- إغلاق كامل للرمد والأشعة وهروب جماعي للاستشاريين!

- مواطنون: الموت في البيت أفضل من المستشفى في الإجازات!

- أطباء: تدني بدل النوبتجية وفساد المستشفيات سبب الهروب!

 

تحقيق: أحمد الجندي وأحمد هزاع

إذا أصاب المرض أحد أفراد أسرتك في العيد فلا تفكر ولو للحظة واحدة في طرق باب أي من المستشفيات الحكومية، فلن تجد فيها أي طبيب أو مختص ليداوي جراحه؛ حيث تتحول جميعها إلى خرابة تنتظر أيدي جراح ماهر ليعالجها، تلك هي الحقيقة المُرَّة التي يدركها الكبير قبل الصغير في مصر.

 

فالمعلوم أن الإهمال الطبي خلال هذه الفترة يصل إلى درجة أن هناك أقسامًا كاملةً، مثل الرمد والأشعة، تقوم بإغلاق أبوابها أمام المرضى، في الوقت الذي لا تجد أغلب حالات التسمُّم والحوادث التي تستقبلها هذه المستشفيات من يتدخل لنجدتها رغم حالتها الحرجة.

 

(إخوان أون لاين) قام بجولة في المستشفيات الحكومية للوقوف على الواقع الأليم الذى يعيشه المواطنون بين أروقتها، وهو ما تقدمه سطور التحقيق التالي:

 

سعد عبد الحميد( موظف) يحكي تجربته قائلاً: ذهبت مع أخي الذي صدمته سيارة إلى مستشفى القصر العيني في أول أيام العيد في الـ5 عصرًا، فلم نجد بالاستقبال إلا طبيبًا واحدًا وممرضتيْن  غارقين وسط عدد كبير من المرضى، وعندما قام بتحويلنا إلى قسم آخر لإجراء أشعة تشخيصية على القدم لم نجد أي أثر للفني المختص، وبعد عناء فى البحث عنه استمر أكثر من ساعة اضطررت لاصطحاب أخي إلى مركز خارجي؛ حيث قمنا بإنجاز المهمة، وعدنا إلى المستشفى ثانية لاستكمال العلاج، فحوَّلونا إلى كشك الجبس الذي لم يكن فيه أي طبيب أيضًا، وانتظرنا أكثر من ساعة كان الممرضون يحاولون خلالها الاتصال به ليأتي ولكن دون جدوى.

 

تروي فاطمة إبراهيم (ربة منزل) ما حدث معها في مستشفى الحميات بالعباسية، قائلةً: "ذهبت بطفلي الصغير والذي كان يعاني من ارتفاع كبير في درجة حراراته ولم نجد سوى ممرضة واحدة، وبعد أكثر من ساعتين صرخت في المكان حتى حضر الطبيب، وكتب عدة أدوية قمت بشرائها جميعًا من خارج المستشفى، الذي قاموا باحتجازي واحتجاز طفلي داخله دون أية عناية، حتى غادرت المكان من فرط الإهمال.

 

أما محمود علي فيقول: ذهبت إلى مستشفى كفر الشيخ العام في أول أيام العيد، ومعي أخي مصابًا بجرح كبير في يده، ويحتاج إلى خياطة فقط، فلم نجد أحدًا في قسم الاستقبال والطوارئ سوى ممرضة تائهة، وسط الحالات المرضية الموجودة بالقسم، وتركتنا أكثر من ساعة حتى أتت وطلبت منا شراء حقنه من خارج المستشفى وأعطتها له بعد أن تعاركنا معها، ثم تركوه بعد ذلك أكثر من 6 ساعات ولم يأت إليه طبيب واحد!.

 

وتؤكد شيماء محمود "موظفة" أن طفلتها أصيبت بتسمُّم يوم العيد، وتضيف: "ذهبت بها إلى مستشفى شبين الكوم التعليمي فوجدناه خاليًا تمامًا، وبعد فترة حضرت ممرضة وقالت: انتظروا قليلاً حتى ينتهي الدكتور من المريض الذي في يده، والغريب أنهم يتعاملون مع أهل المريض بمنتهى البرود، وبعد أكثر من نصف ساعة أخذت ابنتي وذهبت إلى مستشفى خاص؛ حيث أجروا لها غسيل معدة، ووضعوها تحت الملاحظة لمدة 6 ساعات.

