ولماذا لم نأخذْ فيهِ ومنهُ أسبابَ النهضةِ وعواملَ بناءِ الحضارةِ؟! أين الخللُ؟ وما الحلُ؟
أيها الأحبابُ..

 

قد جاءَنا رمضانُ.. شهرُ الإرادةِ والعبادةِ وشفافية الوجدانِ، ووحدة الأمةِ.. جاءَ ليُربِي فينا قوةَ الإرادةِ وصلابةَ العزيمةِ..

 

جاءَ ليُحيي في نفوسِنا طاقةَ الإيمانِ الجبَّارةَ، القادرةَ على تحويلِ ضعفِنا إلى قوةٍ، وعجزِنا حركةً وفورةً, ويأسِنا ثقةً وأملاً..

 

جاءَ حقًّا بكلِ أسبابِ النهضةِ للأمةِ, وكلِ عواملِ بناءِ حضارتِها..

 

ولقد منَّ اللهُ علينَا برمضانَ سنواتٍ عديدةً، ولكن للأسفِ ما زالتْ أحوالُنا كما ترونَ جميعًا:

غيابٌ مفضوحٌ للدولةِ وانسحابها من العديدِ من المسئولياتِ الاقتصادية والاجتماعيةِ والخدميةِ والقوميةِ، وفسادٌ متغلغلٌ في شتى مناحي الحياةِ، وأزمات في الكهرباء والمياه والقمح، وانحيازٌ سافرٌ لأصحابِ الثروةِ، فأصبحت السلطةُ لأصحابِ الثروةِ، وأصبحت الثروةُ لأصحابِ السلطةِ، وانحدارٌ للقيمِ والمبادئِ، وتدهورٌ في التعليمِ والصحةِ، وتضليلٌ وإسفافٌ في الإعلامِ والثقافةِ، وانتشارٌ للبطالةِ والجريمةِ، وتفشٍّ مخيفٌ للأمراضِ الجسديةِ والنفسيةِ، وسيادةٌ لقانونِ الرشوةِ والمحسوبيةِ، وانعدامٌ للثقةِ بين الشعبِ والحكومةِ، وبين فئاتٍ من الشعب، وشيوعُ شعورٍ باليأسِ والإحباطِ، في ظلِ غيابِ العدالةِ والحريةِ والديمقراطيةِ.

 

فلماذا إذاً لم يُغيِّر رمضانُ أحوالَنا على مرِّ تلكَ السنين؟!

ولماذا لم نأخذْ فيهِ ومنهُ أسبابَ النهضةِ وعواملَ بناءِ الحضارةِ؟! أين الخللُ؟ وما الحلُ؟!
أيها الأحباب..

 

إن رمضانَ لا يعملُ بطريقةٍ كونيةٍ كما تشرقُ الشمسُ كلَ يومٍ، ولكنهُ يعملُ ويؤثرُ بمقدارِ وعيِنا نحنُ واستيعابِنا لحِكَمه ودروسِه، واستعدادِنا وعزمِنا للاستفادةِ من عطائِه.

 

إذنْ الخللُ أيها الأحبابُ يكمنُ أغلبُه في قضيةِ الفهمِ عند الكثيرينَ، فهناك فريقٌ من الناسِ يعملُ عونًا للفسادِ والظلمِ، وربما لا يدركُ ذلك، كالنائبِ الذي يوافقُ على تمديدِ قانونِ الطوارئِ أو غيرِه من القوانين الظالمة، أو يوافق على إسقاطِ استجواباتِ محاكمةِ الفسادِ والمفسدينَ، ويوافق أيضًا على الفوزِ بالتزويرِ في الانتخاباتِ، فيعِينُ بذلكَ على الزيفِ والظلمِ والفسادِ، وقد لا يرَى ذلكَ، بل يعتقدُ أنهُ على صوابٍ؛ لأنهُ يؤدي خدماتٍ لأبناءِ دائرتِه، وربما يؤدي العباداتِ من صلاةٍ وصيامٍ وصدقةٍ، ويعتبرُ أن هذا يغفرُ ذلك.

