- د. فاروق دسوقي: انعدام الرقابة ولَّد التلاعب.. والمواطن الضحية

- د. أنور درويش: مكاسب مافيا اللحوم من الصفقة يفوق المخدِّرات

-  د. سامي طه: تسمين العجول الرضيعة يحل الأزمة من أصلها

- رئيس "الثروة الحيوانية": سنلتفت للإنتاج المحلي بخطتنا القادمة!

 

تحقيق: إيمان إسماعيل

شكوك واسعة أثارها سماح وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي للشركات العاملة في مجال الثروة الحيوانية باستيراد 50 ألف عجل حي سنويًّا من الولايات المتحدة الأمريكية؛ لتبحث في توقيت القرار، والأهداف الخفية من ورائه، والنتائج المترتبة عليه، خاصةً أن استيراد العجول الحية الأمريكية كان متوقفًا لمدة 6 سنوات!.

 

وأرجعت وزارة الزراعة الغرض من القرار إلى تسمين تلك العجول المستوردة في المزارع المصرية‏؛ للاستفادة من معدلاتها التحويلية للحوم، والتي تصل إلى‏ كيلو جرام يوميًّا‏، وسيصل معها وزن العجل خلال فترة لا تزيد على 5 أشهر إلى نحو 500 كيلو جرام، قائلين إن القرار سيسهم في خفض أسعار اللحوم في الأسواق المحلية في أسرع وقت، لزيادة المعروض من اللحوم‏!.

 

إلا أن الخبراء والمختصين بالشأن البيطري والثروة الحيوانية حذَّروا من العواقب الوخيمة لذلك القرار، مشيرين إلى أنه يهدف إلى تدمير الثروة الحيوانية، وإلى تحويل مصر إلى سلة لأوبئة العالم؛ لما سيعقب الاستيراد من تفشي أمراض وبائية خطيرة مثل الطاعون البقري وحمى الوادي المتصدع، وسرطان الأبقار الوبائي، وفيروس الحمى القلاعية، وغيرها من الأمراض.

 

وتوقعوا عدم التزام وزارة الزراعة بضوابط اللجنة العلمية لعلماء الطب البيطري؛ نظرًا لعدم كفاية مجازر الحدود، والتي ستضع الحيوانات في محاجر خاصة تحت سيطرة المستوردين، وما سيترتب على ذلك من غياب الشفافية والمصداقية في الحالة الصحية الحقيقية للعجول، وخلوّها من الأمراض من عدمه.

 

التساؤلات العديدة التابعة للقرار طرحها (إخوان أون لاين) على الخبراء:

الدكتور توفيق شلبي رئيس قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة بوزارة الزراعة يدافع عن اللجوء إلى استيراد العجول من الولايات المتحدة الأمريكية، فيقول: مصر تمر بأزمة لحوم حقيقية؛ ما دفعتها إلى ضرورة استيراد 500 رأس من العجول على أن يتم تسمينها بالمزارع المصرية على مدار فترات تتراوح بين 3: 10‏ أشهر لإتمام عمليات الذبح، مشيرًا إلى أن ذلك سيسهم في خفض أسعار اللحوم البلدية بنسبة 10%، خاصةً أن سعر الكيلو القائم للعجول في أمريكا لا يتجاوز دولارين؛ أي أقل من 12 جنيهًا، بينما في مصر يتجاوز الـ25 جنيهًا ويمكن استيراد ما لا يقل عن 50 ألف عجل حي سنويًّا.

 

وردًّا على عدم لجوء الحكومة للنهوض بالثروة الحيوانية بدلاً من حلول المسكنات والاستيراد من الخارج، أجاب قائلاً: إن ذلك حلٌّ جزئيٌّ، وليس ذا أهمية قصوى في الوقت الحالي؛ نظرًا لوجود مصر في حالة طارئة تستدعي أن تقوم بأي تصرف، مضيفًا أن الوزارة تستهدف في خطتها الجديدة الالتفات إلى معاناة الفلاح، بعدما لاحظت هروب أكثر من 85% من الفلاحين من مزارعهم وبيعهم كل مواشيهم نتيجة ما يلاقونه.

