الصورة غير متاحة

 د. حلمي محمد القاعود

رمضان المبارك ربيع القلوب على المستوى الشخصي أو الفردي، وربيع الشعوب على المستوى الاجتماعي، وربيع الأمة على مستوى الدول والحكومات الإسلامية.

 

في رمضان الذي يعيشه الفرد والشعب كما أمر رب العباد تتحقق الغاية العظمى التي جاءت في آخر آية تشريعه ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فعندما تصفو القلوب، وتتهيأ للطاعة والالتزام، وتعمل بإخلاص وإتقان، ثم يتضامن الناس ويتكافلون، ويحنو بعضهم على بعض، ويقيمون مجتمع المودة والرحمة، يكون مستقبل الأمة مبشرًا بالأمل والرجاء، فتتحقق عزة الإسلام، ويسود الأمن والاطمئنان.

 

في آيات تشريع الصيام دلالة على معاناة الصائم في صيامه وحرمانه من الطعام، ومقاومته للشهوات البيولوجية والمعنوية، كما في قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)﴾ (البقرة).

 

وفي الآية الكريمة إنصاف للإنسان المسلم في حال الصحة وحال المرض، وعدل في التكليف والواجبات، ودعوة إلى التحمل والمقاومة، إيثارًا للطاعة والالتزام، وإرضاء لرب العباد وخضوعًا لمشيئته وإرادته..

 

الصيام مشقة ومجاهدة، وهناك من لا يقدرون عليه بسبب المرض أو السفر أو الضعف أو تقدم السن، وهنا يكون التيسير الإلهي في التشريع بإعادة الصوم في أيام أخرى بعد رمضان، أما الذين لا يستطيعون الصوم في رمضان أو بعده فعليهم الفداء؛ بإطعام مساكين بعدد أيام الإفطار، وفي كل الأحوال فالصوم خير ولو كانت فيه مشقة وصعوبة..

 

إذًا رمضان فيه مشقة وصعوبة ومجاهدة ومقاومة، والصائم ينزل منزلة المجاهد، لأنه يجاهد الشهوات والرغبات والنفس التي لا تنتهي عن الاستجابة لهواها؛ إلا بإرادة قوية، وإيمان خالص، ومن ثم كان شهر رمضان شهرًا للجهاد والمقاومة، ليس على مستوى الأفراد وحدهم أو الشعوب فحسب، ولكنه كان شهر الأمة الإسلامية بأجمعها حين تواجه الأعداء، والمغيرين والغزاة، ولا يمنعها الصيام من حمل السلاح دفاعًا عن دين الله وبلاد الإسلام وأوطان الإسلام.. بل كان رمضان حافزًا ودافعًا إلى تحقيق الانتصارات، وإعلاء كلمة الله..
هل كانت غزوة بدر مجرد قتال تم في شهر رمضان؟

 

إنها درس تاريخي كان بداية لربيع الأمة الإسلامية، حيث حقق المسلمون أول انتصار على أعدائهم، وأقوى حضور إنساني في الجزيرة العربية، وأهم تصحيح لميزان القوى بين التوحيد والكفر، وكان شهر رمضان المبارك البوتقة التي تم فيها كل ذلك، فالمسلمون الصائمون واجهوا المعتدين، وقاتلوهم وهم ممسكون عن الطعام والشراب والشهوات، وكان يوم السابع عشر من رمضان للعام الثاني من الهجرة؛ إيذانًا بميلاد قوة الإيمان التي نمت وتمددت فيما بعد وصنعت الأمة الإسلامية.

 

لماذا كانت المعركة الأولى الظافرة في تاريخ الأمة الإسلامية في شهر رمضان بالذات؟ لأن رمزية شهر رمضان تفوق بقية الشهور، التي هي جميعًا شهور الله، وأيام الله، وفي هذه الأيام جميعًا، ما يجب على المسلم وغير المسلم أن يرى فيها ما يدرسه، ويتأمل فيه، ويستخلص منه العبرة والموعظة ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ (إبراهيم: من الآية 5).

