![]() |
|
د. إسماعيل سعد |
إلى الذين غلب انهماكهم بالكرة، فوصل بهم إلى الغضب والشجار والتقاطع، بل والتقاتل والموت غضبًا بالسكتة القلبية!..
إلى الذين يهيمون بالبنات وألاعيبهم ومواعدتهم ويُمسون في الهيام ويبيتون، وفيه يصبحون، وعليه يُظهِرون..
إلى الذين ما زالوا يغفلون ويحلمون بأن تتحقق لهم الحرية والتنمية بأيدي الغرب الديمقراطي! أو أذنابه من العلمانيين ويطبلون لذلك ويروجون..
إلى الذين اعتقدوا أن الإسلام متونًا تُحفظ، ولحًى تُطال، وأثوابًا تقصَّر، واكتفوا بذلك، بل وأخذوا على عاتقهم سلَّ سيف الجهاد على المسلمين لامتحانهم في تلك الأشياء..
إلى الذين اكتفوا بالانفعال عن الفعال، ورضوا بالتأثر عن التأثير، وقنعوا بالقول والخطابة عن العمل وقيادة المسلمين إليه بالقدوة..
إلى نفسي الأمَّارة بالسوء.. التي تحترق وهي مكبلة بالذنوب لا تستطيع فكاكًا..
إلى كل جموع المسلمين.. إلى كل غثاء السيل..
يا هؤلاء.. لقد أحرقوا القرآن!!
نعم أحرقوه.. وليس إحراقه بالأمر الجديد.. فذلك ديدنهم بأرض أفغانستان والعراق، بل إنهم يمسحون بصفحاته قاذوراتهم داخل المراحيض بدلاً من ورق التواليت في العراق، ولكن الجديد في هذه المرة أنهم يجهرون ويعلنون ذلك على الملأ أمام العدسات ووكالات الأنباء، صورةً وصوتًا، رجالاً ونساءً..
عندما أعلن أحدهم عن نيته لفعل ذلك منذ أيام وجدنا الردود من المسلمين بتلاوة قول الله تعالى اسمه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾ (الحجر)؛ حيث تصوروا أن تدخل الله سيكون مباشرًا لمسخ من يجرؤ على ذلك، وانتظروا معجزةً كمعجزة الفيل والطير الأبابيل!.
ووقع ما أوعد به الحمقى.. ولم يقع ما توقعه الغثاء.
لماذا؟ هل هان القرآن على الله؟ أم هل..؟ أم هل..؟
لا والله، ولكن هان على المسلمين، وأتصور أنه لو كان ثمّ تدخل إلهي مباشر لكان بالانتقام من المسلمين، ولكن تلك سنة الله التي لا تجد لها تبديلاً ولا تحويلاً؛ فمِن قبلُ هان بنو إسرائيل وأحبوا الحياة على حساب تدينهم ومتطلبات إيمانهم، فكان أن أذلهم الله وأخزاهم وأُخرجوا من ديارهم وأبنائهم، وأخذ الأعداء تابوتهم المقدس، ولم يعد لهم التابوت، ولم تعد لهم الكرامة والعزة إلا بفعلهم أنفسهم عندما التفوا خلف قيادة مخلصة- قيادة طالوت بن قيس- وضحوا وصبروا وثبتوا، فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة.
كيف يطيب لأحدنا الطعام والشراب والنوم على الفراش؟! بل كيف يطيب لأحدنا أن يرفع يديه إلى الله يجأر بالدعاء؟!.. ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165)﴾ (آل عمران).
أيها السادة الذين أصبحوا غثاءً.. ليس الأمر بالأماني ولا بكثرة الضراعات ولا سكب العيون وهز الرءوس فحسب، فذلك تعضيد، وأما التأسيس فشيءٌ آخر، لك أن تتصوره لو كان للمسلمين أمرٌ جامعٌ يجمعهم، أو وحدةٌ تربطهم، أو خلافةٌ لها جيش مرهوب الجناب انضوى تحت لوائه شباب المسلمين فكان بأسهم على عدوهم لا على إخوانهم، فهل كان ما حدث الآن ليحدث؟
إنها سنن الله التي لا تتخلف، وقد حذرنا من التفرق والشرود عن تحكيم شرعه، فرتب على ذلك ما نراه بأم أعيينا كل يوم من هدم لبيوت الله ومآذنها وتحول بعضها إلى كنائس، وإهانة لكتابه، ولرسوله، ومحاربة لحجاب المسلمة ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)﴾ (الحج).
فسبيلنا هو إحلال المعروف الأكبر وهو تحكيم شرع الله وإظهاره على الدين كله.. حتى لا تكون فتنةً.. وحتى لا تحلُّ اللعنة.
------------
* باحث في الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم
