![]() |
|
د. جابر قميحة |
ونستأنف كلمة التاريخ عن الهزيع الأخير من أيام الإمام الشهيد حسن البنا- رحمه الله- عارضين مظاهر التجني على المجاهدين الذين رصدوا أنفسهم لله والجهاد، بادئين بالجناية التي ارتكبها رئيس الوزراء النقراشي باشا:
قرار حل الإخوان المسلمين واغتيال الإمام الشهيد
ومكافأةً للإخوان على هذه التضحيات العظيمة التي بذلوها في ميدان الجهاد في فلسطين.. قامت حكومة النقراشي بحلِّ جماعة الإخوان المسلمين في مصر.. وحتى لا يضعف هذا القرار من عزيمة الإخوان المجاهدين، جاءهم أمرٌ من فضيلة المرشد ألا ينشغلوا بما يحدث في مصر، وأن يتركوا مصر لمَن فيها، وأن ينصرفوا لجهادهم، وألا يتأثروا بالأحداث، فالجهاد أوْلى..
أقرت الهدنة، وعادت قوات الإخوان، ولكن ليس إلى مصر لتستقبلهم وتضمهم إلى صدرها بما قدّموا من تضحيات، ولكن إلى معسكرات الاعتقال في رفح والعريش!
*****
كان المرشد العام يعدُّ العدة لدخول فلسطين بجيشٍ إسلامي كبير، فقد أعلن أنه تصدَّق بدماء عشرة آلاف مجاهد لتحرير فلسطين، ولكنهم عاجلوه، وكانوا أسبق منه للأسف الشديد، فاغتالوه.
وكانت خطة القيادة الحكومية السياسية في القاهرة أن يجرد الجيش الإخوان من أسلحتهم.. ولكن قيادة الجيش.. لم ترَ ذلك، وكيف يفعلون وهم رفاق دربهم في الجهاد، والمجموعة التي كانت تحمي ظهورهم في أوقات الخطر؟
استمر الإخوانُ في فلسطين يمارسون دورهم الجهادي المطلوب، مع أنهم قتلوا الإمام الشهيد، وحوّلوا أبطال الإخوان المجاهدين إلى معسكرات الاعتقال؛ ليكونوا عبرةً لكل مَن تُسوِّل له نفسه بأن يرتكب جريمة الجهاد في ظلِّ الطغاة.
*****
الحركة الإسلامية في الضفة الغربية وقطاع غزة
كتب الكثيرون حول المحن المتلاحقة التي حلت بالإخوان المسلمين منذ أربعينيات هذا القرن وحتى اليوم.. وأرجعوها في معظم أسبابها إلى موقف الإخوان من قضية فلسطين، فقد كشفوا قوتهم وصلابتهم للأعداء.
وهذا المنطق صحيح ولا شك من وجهة نظر الانتهازيين، ولكنه منطق مرفوض عند حركة الإخوان المسلمين التي جعلت الجهاد في سبيل الله لتحرير الأوطان من أهم واجباتها.
بعد احتلال فلسطين عام 1948م أصبح إخوان الضفة الغربية جزءًا من تنظيم الإخوان في الأردن.. وأصبح إخوان غزة على ارتباطٍ مع الإخوان في مصر.
*****
رابطة الطلبة الفلسطينيين
شكَّل الطلاب الفلسطينيون- ومعظمهم من قطاع غزة الذين تلقوا دراستهم في الجامعات لمصرية- رابطة الطلبة الفلسطينيين بالقاهرة، والتي سيطر على مجلس إدارتها الإخوان أو أصدقاؤهم، وكان من أبرز هؤلاء ياسر عرفات وسليم الزعنون وصلاح خلف وعبد الفتاح الحمود، وقد أصبح هؤلاء المؤسسين لحركة فتح فيما بعد.
في السنوات اللاحقة، ورغم ظروف العمل السري، شارك الإخوان في قطاع غزة بفعالية في إفشال مشروع سيناء للتوطين (وهو مشروع اتفقت عليه الحكومة المصرية ووكالة الغوث في يونيو 1953م، ويرمي إلى توطين اللاجئين من سكان غزة في سيناء)، كما شارك الإخوان في إفشال مشروع التدويل (وهو مشروع ليستر بيرسون وزير خارجية كندا الذي تقدَّم به للأمم المتحدة عام 1956م يطالب بتدويل القطاع".
*****
معسكرات الشيوخ في الأردن
مع تصاعد العمل الفدائي في الأردن اتخذ المكتب التنفيذي للإخوان المسلمين في البلاد العربية قرارًا بإقامة معسكر في الأردن تحت مظلة فتح يقوم الإخوان فيه بتدريب عناصرهم والمشاركة في الجهاد على أرض فلسطين.
انضمت عناصر قليلة نسبيًّا للمعسكر، كان أكثرهم من إخوان سوريا وقليل منهم من إخوان الأردن والسودان واليمن والكويت.
كان قائد المعسكر الشهيد صلاح حسن، وهو من خيرة شباب الإخوان من مصر، ولقد استطاع بنشاطه وحيويته وروحانيته، أن يعمق الحماسة والإصرار في قلوب الإخوان، فقاموا بعمليات بطولية أذهلت العدو.. وذكرته بعمليات إخوانهم من قبل في النقب والخليل وصور باهر عام 1948م.
يروي عبد الله عزام في كتابه حماس (الجذور التاريخية والميثاق) بعض خواطره عن هذه الفترة فيقول:
"عندما حدث الصدام بين الجيش الأردني والفدائيين، ودخل الجيش لضرب قواعدنا.. جاء الأهالي في المناطق التي كانت قواعدنا في أكنافهم وقالوا: نحورنا دون المس بهم وصدورنا دون إيذائهم، لقد عرفناهم معلمين لأبنائنا، وأئمة وخطباء لمساجدنا، وحراسًا أوفياء لقرآن ومزارعنا".
وكان القائد صلاح حسن يعد لعملية عسكرية كبرى سماها "سيد قطب".. ورتب الخطة، وأشرف بنفسه على التجهيزات وزرع الصواريخ، ولكن قدره عاجله فسقط شهيدًا.. وشيعت جنازة الشهيد بوداع مهيب في مطار عمان.. وفي مطار الكويت.. حيث دفن هناك.
وانتهت الحركة الجهادية عام 1970م، فقد صفى الجيش الأردني قواعد الفدائيين، وتعقبهم إلى جرش في آخر حصونهم، بينما انسحب الإخوان ولم يروا مقاتلة الجيش الأردني.
*****
الصحوة الإسلامية في فلسطين
إنَّ حرب عام 1967م والاحتلال الكامل لفلسطين ومعها القدس الشريف، ومحاولة تهويدها وإحراق مسجدها الأقصى، وحرب عام 1973م، وانكشاف أمر حكام العرب الذين أمضوا عشرات السنين يتاجرون بفلسطين وبتحريرها، وسقوط الأحزاب العلمانية والقومية والاشتراكية والليبرالية التي ملأت الساحة ضجيجًا فارغًا، كل هذه الأسباب، وغيرها كانت من العوامل التي أيقظت الشعور الديني، وأشعلت الصحوة الإسلامية في المنطقة العربية والإسلامية وفلسطين بصورة خاصة.
وإذا كان للعوامل الخارجية والإقليمية وانتشار الصحوة الإسلامية في معظم الأقطار الإسلامية دور بارز في تنمية الوعي الإسلامي في فلسطين.. كان هناك مجموعة من العوامل الداخلية التي أحدثت آثارًا لا تقل أهمية عن العوامل الخارجية:
فبروز التيارات الصهيونية المتعصبة في فلسطين المحتلة، وسياسات القمع والملاحقة والاعتقال الإداري ومصادرة الأراضي وإقامة المغتصبات، ومحاولة تهويد البلد وإقامة الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى، وتحدي المسلمين في مشاعرهم ومقدساتهم ومصالحهم.
كل ذلك ساهم في زيادة الوعي الإسلامي، ولجوء الفلسطينيين إلى الإسلام كملاذٍ للخلاص، لقد قامت خلال هذه الفترة عدة مؤسسات إسلامية مثل:
- الجمعيات الخيرية التي تشرف على المدارس الدينية ورياض الأطفال والمكتبات والنوادي الرياضية.
- لجان الزكاة التي بدأت تنتشر في أرجاء فلسطين يمولها أغنياء الفلسطينيين في الخارج والجمعيات الإسلامية في الكويت خاصة وبقية مناطق الخليج الأخرى.
- الجامعات في الخليل ونابلس وبير زيت والجامعة الإسلامية في غزة كانت من المنابر المهمة في إبراز رسالة الطالب المسلم الفلسطيني.
- زيادة عدد المساجد وتحويلها إلى قاعات للتربية والتعليم.
لهذه الأسباب الداخلية والخارجية قامت مجموعاتٌ من الحركات الجهادية في فلسطين.
ومع نهايات عام 1987م كانت الظروف قد نضجت وصارت موائمةً لبروز تيار جديد يواجه الصهيونية ويقوم على أسس جديدة تتناسب مع التحولات الداخلية والخارجية، فكانت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" التعبير العملي عن تفاعل هذه العوامل.
*****
وما سجلته آنفًا إنما هو بعض ما جاء على لسان التاريخ الموثق لا لساني، ومن حقائقه الدامغة:
أن (الإخوان المسلمين) رووا تراب فلسطين بدمائهم، وقدموا من التضحيات ما لا حصرَ له، وكادوا- لولا المؤامرة- أن يجهضوا المخطط الصهيوني، ودفعوا ثمن ذلك باهظًا: قتل مرشدهم (حسن البنا)، والزج بهم في السجون والمعتقلات، وتواصل المحن الواقعة عليهم حتى الآن على أيدي حكوماتنا العميلة.
-----------
