- المواطنون: المقاطعة هي السلاح الوحيد الذي نملكه
- التجار: نسبة الإقبال انخفضت 50% عن العام الماضي
- د. سعاد الديب: اشتراك العائلات في الإنتاج يساعد في التوفير
- د. محمد النجار: أزمة القمح العالمية بريئة من ارتفاع الأسعار
تحقيق: مي جابر
إنجاز جديد تكتبه حكومة نظيف لنفسها بعد أن تسبَّبت في أول عيد يحل على المصريين بدون كعك؛ نظرًا للارتفاع الغير الطبيعي في أسعار معظم المواد الغذائية، حتى بلغ سعر كيلو الكعك 45 جنيهًا، بعد أن كان 25 فقط في العام الماضي.
وأرجع التجار ارتفاع الأسعار هذا العام إلى ارتفاع أسعار مكونات الكعك المختلفة، فقد ارتفعت أسعار الدقيق الفاخر من 1900 جنيه قبل أزمة القمح إلى 3 آلاف جنيه للطن، وكذلك ارتفاع أسعار السكر بمقدار 50 قرشًا للكيلو، وارتفاع أسعار الزيوت والمسلى بنسبة 10%، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار السولار الذي يستخدمه الكثير من الخبازين في التصنيع، وكل هذا أثَّر في المنتج النهائي.
أما من جانب المواطنين فيشكون ثقل ميزانية الكعك الجديدة، وتقول زينب مصطفى (30 عامًا- ربة منزل): إنها اتفقت مع جيرانها على مقاطعة الكعك هذا العام؛ بسبب ارتفاع أسعاره بشكل خيالي؛ حيث إن ميزانية المنزل لم تعد تسمح لأشياء إضافية، خاصة بعد انهيار الميزانية؛ بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية طوال شهر رمضان، مضيفةً أنها كانت تقوم بشراء 6 كيلو من الكعك والبسكويت كل عام لتكفي أسرتها المكونة من 5 أفراد، وأن ذلك سيكلفها هذا العام أكثر من 300 جنيه.
وتتفق معها منى محمد (48 عامًا- موظفة) فتؤكد أنها ستكتفي هذا العام بهدايا الأقارب والمعارف التي تحتوي على بعض الكميات البسيطة من الكعك والبسكويت خلال زياراتهم لها في العيد، مضيفةً أنه إذا لم يحدث ستحاول تعويض ذلك من خلال زيارتها لأهلها وأهل زوجها.
"الكعك والبسكويت الآن من الرفاهية التي يمكن الاستغناء عنه" هكذا قال محمد شاهين (54 عامًا- موظف بالمعاش)، مؤكدًا أنه لن يشتري أية كمية من الكعك هذا العام بعدما تمَّ تدمير ميزانيته في شهر رمضان، وبسبب موسم المدارس.
أما فاطمة حسن (47 عامًا- موظفة) فتوضح أنها قرَّرت خفض الكمية التي اعتادت شراءها كل عام، فبعد أن كانت تشتري 5 كيلو ستشتري هذا العام 2 كيلو فقط، حتى لا تقطع عادة اعتادت عليها.
وتستعجب هالة أمين (36 عامًا- ربة منزل) من ارتفاع الأسعار هذا العام بهذه الطريقة؛ حيث ارتفعت جميع أسعار مكونات الكعك من الدقيق والسمن والزيت؛ لترتفع التكلفة الإجمالية لكيلو الكعك المعد بالمنزل إلى 12 جنيهًا بعد أن كانت 7 جنيهات فقط، مؤكدة أنها ستقلل الكمية التي اعتادت كل عام بتجهيزها؛ لتكتفي بـ2 كيلو فقط، حتى تُسعد أطفالها، فلا عيد بلا كعك.
الموسم "انضرب"
وانتقلنا إلى أصحاب المخابز ومحالِّ الحلوى والعطَّارين لنعرف مدى إقبال المواطنين هذا العام على إعداد أو شراء كعك العيد، فيقول هاشم ربيع (41 عامًا- صاحب محل عطارة): إن موسم الكعك والبسكويت هذا العام "انضرب" بسبب ارتفاع أسعار الدقيق؛ حيث وصل سعر الكيلو إلى 4.5 جنيهات بعد أن كان 2.5 جنيه في نفس التوقيت من العام الماضي، فضلاً عن ارتفاع أسعار السمن والزيت والتي تُعد من أهم مكونات الكعك والبسكويت.
وفي نفس السياق يؤكد شعبان حمادة (49 عامًا- صاحب محل عطارة) أن نسبة الإقبال هذا العام انخفضت بنسبة 50% عن مثيلتها العام الماضي؛ حيث يتجه معظم الأسر لشراء الكعك الجاهز، مشيرًا إلى أن غلاء الأسعار دفع البعض إلى تقليل الكميات التي اعتادوا أن يستهلكوها كل عام.
ويرى محسن مصطفى (33 عامًا- صاحب أحد المخابز) أن ربات البيوت ابتعدت عن أعداد الكعك والبسكويت في المنزل بسبب خوفها من فشلها، وتعتبر أن الجاهز مضمون، ويمكن التحكم في كمياته، مشيرًا إلى أن الأسر التي ما زالت تلجأ إلى إعداد الكعك في المنازل؛ اتجهت لتخفيض الكمية للخمس، فمن كان يُعِدُّ 5 كيلو من الكعك والبسكويت أصبح يعد كيلو واحدًا فقط.
"للفرجة" فقط
ويضيف سالم عبد الرحمن (37 عامًا- بائع بأحد محالِّ الكعك بالمنيل) أن الزبائن تأتي و"تتفرج" ثم تسأل على الأسعار وتبدي دهشتها وتغادر المحل دون شراء، مؤكدًا أنهم لا ذنب لهم في رفع الأسعار؛ حيث إن ارتفاع الأسعار هذا العام مرتبط بأزمة القمح العالمية.
ويعبر إسلام أحمد (29 عامًا- بائع بأحد محال الكعك بالمعادي) عن خشيته من تخلي الأسر المصرية عن شراء الكعك والبسكويت بعد الارتفاع المستمر في الأسعار كل عام؛ حيث إن الإقبال هذا العام ضعيفٌ جدًّا، فلم يبِع من الكعك والبسكويت حتى الآن سوى 8 كيلو فقط.
الأرخص
عرضنا الآراء السابقة على الخبراء والمتخصصين؛ ليضعوا روشتة بكيفية التغلب على ارتفاع أسعار الطقوس المرتبطة بعيد الفطر المبارك.
![]() |
وتتابع قائلةً: "ساعد على ذلك عدم توفر أي مؤشرات تحكم الأسعار في السوق المصرية؛ حيث أصبحت الفوضى هي المسيطرة على جميع السلع الغذائية، ولا يهتم التجار بأن أغلب الشعب المصري من محدودي الدخل الذي لا يستطيع توفير نفقات أغلب احتياجاته الأساسية".
وعن سبب تفاوت أسعار الكعك ما بين 25 جنيهًا للكيلو في بعض المناطق، بينما وصلت في بعض المناطق إلى 45 جنيهًا للكيلو الواحد، تقول: إن الباعة يتحجَّجون بأن المكونات التي يستخدمونها ذات جودة أفضل، فهناك من يؤكد أنه يستخدم السمن البلدي أو الدقيق الفاخر في صنع الكعك.
وتنصح د. سعاد الأسر المصرية بالبحث عن الأسعار المناسبة لها في كلِّ مكان، بالإضافة إلى تقليل الكميات المستهلكة؛ حيث يعتبر تناول الكعك والبسكويت عادة مصرية يمكن التقليل منها أو الاستغناء عنها حسب إمكانيات الأسرة، كما أن تناول كميات كبيرة يضرُّ الصحة، خاصةً بعد صيام شهر رمضان.
وتضيف: "كنا نجد الأسر المصرية قديمًا تشترك معًا في إعداد الكعك والبسكويت؛ ليوفِّروا في التكلفة الإجمالية، فكان يتم شراء المكونات بالجملة، وتقسيم "شكارة" الدقيق والسمن على أكثر من عائلة".
وتطالب التجار باحترام المستهلك، ومراعاة ظروف الشعب المصري الذي أنهكه غلاء الأسعار المستمر مع تدنِّي أجورهم، مؤكدةً أنه يمكن أن نجد أسعار الكعك أرخص مما هي عليه الآن إذا أراد التاجر ذلك.
مراقبة الأسواق
ومن جانب آخر، يقول الدكتور محمد النجار أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة بجامعة بنها: إن سبب تكرار أزمة غلاء الأسعار بشكل مستمر هو سيطرة رجال الأعمال على الأسواق المصرية، وتحكمهم في الأسعار بدون رقيب من الحكومة المصرية التي تركت المستهلك المصري فريسةً لاحتكار كبار رجال الأعمال، مشيرًا إلى رفع التجار أسعار الدقيق بحجة ارتفاع الأسعار العالمية، والتي لم ترتفع مثلما ارتفعت في مصر.
ويضيف: مشهد ارتفاع أسعار القمح الذي نشهده الآن رأيناه في عام 2008م عندما أعلنت الولايات المتحدة عن تصنيعها الوقود الحيوي من القمح، واستخدامه بدلاً من البترول، مشيرًا إلى أن ذلك أدَّى إلى ارتفاع أسعار القمح عالميًّا، والتي عادت إلى معدلاتها الطبيعية بعد شهرين من نشوء الأزمة؛ لتنخفض الأسعار إلى الثلثين مرَّةً أخرى، بينما ظلَّت الأسواق المصرية في ارتفاع مستمر.
ويتابع: الشعب المصري اعتاد تدبير أموره؛ إما "بشدِّ الحزام" على بطنه وتخفيض معدلات استهلاكه، أو بالاعتماد على الاستدانة حتى يشتري ما يلزم أسرته من احتياجات خلال المواسم المتلاحقة، سواء كانت رمضان أو العيد أو اقتراب المدارس، مبينًا أن المواطن المصري يظل أسير هذه الديون طوال العام بسبب ذلك.
ويستطرد قائلاً: "الحل الوحيد لهذه الأزمات المتكررة هو مراقبة الأسواق المصرية، والتي أصبحت "بلا ظابط ولا رابط"، بالإضافة إلى تخلي الشعب المصري عن ثقافته الاستهلاكية التي تدمِّر ميزانيته بدون أية فائدة".
