قرأتُ كتاب (الحياة الربانية والعلم).. للشيخ القرضاوي- أمدَّ الله في عمره وعمله- كان الكتاب رائعًا ومفيدًا، وليت شباب الصحوة أن يراجعوه، ففيه طرح يستحق أن يُقْرَأ.

 

تحدَّث الشيخ في الكتاب عن حياته الثقافية، ومشواره العلمي، وكيف تكَوَّن ونمى زاده المعرفي؟ وذكر في معرض حديثه، تأثير كتاب (إحياء علوم الدين) للإمام أبي حامد الغزالي في نفسه، وكيف أنه تذوَّق حلاوته، وعايش نصوصه، حتى جعله بليغًا في الوعظ والإرشاد، وأمدَّه بزادٍ روحي كبير، يجد بريقه في نفسه، وأثره في سلوكه، وفي نهاية الحديث قال الشيخ القرضاوي معلقًا: (ولا شك أن هذا من بركات صاحبه). فإخلاص الغزالي وصدقه، والروح العظيمة التي خطَّ بها كتابه الإيماني الفريد، انعكست على قرائه، والناهلين من علمه.

 

يأتي هذا الكلام في الوقت الذي يشتد فيه الطلب على كتاب (مذكرات الدعوة والداعية) للإمام الشهيد حسن البنا، نتيجة لعرض مسلسل الجماعة، الذي موَّله النظام المصري، ليشوه صورة الإخوان المسلمين، وتركز عدسات الحلقات في أكثر من لقطة على غلاف الكتاب، حينما يتناوله قارئه ليطل بالمسلسل على تاريخ الإمام وجماعته، وهنا بدأ الغلاف والعنوان يشد الجماهير المُشَاهِدة ومحبي القراءة، حتى مَن لا يقرءون شدَّهم أن يقتنوا مثل هذا الكتاب، الذي يعرض سيرة هذا الرجل الفذ، والشهيد العملاق، الذي صنع كبرى الحركات الإسلامية، وتأثَّرت به جموع غفيرة من شباب مصر.

 

إنه إذًا كتاب الساعة الذي روَّج له النظام في محاولةٍ تسويقيةٍ غير مسبوقة، منذ أن ألف الكتاب بقلم الراحل الشهيد، وأرى أن الإخوان أنفسهم لو قاموا بحملة تعريفية للكتاب، فلن ينجحوا كما نجح النظام الذي يملك من الأدوات والإمكانيات ما لا يمتلكون، حدثني أحد شيوخ الإخوان بقوله: (إن هذا الكتاب لو قرأه أحد، فإنه لا محالة يسوقه لأمرين، إما الإيمان بفكرة الإخوان، أو الإعجاب بهم، والتعاطف معهم) وصدق الرجل.

 

وهنا أتمثل قول القرضاوي فأقول: ولا شك أن هذا من بركات صاحبه، لقد قرأت الكتاب في فوعة الصبا، وشدَّني كثيرًا كثيرًا، حيث يتحدث الإمام البنا بأسلوب عادي لا تكلف فيه، ويسرد سردًا طبيعيًّا، ليس فيه شيء من الاستعرض البياني، أو الحرفة الأدبية، ومن العجيب أن الكتاب يجذبك وتشدك صفحاته، وتسوقك لاستكمال ما بعدها، حتى تأتي على الكتاب من آخره.

 

إن سطوره الناصعة، تحكي حياة الدعوة والداعية، وخلط مدادها بالإخلاص والصدق والروحانية العالية، حتى يشعر القارئ بشيء يتسرب إلى نفسه دون أن يشعر.. لقد كانت لي تجربة مع الكتاب، الذي وفقتُ لاقتنائه وقراءته في سنٍّ باكرة؛ حيث كان بقريتي شيخ من شيوخ الصوفية، يعجبه العمل للإسلام في ضوء الفهم الصحيح والتناول الأمثل، وكان يحب شباب الحركة، ويبارك خطواتهم، إلا أنني وفي حواري معه، لمستُ إشكالاً وريبًا في بعض تصوراته عن الإخوان، ولو أنني عارضته ما اقتنع، واعتبرني مجادلاً مكابرًا، وعلى الفور أسرعت في خطوة عملية لإعطائه كتاب الإمام البنا (مذكرات الدعوة والداعية)، ولم أكن أتوقع أن ينبهر الرجل بالكتاب لهذا الحد، خصوصًا حينما قرأ فصوله عن النشأة الصوفية لحسن البنا، إذ دفعه ذلك للشغف بالكتاب، وكأنه يقرأ عن شيخٍ من شيوخ الصوفية، لقد رأى في حسن البنا عنايته بإصلاح النفس، واهتمامه بالحياة الروحية، وعلى قدر فرحه، وجدته حزينًا؛ لأنه لم يقرأ أو يسمع عن الكتاب من قبل، وكان الكتاب بداية للفهم الصحيح، وطريقًا لإزالة اللبس من عقل الشيخ، ومن الطريف أنني حينما طلبت الكتاب بعد فراغه من قراءته، عرفت منه أنه ذهب للمكتبة ليشتري نسخة خاصة به.

 

وحادثة أخرى، إذ كنت أمسك بالكتاب مرةً فرآه والدي، فقال: ما هذا فقلت له مذكرات الشهيد حسن البنا، فقال: ناولني إياها، ولم يكن يعرف أن الإمام قد كتب مذكراته، وظلَّ يقرأ فيها حتى انتهى من الكتاب في يومين، ثم قال لي وهو ذواقة للأدب: "يا ولدي إن هذا الكتاب رغم أنه مكتوب بأسلوب عادي، إلا أنه جذَّاب جدًّا".

 

ونعود لنقول: هل يمكن لهذا الكتاب، بعد العمر المديد أن يلعب دورًا في الدعوة والتعريف بالجماعة؟ أو أن تساهم سطوره في التعاطف الشعبي معها؟ أيمتد عمر حسن البنا، ويستمر أثره بعد استشهاده منذ أكثر من 60 عامًا؟! ولم لا.. وقد كانت حياته كلها لله، مع قلة أيامها وسعة أعمالها.

 

نعم فقد شاء الله أن تهلَّ بركات الإمام على الأجيال المعاصرة، بفعل النظام المعادي لجماعته، ولكنها أقدار وحِكَم مبهرة تمامًا، كما رُبِّي موسى في أحضان فرعون، ليصير هلاكه من بعد على يديه.

 

لكل داء دواء يستطب به   **   إلا الحماقة أعيت من يداويها

 

أعتقد أن هناك سؤالاً قد يجول بخاطر قُرَّاء مذكرات الإمام الشهيد، وهو: لماذا تندرت مؤلفات الإمام ولم يكن له كثير من الكتب، والمجلدات في الدين والدعوة؟! لقد أجاب الإمام والده حينما سأله يومًا بقوله: يا بني لماذا لم تؤلف كُتُبًا تكون سلوةً لأتباعك من بعدك؟ فقال: يا أبتِ لقد انشغلتُ بتأليف الرجال.

 

ويا له من جواب لعقلية مبهرة عرفت دورها ورسالتها، فانطلقت للعمل بالأفعال لا بالأقوال، وتحققت على يديها مبعث الصحوة وكيان الحركة، حتى كانت الإخوان المسلمون التي تتضاءل أمامها معاول الباطل، التي لا تفتأ تريد هدمها والنيل منها.. والتي كان آخرها مسلسل "الجماعة" الذي كنا نظنه سلبًا فكان إيجابًا، وكنا نحسبه خسارةً فجاء نصرًا.

---------------------

salama227@yahoo.com