 

إهمال مميت

ويشير عبد الله مصطفى "موظف" إلى ما حدث معه قائلاً: كانت والدتي محجوزة بمستشفى بنها الجامعة؛ لأنها تعاني من تليُّف في الكبد ودوالي نازفة في المريء واستسقاء في البطن، وفي عصر أول أيام عيد الفطر كانت تحتاج إلى "بزل" للمياه لتخفيف الاستسقاء، وكانت تقوم به بصفه دورية فتوجهت أختي إلى الطبيبة المقيمة بالقسم، فنهرتها وقالت لها: "انتِ إزاي تدخلي  السكن كده، مبعتيش الممرضة ليه؟، اطلعى بره وابعتي الممرضة"!!.

 

ويضيف: توجهت أختي للمرضة وأرسلتها للطبيبة التي رفضت المجيء، وطردت الممرضة التي جاءت وقالت: "الدكتوره زهقانة ويا ريت محدش يكلمني تاني"، فحاولت بعدها الاتصال بأحد الأطباء المعارف ليكلم الدكتوره، ولكن بعد لحظات فوجئت ببطن أمي قد انفجرت؛ لأنها كانت تعاني أيضًا من "فتق سري" لم يتحمل ضغط المياه من الداخل، وبعد ذلك جاءت الدكتورة بكل برود لتحوِّلها إلى قسم الجراحة لخياطة مكان الانفجار.

 

ويمضي في حديثه: لم تنتهِ معاناتنا مع مستشفيات الحكومة عند هذا الحد، ولكننا عندما توجهنا إلى قسمة من الساعة 5 عصرًا إلى الساعة 12.30 مساءً حتى دخلت حجرة العمليات وقاموا بتخييط بطنها بدون بنج؛ لأن ظروفها الصحية لا تسمح بالتخدير، وخرجت من العمليات ودخلت في غيبوبة لمدة 3 أيام ثم توفيت بعد ذلك.

 

ويؤكد أنه لن يدخل أي مستشفى حكومي ثانيًا قائلاً: "والله لو هموت ما هادخل مستشفى تاني، عندي أموت بكرامتي بره هو فيه أصلاً مستشفيات حكومية بتعالج؟ دا الواحد بيدخل المستشفى سليم يخرج عنده أمراض الدنيا كلها".

 

العيد طوارئ

 الصورة غير متاحة

الإهمال يسيطر على المستشفيات الحكومية

"العيد طوارئ وحوادث" هكذا بدأت أميمة صابر ممرضة بمستشفى القصر العيني، حديثها عن العيد بالنسبة للمستشفيات؛ حيث تقول: "العيد فرحة" كلمة نقولها في العيد في المنتزهات والحدائق العامة، أما من يأتي إلى استقبال المستشفيات فسوف يغيِّر رأيه على الفور.

 

وتضيف أن قسم الطوارئ في يوم العيد يديره أطباء الامتياز الذين يتغيَّبون عن القسم؛ لأن راتبهم ضعيف، كما أن أغلبهم من الأقاليم ويحرصون على قضاء فترة الإجازة مع ذويهم.
وتؤكد أن ضعف بدل النوبتجه يجعل الكثير من الأطباء وأعضاء هيئة التمريض يرفضون الحضور.

 

من جانبها تعترف وفاء محمود، اختصاصية تمريض بمستشفى القصر العيني، بأن المشكلة الكبيرة التي تواجه المواطنين والمرضى في يوم العيد هو غياب الأطباء والتمريض عن قسم الطوارئ؛ الذي يستقبل حالات حرجة جدًّا، مثل الحوادث، وحالات التسمم التي تحتاج إسعافات سريعة لتفادي تدهور حالتهم الصحية ودخولها في أطوار ومراحل يصعب تداركها.

 

وتكشف أن الغالبية العظمى من طاقم العاملين يأتون في الصباح الباكر للتوقيع بالحضور، وبعد مرور بعض الوقت يغادرون المستشفى لقضاء بعض حوائجهم أو يذهبون للنوم في أماكن غير معروفه؛ نظرًا لاستقرار الوضع وعدم وجود حالات في فترة الصباح.

 

وتستطرد: وبعد هذا تأتي حالات الحوادث التي تكون أغلبها حالاتٍ حرجةً، تحتاج إلى تدخل طبي عاجل، وفي هذا الوقت لا يجد المواطنون الأطباء، ويستمرون في البحث عنهم والاتصال بهم وأمام ذلك يضطرون إلى أخذ حالاتهم إلى المستشفيات الخاصة إن لم تكن قد فارقت الحياة بسبب عدم وجود من يسعفها.