 

وكذلكَ القاضي أو الضابطُ أو المواطنُ، أيًّا كانت صفتُه، الذي يشاركُ في التزويرِ أو في ظلمِ الأبرياءِ وإيذائِهم، أو التسترِ على ذلك، أو يشاركُ في نفاقِ المفسدينَ من أصحابِ السلطةِ والنفوذِ أو يدعو لمناصرتِهم، كلُ أولئكَ واهمون إن اعتقدوا أنَّ صيامَهم وصلاتَهم يُمكنُ أن تغفرَ لهم، وهم مستمرونَ على ما هم فيهِ.

 

فالرسولُ عليه الصلاةُ والسلامُ لم يقلْ إن الصلاةَ تغفرُ الفحشاءَ والمنكرَ، ولكنْ قالَ: "من لم تنهَهُ صلاتُه عن الفحشاءِ والمنكرِ فلا صلاةَ له"، ولم يقلْ عليهِ السلامُ إنَّ الصيامَ يغفرُ قولَ الزورِ وإنما قالَ: "من لم يدعْ قولَ الزورِ والعملَ به فليس للهِ حاجةٌ في أن يدعَ طعامَه وشرابَه"، وفي الحديثِ الصحيحِ أيضًا أن الشهيدَ الذي ضحَّى بحياتِه كلِّها للهِ تُغفرُ ذنوبُه كلُّها إلا الدَّيْن، وقد أجمعَ الفقهاءُ على أن الدَّيْنَ لا يعني المالَ وحدَه، وإنما يشملُ حقوقَ العبادِ، وأماناتِهم لديهِ ومظالمَهم التي لم يؤدِّها لهمْ، ولم يستسمحْهم فيها.

 

وهناكَ فريقٌ آخرٌ يعتقدُ أنَّه يكفِيه عندَ ربِّه أن يؤدِي عباداتِه ويخالقَ الناسَ بخلقٍ حسنٍ، ولا علاقةَ لهُ بأحوالِ الأمةِ والشأنِ العامِ للوطنِ؛ باعتبارِ ذلك من شئونِ السياسةِ، والسياسةُ عنده ملعونةٌ، أو لها أهلُها المتخصصونَ فيهَا، وهؤلاءِ لم يتدبَّروا القرآنَ، ليعلمُوا أنَّ اللهَ سبحانَه وتعالى قد أقسمَ في سورةِ "العصرِ" إنَّ الإنسانَ في خسرٍ لن ينجُوَ منهُ إلا بشروطٍ أربعةٍ مجتمعةٍ، هي: الإيمانُ، والعملُ الصالحُ، والتواصِي بالحقِ، والتواصي بالصبرِ.

 

وهذا الفريقُ من الناسِ قد أسقطَ اثنينِ منها؛ هما: التواصِي بالحقِ، والتواصِي بالصبرِ، كما أنهمْ لم يتدبروا القرآنَ؛ ليدركوا أنَّ العباداتِ كلَّها وكذلك الحدودَ لا تمثل إلا جزءًا يسيرًا من كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وأن الجزءَ الأعظمَ منهُ- بما فيهِ من قَصَصٍ- إنما يُعنَى بمواجهةِ حركةِ الحياةِ بالإصلاحِ، ومقاومةِ الظلمِ والجهادِ ضدَّ الظالمينَ والمفسدينَ؛ لإفرادِ اللهِ تعالى بالعبوديةِ؛ حتى تستقيمَ حركةُ الحياةِ، وينعمَ بها كلُ البشرِ.. ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: من الآية 251).

 

فلمن نزلتْ إذن تلك الآياتُ التي تمثلُ معظمَ القرآنِ الكريمِ إنْ كانَ يكفِي من الدينِ العباداتِ والحدود؟! فضلاً عن ذلكَ فإنَّ هذا الفريقَ السلبيَّ من الناسِ لم يدرك أن الفقهاءَ قد أجمعوا على فرضِيَّة الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، ولم ينتبهوا لحديثِ الرسولِ عليه السلامُ
"من لم يهتمَّ بأمرِ المسلمينَ فليسَ منهمْ.

 

وفريقٌ ثالثٌ من الناسِ يتساءلُ في حيْرةٍ: وماذا أستطيعُ أن أفعلَ؟ أو ما هو المطلوبُ مني؟!

