصلة مع الأفكار التي تتجاوز تلك الثوابت، والمرونة في المتغيرات والفروع، تصل لحد تقبل العمل من خلال آليات وأوضاع تستخدم ضد المشروع الإسلامي، بهدف تغيير وجهتها لتصبح في صالح المشروع الإسلامي. وهذا ما يشكل المنهجية الخاصة للإخوان، والتي تشكل تصورهم عن الوسطية والاعتدال. فالموقف المعتدل للجماعة يتحقق بقدرتها على تحقيق الموازنة بين التشدد في التمسك بالثوابت، والمرونة في تبني الآليات وفي الموقف من القضايا الفرعية.

 

أما العلمانية

لذلك يلاحظ الموقف المتشدد لجماعة الإخوان المسلمين من قضايا العلمنة والتغريب، فهي منذ بدايتها تحارب كل أشكال التغريب بصورة حادة ومباشرة، وتعمل على نزع آثار التغريب والعلمنة من المجتمع. وهي بالفعل ساهمت مع غيرها في حصار التغريب والعلمنة في المجتمع بصورة كبيرة، حتى أصبحت عملية العلمنة في معظم البلاد العربية والإسلامية، تواجه بردٍّ شعبي واضح، يمنع انتشار وتغلل العلمنة في المجتمع المصري.

 

والناظر إلى تصرفات الجماعة العملية، يجد أنها تعتبر نفسها جماعة ضد العلمنة، وتعمل على أساس أن الخطر الأكبر يكمن في علمنة المجتمع، أو انتشار التغريب بين الناس، فهي تحصن المجتمع أولاً، على قاعدة أن الإصلاح المجتمعي يسبق الإصلاح السياسي. كما أنها تتصرف بصورة تؤكد على أنها ترى أن علمنة النظام السياسي ليست هي الخطر الأول، بل إن علمنة المجتمع هي الخطر الأكبر. وهي بهذا تصد العلمنة والتغريب عن المجتمع، وتعمل مع المجتمع لتحصينه ضد التغريب، ثم تحاصر العلمنة في المجال السياسي، حصارًا شديدًا.

 

لهذا تقف الجماعة موقفًا متشددًا من فكرة الفصل بين الدين والسياسة، بكل تجلياتها الواضحة أو تلك الملتبسة، ولا تقبل أي حلول أو تعبيرات غامضة في تلك المسألة، لتؤكد على الدور المحوري للدين كمرجعية عليا للعمل السياسي، وحتى تأكد على أن مشروعها يقوم على مرجعية الدين لكل النظام العام، والنظام السياسي. وهنا تحاول الجماعة صد كل الأفكار العلمانية، ومنع انتشارها بين الناس، وأيضًا الحد من الترويج لها، وكشفها أمام عامة الناس. فالعلمانية تمثل قيمة مضادة للقيمة الإسلامية، والتغريب يمثل حضارة مغايرة للحضارة الإسلامية، لذا تتخذ الجماعة مواقف واضحة وربما متشددة، من تلك القضايا التي تمس ثوابت المشروع الإسلامي، وتدخل في مجال القيم العليا.

 

والحقيقة أن هدف الجماعة هو إعادة بناء الهوية الإسلامية، وتحقيقها على الأرض، في صورة وحدة سياسية إسلامية، ونهوض إسلامي. لذا فهي تعمل على بناء وعي الأمة، وهو ما يجعلها تحاول حراسة هذا الوعي، ومنع أي فكر غريب أو وافد من التسرب إلى وعي الجماهير. خاصة أنها تراهن على الوعي الجمعي للأمة، وعلى العمل الجماهيري، باعتباره القوة التنفيذية الحقيقية لمشروعها الإصلاحي الحضاري.