 

وتؤكد إيمان يسرى، اختصاصية تمريض بمستشفى جامعة المنصورة، أن حضور الأطباء والتمريض في أيام العيد يكون ضعيفًا جدًّا؛ بسبب الإجازات والغياب، وبالتالي يصعب توفير طبيب وممرضه لكل قسم؛ ما يشكِّل عبئًا كبيرًا على نوبتجية الأقسام، وخاصةً قسم الطوارئ، الذي يستقبل حالات كثيرة في أيام العيد.

 

وتضيف أن الأطباء والتمريض يعتبرون أن أيام العيد للترفيه، ويرون أن مجرد حضورهم للمستشفى يشكِّل عبئًا كبيرًا عليهم، فيقولون: "يعني إحنا هنيجي المستشفى يوم العيد ونشتغل كمان"، فيهملون المرضى، ويتركونهم ساعات طويلة؛ حتى يضطروا إلى الخروج من المستشفى والذهاب إلى مستشفى خاص.

 

وتستطرد أن الجميع في هذا اليوم يتوقعون عدم توافد حالات على المستشفى، فيغادرون المكان، ويتركون أرقام هواتفهم مع النوبتجي الموجود بالقسم للاتصال بهم في حالة قدوم حالات طوارئ.

 

وتضيف: السبب في ذلك هو أن إدارة المستشفى تكون في إجازة هي الأخرى، ولا يوجد أي إشراف أو متابعة؛ ما يفسح المجال أمام إهمال المرضى وعدم الوجود بالمستشفى أصلاً.
غياب الرقابة

 

وتتفق فاطمة زغلول اختصاصية تمريض بمستشفى الصف بحلوان مع سابقتها، قائلةً: إن أغلب الأطباء والتمريض يقولون: "إيه يعني لما الشفت يعدي بطبيب واحد وممرضة".

 

وتضيف أن الطبيب النوبتجي والممرضة المعاونة له في يوم العيد يتعاملان مع المواطنين بقسوة وكأنهما يعاقبانهم على مرضهم في أيام العيد، موضحةً أنهم يتركون الحالات المرضية لساعات طويلة دون أدنى اهتمام أو رعاية؛ مما يدفع المواطنين إلى أخذ ذويهم إلى المستشفيات الخاصة.

 

وتنتقد سوء الأخلاق التي يتعامل بها بعض الأطباء والتمريض مع المرضى وذويهم في أيام العيد تحديدًا، وتشدد على أنهم يبررون تقصيرهم في العناية بالحالات المرضية الموجودة بقولهم: "احمدوا ربنا إن إحنا موجودين في المستشفى يوم العيد، يعنى انتم عايزنا نبقى موجودين ونقدم لكم خدمة كمان!".

 

وتقول شيماء عادل، اختصاصية تمريض بمستشفى كفر الشيخ العام، إن المشكلة التي تعاني منها المستشفى ومستشفيات كفر الشيخ جميعًا في أيام العيد هو سوء توزيع الإدارة لنوبتجيات التمريض، وعدم مراعاة الإدارة للظروف الإجتماعيه لهم؛ ما يدفع الكثيرين إلى الغياب وترك أماكنهم، وهو ما يجعل المواطنين يجدون المستشفيات خالية.

 

وتضيف أن التمريض يتعرَّض لظلم كبير من إدارة المستشفى، فضلاً عن أنه لا يوجد أي مقابل مادي أو بدل لنوبتجيات العيد، ولكنهم يحصلون على يوم إجازة بدل نوبتجية العيد، وهو ما يجعل الكثيرين يفضلون قضاء العيد مع أسرهم.

 

ضعف المرتبات

من جانبه يقول إبراهيم أحمد طبيب بمستشفى قصر العينى أن هناك نوبتجيه لاستقبال المرضى وعلاجهم في أيام العيد، ولكن المشكلة هي أن العدد قليل جدًا إذا ما قورن بأعداد المرضى الموجودين بالمستشفى.

 

ويشير محمد سعيد، طبيب أطفال بمستشفي جامعة المنصورة، إلى أن أيام العيد إجازة رسمية، ولذلك لا تجد في المستشفى سوى طبيب فقط في كل قسم، ومعه ممرضة واحدة أيضًا.