 

ولهؤلاءِ نقولُ إن المطلوبَ

أولاً: ألا نكونَ أعوانًا للظلمِ والفسادِ، ولو حتى بالصمتِ عليهِ والخوفِ منه، فالخوفُ في قلبِ المؤمنِ لا يكونُ إلا منَ اللهِ، والأمةُ جميعًا لو اجتمعت على أن يضروكَ بشيءٍ لم يضروكَ إلا بشيءٍ قد كتبَه اللهُ عليكَ.

 

ثانيًا: أن نساندَ كلَ دعوةٍ للإصلاحِ، والداعينَ إليها، ونكونَ عونًا لهم.

 

ثالثًا: أن تقولَ كلمةَ الحقِ في كلِ موقفٍ يمرُ عليك، ولا تخشَ في اللهِ لومةَ لائمٍ، وأولُ هذِه المواقفِ الانتخاباتُ القادمةُ.

 

رابعًا: أن تنفضَ عنكَ السلبيةَ المقيتةَ ويكون لكَ في كل قضيةٍ عامةٍ موقفٌ إيجابيٌ يُرضي اللهَ تعالى.

 

خامسًا: أن تنشرَ الوعيَ الصحيحَ بين الناسِ، وتدعو غيرَك لاتخاذِ تلكَ المواقِف.

 

وبعد أن ألقينا الضوءَ على بعضِ مواطنِ الخللِ، وعلى الدورِ المطلوبِ منْ كلٍ منَّا، أليسَ حريًّا بنا في هذا الشهرِ المعظمِ أن يراجعَ كلٌ منا نفسَه ويتدبَّرَ أحوالَ الوطنِ حولَه، ويبدأَ فورًا خطواتٍ إيجابيةً نحوَ التغييرِ والإصلاحِ، فرمضانُ الذي يتغيرُ فيه سلوكُنا وأداؤُنا ما هو إلا تدريبٌ عمليٌ يعلمُنا اللهُ فيهِ أنَّ لدينا القدرةَ على التغييرِ للأفضلِ ويدعونَا إلى أن نتخذَه بدايةَ تغييرٍ مستمرٍّ؛ حتى يحينَ رمضانُ التاليَ له.

 

أيها الأحبابُ..

إن رمضان يمثل للأمة عودة الروح، وعودة الوعي، وعودة الوزن، وعودة القدْر والقيمة.

 

وإنه برغمِ ضخامةِ التحدياتِ فإن الثقةَ في نصرِ اللهِ للعاملينَ المخلصينَ، والأملَ في تمكينِ اللهِ للإصلاحِ والمصلحينَ هو بالنسبةِ لنا عقيدةٌ ودينٌ.

 

فهذهِ رسالةُ الإخوانِ المسلمينَ, نتقدمُ بها، وإنا لنضعُ أنفسَنا ومواهبَنا وكلَ ما نملكُ تحت تصرفِ أية هيئةِ وطنية تريدُ أن تخطوَ بأمتِنا الإسلاميةِ نحوَ الرقيِ والتقدمِ, نجيبُ النداءَ، ونكونُ الفداءَ، ونرجو أن نكونَ قد أدينَا بذلكَ أمانتَنا وقلنَا كلمتَنا، والدينُ النصيحةُ للهِ ولرسولهِ ولأئمةِ المسلمينَ وعامتِهم.

 

ورحمَ اللهُ الأستاذَ البنَّا حينَ قالَ: "لا تيأسُوا فليسَ اليأسُ من أخلاقِ المسلمين، وحقائقُ اليومِ أحلامُ الأمسِ، وأحلامُ اليومِ حقائقُ الغدِ، ولا زال في الوقتِ متسعٌ، ولا زالت عناصرُ السلامةِ قويةً عظيمةً في نفوسِ شعوبِنا المؤمنَةِ، رغمَ طغيانِ مظاهرِ الفسادِ، والضعيفُ لا يظلُ ضعيفًا طَوالَ حياتِه، والقويُ لا تدومُ قوتُه أبدَ الآبدينَ، فاستعدُوا واعملُوا اليومَ قبلَ الغدِ..
﴿والذِينَ يمَّسِكُونُ بالكتابِ وأقَامُوا الصلاةَ إنَّا لا نُضِيعُ أجرَ المصْلِحِين﴾ (الأعراف: 170).