 

ويضيف: إن عدم التفات الوزارة لذلك الشأن من قبل راجع إلى أن معاناة الفلاحين وتدهور الثروة الحيوانية أمرٌ مستحدثٌ، ولم يكن موجودًا من قبل حتى تلتفت الوزارة إليه!.

 

وينفي احتمال تكرار مشاهد استيراد عجول مريضة مرةً أخرى، كما جرى في التسعينيات من القرن الماضي عندما استوردت مصر أبقارًا حيةً، وحملت معها مختلف الأمراض؛ حيث كان راجعًا لفشل التخطيط وسوء للمتابعة وقتها، أما الآن فالوضع اختلف من حيث الزمن والأشخاص، لافتًا النظر إلى أن أمر الصفقة برمَّته في أيدي الهيئة العامة للخدمات البيطرية والتي ستميز ما إذا كانت العجول سليمة من عدمه، وأيضًا هي من سيوقع عليها جزاءات في حالة حدوث أي تلاعب.

 

وحول ما تردَّد من عدم كفاية المجازر والتلاعب الذي من الممكن أن يحدث فيها، فلم يكن لدى رئيس قطاع تنمية الثروة الحيوانية والداجنة بوزارة الزراعة أي تعقيب، قائلاً: "يسأل في ذلك الوزير"!.

 

استيراد أمراض!

ويبدو أن التبريرات السابقة لم تقنع أحدًا ممن طرحناها عليهم من الخبراء، فيؤكد الدكتور فاروق الدسوقي مستشار منظمة الأغذية والزراعة العالمية السابق ورئيس "الجمعية الطبية البيطرية المصرية" أن استيراد عجول حية من أي مكان كان، ولو خرجت تصريحات تؤكد سلامة الموقف الوبائي 100%؛ يعني في المقام الأول استيراد أمراض من الخارج ونشرها في مصر لا غير!.

 

ويوضح أنهم طالبوا بوضع العديد من الاشتراطات واتباعها قبل إتمام صفقة استيراد العجول؛ بحيث تكون سليمةً من الناحية الشرعية والصحية، إلا أنها لم تدخل حيِّز التنفيذ حتى الآن!.

 

ويضرب مثلاً بأحد الشروط التي لم يُفصل في أمرها بعد، والتي تنص على ضرورة أن يكون العجل المستورد عمره بحد أقصى سنتين؛ لأن نسبة إصابته بأي مرض ستكون منخفضة عن العجول الكبرى.

 

ويشير إلى أن الاستيراد لا يمكن اعتباره الحل الأوحد لحل أزمة اللحوم في مصر، وإنما هو جزء ضئيل جدًّا من الحل، وفي حاجة إلى العديد من التحركات الأخرى ذات الآثار البعيدة والفعالة؛ لكي تحل الأزمة من جذورها وليس من قشرتها فقط.

 

ويحذر د. دسوقي من أن مرض جنون البقر يتفشَّى بعد سنة أو سنتين في الحيوانات؛ ما يجعلها خطرًا في مصر إذا ما لم تسمن سريعًا ويتم ذبحها على وجه السرعة، مضيفًا أن انعدام الرقابة يولد تلاعبًا بكل أشكاله، سواءٌ على نطاق المستوردين أو المربين، والضحية في النهاية واحد، وهو المواطن الذي يشتري اللحم ولا يعرف ما مصدره وما يحتوي عليه من أمراض!.

 

وينوِّه إلى أن صفقة استيراد اللحوم من الولايات المتحدة الأمريكية من المحتمل أن تحمل في طياتها العديد من الكوارث والمخاوف، والتي ستعود على المواطنين بأضرار بالغة، رافضًا الإفصاح عن أي تفاصيل عن ذلك التلاعب، مكتفيًا بالتنويه عنها، قائلاً: "كل الكوارث ستظهر في وقتها خلال الأعوام القادمة"!.