 

بين الآليات والقيم

مع الموقف المتشدد من الجماعة تجاه العلمانية، نجدها تتعامل بمرونة مع آليات العمل الديمقراطي، وتقبل بالعديد من الآليات الخاصة بالدولة المدنية الحديثة، أي دولة القانون والمؤسسات، والدولة القائمة على النظام الديمقراطي. والبعض يتصور التباسًا أو غموضًا في الخطاب السياسي للإخوان، ولكن الملاحظ أن الجماعة تفرق بالكامل بين القيم والآليات، وتفتح الباب أمام اقتباس الآليات، وتمتنع بالكامل عن اقتباس القيم، بل ولديها حساسية شديدة لأي تعبير يحمل حمولة قيم بداخله، وتحاول تأكيد أنها لا تقتبس قيمًا، ولكن آليات فقط. ومن ضمن الآليات، تأتي قواعد العمل والتنظيم والتقنين الدستوري والقانوني والإجرائي. فجماعة الإخوان تقتبس الديمقراطية لتحقيق الشورى، وتقتبس المواطنة والمساواة، لتحقيق قيم المساواة الحضارية والإنسانية في المرجعية الإسلامية. فحتى بعض المفاهيم، التي تبدو وكأنها قيم أو مبادئ، تتعامل معها الجماعة باعتبارها تقنينًا إجرائيًّا وقاعدة قانونية، لتطبيق القيم التي تؤمن بها. ولهذا تقوم بتعريف كل ما يتم اقتباسه من داخل منظومتها الفكرية، ومن خلال الحفاظ على الثوابت الفكرية للجماعة. فتصبح تلك المقتبسات، أدوات تستخدمها الجماعة لبناء الجانب السياسي التطبيقي لرؤيتها. لذا تتشدد الجماعة عندما تجد بعض تلك الآليات يراد تحميلها بمعانٍ وقيم، ولكنها تستمر في قبولها للآلية، والتأكيد على رفضها لأي قيمة غربية ووافدة تحمل لتلك الآلية.

 

فالجماعة ترى ضمنًا، أن الدولة المدنية الحديثة، أو دولة القانون والمؤسسات، والنظام السياسي الدستوري، هي أدوات لبناء نموذج ناجح للدولة، وهي تقبل بتلك الآليات، لأنها ترى أنها مناسبة لتحقيق الغايات الإسلامية التي تتبناها الجماعة. ولكن في نفس الوقت نجد أن خطاب الجماعة يحاول فصل تلك الآليات عن أي معنى علماني، بصورة تبدو متشددة أحيانًا، لأن الجماعة تحصر على وضوح القيم العليا لمشروعها، ومبادئه الأساسية، وتعتبر أن اقتباس الآليات هو تطوير يفتح الباب أمام تطبيقات جديدة للرؤية الحضارية الإسلامية التي تحملها الجماعة، بما يناسب العصر، ويفيد في التجديد الحضاري، كما يفيد في تطوير آليات التنفيذ، والتي تعد من الفروع المتغيرة.

 

لذا يمكن القول بأن جماعة الإخوان المسلمين لم تتبن الفلسفة الديمقراطية، ولا القيم الغربية الديمقراطية، أي الليبرالية الغربية، ولكنها تبنت الإجراءات الديمقراطية، كوسيلة لاختيار الحاكم وممثلي الأمة، لأنها وجدت تلك الآليات مناسبة لاختيار أهل الحل والعقد، أي ممثلي الأمة، ومن ثم اختيار الحاكم. وهو ما يتوافق مع أسس الشورى، والتي تعتبرها الجماعة فريضة ملزمة. وبهذا أصبحت الجماعة تتبنى في الواقع مبدأ الشورى، وفكرة الشورى، وتنفذها عمليًّا بالإجراءات والآليات الديمقراطية. وبهذا أصبحت الجماعة تفرق بوضوح بين الآليات والقيم، وتواجه القيم الوافدة، وتستفيد من الآليات الوافدة، فالتعلم من الآخر يحدث في مجال الآليات والوسائل والمعارف والتجارب، وليس في مجال القيم.

 

وأما الغرب

يلاحظ أن موقف جماعة الإخوان المسلمين من الغرب، ارتبط بموقف الغرب من الدول العربية والإسلامية، وسياسته الخارجية، كما ارتبط أيضًا بموقف الدول الغربية من مشروع نشر قيمها في العالم، والمسمى بالعولمة. فالجماعة تقف بشدة أمام المشروع الاستعماري الغربي، سواء المشروع الاستعماري العسكري، كما في دولة الاحتلال الصهيوني، أو المشروع الاستعماري الحضاري، والمتمثل في نشر القيم الغربية من خلال المواثيق الدولية، أو المشروع الاستعماري السياسي، والمتمثل في هيمنة الحكومات الغربية على حكومات الدول العربية والإسلامية.