 

ويوضح أنهما لا يستطيعان القيام بمهام القسم من الكشف على جميع المرضى ومتابعة حالاتهم الصحية في الأيام العادية، خاصةً أن عدد المتوافدين يكون مضاعفًا، وخاصةً في قسم الطوارئ الذي يستقبل مئات الحالات المرضية في اليوم الواحد، وأغلبها يكون حالات حرجة تستدعي إسعافات سريعة، وفي بعض الأحيان تحتاج إلى جراحات عاجلة.

 

وترى أسماء درويش، طبيبة نساء وتوليد بمستشفى بنها العام، أن قسم النساء والتوليد هو الوحيد الذي يكون فيه 3 أو 4 أطباء في أيام العيد؛ بسبب زيادة أعداد حالات الولادة؛ ليس في العيد فقط، ولكن في كل الأيام.

 

وتضيف أن أغلب أقسام المستشفى تكون شبه خالية تمامًا من الأطباء، مثل الرمد الذي يكون مغلقًا ولا يحضر نوبتجية القسم، سواء طبيب أو تمريض؛ بدعوى أنه لا يوجد طوارئ في الرمد يوم العيد.

 

وتنتقد استهتار فنيِّي الأشعة، الذين لا يحضرون يوم العيد، ويضربون "طناش" على حدِّ تعبيرها، بالرغم من زيادة حالات الحوادث التي تستدعي إجراء أشعة تشخيصية في الحال.
وتقول أشجان عبد اللطيف، طبيبة بقسم الأطفال المبتسرين بمستشفى كفر شكر العام، إن غياب الأطباء في العيد يعرِّض حياة الكثير من الأطفال المبتسرين إلى الخطر، خاصةً أن الطبيب النوبتجي بمفردة لا يستطيع أن يقوم بمتابعة جميع الحالات في آن واحد.

 

وتضيف أن القسم يستقبل حالات كثيرة يوميًّا؛ حيث تأتي إليه أكثر من 40 حالة ولادة أغلبهم من المبتسرين الذين يحتاجون إلى رعاية خاصة في الحضانات، وللأسف فإن هذه المهمة يتم تركها إلى النواب وأطباء الامتياز أصحاب الخبرة القليلة، وهو ما يجعلهم في حالة ارتباك شديد؛ ما قد يتسبَّب في وفاة الكثير من الأطفال بسبب عدم حضور الأطباء.

 

ويعترف الدكتور محمد عبد المحسن، أستاذ الأمراض الصدرية بكلية الطب بجامعة بنها، بأن المستشفيات تشهد أزمةً في العيد؛ بسبب الإجازات، والسبب الرئيسي تدنِّي قيمة بدل "النوبتجية" ويشدِّد على أن رفعه بداية حقيقية لمعالجة هذا الوضع غير المقبول، خاصةً في ظل الزيادة الكبيرة في أعراض المتردِّدين على المستشفيات خلال هذه الفترة.

 

فساد إداري

 الصورة غير متاحة

 د. فريد إسماعيل

من جانبه يشدِّد الدكتور فريد إسماعيل عضو الكتلة البرلمانية وعضو لجنة الصحة بمجلس الشعب على أن منظومة الصحة في مصر تعاني من قصور تامٍّ على كل المستويات؛ بسبب الفساد الإداري المستشري داخل قطاع الصحة والإهمال المتعمَّد الذي يضرُّ بمصالح المواطنين ويعرِّض حياتهم للخطر.

 

ويشير إلى أن ضعف المخصصات المالية الموجهة لقطاع الصحة في مصر والبالغة 4% من قيمة الموازنة العامة للدولة والتي لا تتجاوز 1.4% من الناتج المحلي؛ يؤدِّي إلى ضعف المرتبات وبدل النوبتجيات للأطباء والتمريض الذين بدورهم يتكاسلون ويقصرون في أداء عملهم وخدمة المواطنين.

 

ويؤكد أن الفساد المستشري في إدارات المستشفيات الحكومية وغياب الرقابة هو السبب الرئيسي في عدم وجود أية أطقم معالجة في أيام الأعياد والعطلات، فالمعلوم أن الأطباء الإخصائيين والاستشاريين يتركون المستشفيات وأقسام الطوارئ للنواب ولطلبة الامتياز في أيام العيد، والذين لا يستطيعون التعامل مع الحالات الحرجة وخاصةً في أقسام الطوارئ؛ ما يعرِّض حياة المواطنين إلى الخطر.