 

مافيا اللحوم!

 الصورة غير متاحة

 د. أنور درويش

ويؤيده في الرأي الدكتور أنور درويش أستاذ الرقابة الصحية على الأغذية واللحوم بكلية الطب البيطري بجامعة القاهرة، قائلاً: ذلك القرار غير صائب بالمرة؛ لأنه سيتسبَّب في خدمة مافيا اللحوم، وسيحقق لهم أرباحًا خياليةً، لذا أستبعد أن تصدق دعاوى الحكومة بأن قرار الاستيراد سيعود بأي نفع على المواطنين.

 

ويوضح أن مافيا اللحوم في مصر تتكاثر أعدادهم يومًا تلو الآخر؛ نظرًا لأنها تجارة في ظاهرها تعمل تحت غطاء شرعي وآمن وغير مخالفة للقانون، إلا أن في باطنها العديد من الكوارث، مشيرًا إلى أن تلك الصفقة تحديدًا سيحصل منها حفنة من رجال الأعمال المعروفين على أموال طائلة تتعدَّى ملايين الجنيهات، والتي تفوق أرباحها مكاسب تجار المخدرات!.

 

ويدلل على ذلك قائلاً: إنه لو كان في نية الوزارة مصلحة الشعب حقيقةً لكانت لجأت إلى الإنتاج المحلي أو الاستيراد من دول حوض النيل؛ حتى يتمَّ التغلب على أكثر من أزمة، وتوطيد العلاقات معهم، مؤكدًا أن ذلك القرار ليس الأنسب على الإطلاق في مواجهة غلاء أسعار اللحوم، فهو مجرد مسكنات لخدمة حفنة من رجال الأعمال!.

 

ويضيف قائلاً: إنه من الممكن ضبط أسواق اللحوم وتحقيق رفاهية في الثروة الحيوانية بنسبة 95% إذا ما أولتها الحكومة الرعاية للثروة الحيوانية، والإنتاج المحلي، من التكفل بالمشروع القومي لتسمين البتلو، ومنع ذبح الإناث الصغيرة، فضلاً عن ضرورة دعم الأجهزة البيطرية، وتفعيل دور صندوق التأمين على الماشية، على أن يبقى الاستيراد حلاًّ مؤقتًا وليس هو حل الأزمة، موضحًا أن تلك المشروعات من الممكن أن تنهض بقطاع الثروة الحيوانية في مصر في وقت قياسي وتتغلب على العديد من المشاكل.

 

ويلفت إلى أن استيراد اللحوم الحية- خاصةً من الولايات المتحدة الأمريكية- يمثل خطورة كبيرة جدًا؛ متوقعًا أن يتم الخلط بين اللحوم المصرية والأمريكية في الأسواق؛ نظرًا لاستيراد الأخيرة حية وغير مدبوحة؛ ما سيسهِّل من عملية الخلط بين اللحوم وتناقلها للأمراض المختلفة فيما بينها، والمستهلك هو المخدوع والضحية في نهاية الأمر!.

 

ويضيف: التجارب السابقة تؤكد أنه في بداية التسعينيات تمَّ استيراد الأبقار الحية من الولايات المتحدة الأمريكية، فحملت إلى مصر مرض سرطان الأبقار الوبائي، وكذلك في الأبقار الإثيوبية التي حملت فيروس الحمى القلاعية، والأبقار الحية من أستراليا حملت السفن البعوض وحمى قاتلة، وغيرها من الأمراض التي يشهد تاريخ مصر على أنها دائمًا ما تكون سلةً لأوبئة العالم!.

 

احتكار!