 

لا ريب أن غزوة بدر فيها العبرة والعظة، حيث تلاقت فئة قليلة مع فئة كثيرة (قوة الشرك = ثلاثة أمثال قوة المسلمين تقريبًا من حيث العَدد والعُدد)، وشاءت إرادة الله أن تنتصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة، لأن القليلة أخذت بأسباب النصر، وجهزت ما استطاعت من عناصر القوة، مع أن أفرادها كانوا صائمين في النهار، قائمين في الليل. وتضافرت مقاومة الشهوات والرغبات على المستوى الفردي، مع مقاومة الشر والعدوان على المستوى الجمعي، وكان نصر الله الذي أعز الإسلام والمسلمين.

 

رمضان المبارك ارتبط في تاريخ المسلمين بالعزة والكرامة منذ غزوة بدر الكبرى، وتوالت بعده انتصاراتهم في معاركهم الكبرى، وخاصة فتح مكة التي تمت فيه الهيمنة الإسلامية على البيت الحرام، وإخضاع ما حوله لراية الإسلام، ودخول الناس في دين الله أفواجًا.. وكان رمضان المبارك ربيع الأمة الذي تحققت فيه هذه النقلة الكبرى، ليكون الإسلام هو القوة الأولى في الجزيرة العربية التي انطلقت بعدها الفتوحات الإسلامية العظمى التي غيرت وجه العالم آنئذٍ.

 

وفي رمضان المبارك تحقق ربيع الأمة حين انتصر المسلمون في عين جالوت بقيادة المظفر لدين الله قطز، على أشرس حملة من حملات الهمجية في التاريخ؛ أعني حملة التتار، على الأمة الإسلامية، وتطهرت بلاد الإسلام من غزو التتار الهمجي وشريعة الشر التي أرادوا فرضها على العالم، فهربت قواتهم العسكرية مدحورة من أرض الشام والعراق، بل إنها عادت إلى بلادها وقد تطهرت من الوثنية واستضاءت بنور الإسلام.

 

وفي رمضان المبارك استطاع صلاح الدين الأيوبي أن يسحق في حطين القوات الصليبية الوحشية التي عاثت في بلاد المسلمين قتلاً ونهبًا وفسادًا، وأن يعيد القدس العتيقة إلى أحضان الأمة الإسلامية بعد طول اغتراب، وأن يثبت قدرة الأمة الإسلامية على الفعل والعمل والنصر بإذنه تعالى إذا أرادت.

 

وفي العصر الحديث كانت حرب العبور في العاشر من رمضان المبارك عام 1393هـ= أكتوبر 1973م ملحمة فريدة من ملاحم التاريخ التي أعزت الأمة الإسلامية بعد هزيمة مصمية في يونية عام 1967م.

 

لقد كان الجنود الصائمون يعبرون قناة السويس، ويهدمون أكبر سد عسكري في التاريخ أقامه اليهود النازيون الغزاة، ويطيحون بأقوى الحصون والموانع التي صنعها القتلة على الجانب الشرقي من القناة، ويواجهون أقوى جيوش الغزو والاحتلال بإرادة المسلم الصائم المجاهد الذي يزداد بالصوم إيمانًا وتألقًا، وإصرارًا على الشهادة ولقاء الله، قبل أن يحقق النصر.

 

إن ربيع الأمة الإسلامية يتحقق في رمضان، ويتجلى بصورة غير مسبوقة، مع صفاء القلب، وتماسك المجتمع، والأخذ بالأسباب وإعداد المستطاع من القوة ووسائل القتال، ولذا نجد كثيرًا من الانتصارات يتحقق في رمضان، ونجد الأمة في رمضان تستعيد أجمل ذكريات العزة والفخار، ويتجدد فيها حلم التفوق، وتجاوز العثرات.