 

وهنا يظهر المغزى الحقيقي لحركة الإخوان المسلمين، كحركة إصلاحية حضارية، فهي تعمل أساسًا من أجل تحقيق الاستقلال الحضاري، الذي يعيد الهوية الإسلامية والمرجعية الإسلامية لتصبح هي أساس وحدة الأمة ونهضتها. لهذا نجد الجماعة تواجه كل محاولات الهيمنة الغربية في كل المجالات، بصورة تؤكد على أن الجماعة ترى في الهيمنة الغربية الخطر الأكبر على هوية الأمة، والذي يفوق أي خطر آخر. وحتى أن خطاب الجماعة المطالب بالاستقلال، يجعل الاستقلال السياسي والعسكري والحضاري، مكونات للاستقلال الحقيقي. وتلك في الواقع ميزة تفرق بين حركات التحرر الوطني القائمة على المرجعية العلمانية، وحركات التحرر الحضاري القائمة على المرجعية الإسلامية، فالأخيرة تمثل محاولة للاستقلال الكامل عن الغرب، أما التحرر العلماني فكان استقلالاً عسكريًّا، دون أن يكون استقلالاً حضاريًّا.

 

والتجربة في البلاد العربية والإسلامية، توضح أن الاستقلال الجزئي غير الكامل، لم يحقق الاستقلال الحقيقي، فكانت التبعية السياسية تحل محل الاستعمار العسكري، وكانت التبعية الحضارية تأتي لتجعل الدول المستقلة شكلاً تابعة في جوهرها. أما الخطاب الحضاري الإسلامي لجماعة الإخوان المسلمين، فركز منذ البداية على الهوية الحضارية المتميز للأمة الإسلامية، وركز على رفض كل أشكال التبعية والهيمنة، ونادى بالاستقلال الحضاري الكامل، مما جعله خطابًا للتحرر الحضاري.

 

بناء الهوية

أصبح المتابع للحركة الإسلامية عمومًا، ولجماعة الإخوان المسلمين، يرى بوضوح المعركة الدائرة باستمرار ضد كل الهجمات الحضارية الغربية، بكل أشكالها وصورها. ومنها تلك الهجمات التي يشنها أتباع الفكرة الغربية والنخب المؤيدة لها في البلاد العربية والإسلامية، ومنها الهجمات التي تشنها المؤسسات الدولية، والتي تريد نشر منظومة القيم الغربية في صورة مواثيق دولية، ومنها هجمات العلمنة التي تشنها النخب الحاكمة لتأمين وضعها وتبعيتها للغرب في مواجهة المشروع الإسلامي، ومنها هجمات الدول الغربية نفسها، والتي تريد نشر قيمها الأساسية خاصة السياسية والاجتماعية، لتصبح تلك القيم مشكلة للنظام العام في مختلف بلاد العالم، حتى يبنى نظامًا عالميًّا مستندًا للقيم الغربية المركزية، لحماية التفوق الغربي، وحماية المصالح الغربية.

 

فجماعة الإخوان المسلمين، والتيار الإسلامي عمومًا، يعمل أساسًا على بناء الهوية الإسلامية للمجتمع، لذا يعتبر مهمة التصدي لكل الهجمات التي تصيب تلك الهوية، من مهامه الرئيسة. لأن كل محاولات التغريب والعلمنة تهدم المشروع الإسلامي برمته، لذا يصبح التصدي لها أولوية أولى لدى الحركة الإسلامية. لهذا تبرز المعركة الدائرة حول الهوية، بوصفها المعركة الرئيسة، والتي تسبق في أهميتها المعارك الأخرى. فالأمة المدركة لهويتها والمنتمية لتلك الهوية الحضارية التاريخية، هي النواة لبناء الوحدة والنهضة، وبالتالي يعد الوعي بالهوية من أسس المشروع الحضاري الإسلامي، وله الأولوية. فمعركة التحرر والاستقلال والنهوض، في جانب مهم منها، هي معركة حول الهوية.