 الصورة غير متاحة

 د. سامي طه

ويؤكد الدكتور سامي طه منسق تجمع "بيطريون بلا حدود" أن تبنِّي الحكومة مصطلح "أزمة اللحوم"؛ يؤكد أن ذلك المصطلح إما أنها هي المتسبب الأول فيه، وإما أنه مفتعل وغير شفاف، ويقول: "لا يعقل أن تسعى حكومة لتشويه صورتها؛ بأن تنشر بأن لديها أزمة لحوم، وتقوم بالترويج لذلك بكثافة، إلا أن يكون ذلك الافتعال يعود عليها بالنفع من جهات أخرى متعددة!.

 

ويشدِّد على أن الأزمة التي تمر بها مصر ليست أزمة لحوم، وإنما هي أزمة ثروة حيوانية بالكامل، مستنكرًا تركيز الحكومة على جزء ضئيل من الأزمة، في حين أنها لو ألقت أي اهتمام بالإنتاج الحيواني المصري ستحقق غذاءً آمنًا بعيدًا عن استيراد الأمراض والأغذية الملوثة.

 

ويكذِّب تصريح وزير الزراعة الدكتور أمين أباظة، والذي قال فيه: إن العجول الأمريكية التي سيتم استيرادها خالية من أي أمراض، لافتًا النظر إلى أن تاريخ وزارة الزراعة يثبت عدم صدقها، والتي ذكرت مثل تلك التصريحات في التسعينيات، وأكدت وقتها خلوَّ العجول من الأمراض منذ أكثر من 6 سنوات، ثم اكتشف بعد ذلك إصابتها بمرض جنون البقر وأسفرت عن خسائر تفوق الـ150 ألف رأس، فضلاً عن 3 مليارات جنيه، ثم أخلت الوزارة بعدها مسئوليتها بالكامل، وتبادلت الاتهامات مع المستوردين!.

 

ويشير إلى أن ذلك السيناريو متوقع تكراره بقوة في تلك الصفقة أيضًا، داعيًا قطاع الثروة الحيوانية في مصر إلى إعادة ترتيب أوراقه.

 

ويحذر من أن تلك العجول التي سيتم استيرادها؛ سيتمُّ وضعها تحت قبضة مجازر المستوردين، وما سيترتب عليه من انعدام للمصداقية وشفافية المعلومات الصادرة بشأن حالة العجول، مشيرًا إلى أن وجود المجازر في الأصل داخل البلاد أمرٌ مخالفٌ للقانون، والصحيح أن تكون على الحدود بين البلاد؛ لسهولة السيطرة عليها وحصر الأمراض إذا ما وجدت بها.

 

ويشير إلى أحد المشاريع التي نجحت في مصر، وحققت تنميةً معتدلةً في قطاع الثروة الحيوانية لعام 1983م، والتي يأمل تكرارها في الوقت الحالي، موضحًا أنها كانت عبارة عن تسمين للعجول الرضيعة في مصر، والتي وصل وزن العجل وقتها من 50 كجم إلى 500 كجم ( أي 10 أضعاف)، وذلك خلال سنتين فقط، وأسفرت عن إنتاج نصف مليون رأس، أي ما يعادل 240 ألف طن من اللحوم.

 

ويضيف: استيراد مصر من اللحوم يعادل 380 ألف طن، وإعادة تنفيذ ذلك المشروع ينتج 240 ألف طن من اللحمة؛ ما يسدُّ الكثير من الفجوة، ويعمل على تنمية قطاع الثروة الحيوانية في مصر بشكل كبير، ويساهم في حل أزمة اللحوم بنسبة تفوق الـ85%.

 

ويتساءل: لصالح من تحارب تنمية الثروة الحيوانية؟ مطالبًا الحكومة بتحرير الثروة الحيوانية من أزمة الاحتكار الشديدة، والخروج من العباءة الصهيونية التي تدفع إلى تدمير الإنتاج المحلي بكافة المقاييس، خاصةً في قطاعات مصيرية كالزراعة.