- د. إبراهيم زهران: سبب الأزمة الأهم تصدير الغاز للصهاينة

- النائب مصطفى محمد: تبادل الاتهامات تخبُّط وسوء إدارة

- د. عمار حسن: انعدام التنسيق بين الوزارات سمة الحكومة

 

تحقيق: يارا نجاتي

تبادلت وزارتا الكهرباء والبترول الاتهامات طوال الأسبوع الماضي؛ حول المسئولية عن انقطاع الكهرباء التي تعاني منها كل المحافظات المصرية منذ عدة أسابيع، وقالت وزارة الكهرباء إن "البترول" قللت كمية الغاز المُورَّدة لتشغيل محطات توليد الكهرباء واستبدلت المازوت بها، وأوضحت أن انخفاض ضغط الغاز الوارد للمحطات الكهربائية، وسوء حالة المازوت الداخل إليها أدَّى إلى نقص قدرات التوليد المنتجة منها بحوالي 1600 ميجاوات؛ ما تسبَّب في اللجوء إلى تخفيف الأحمال.

 

وصرَّح مسئولو "الكهرباء" بوسائل الإعلام المختلفة أن وحدات الشبكة الكهربائية مجهَّزة للعمل بالغاز الطبيعي كوقود أساسي، والمازوت كوقود احتياطي، إلا أنه في الفترة الماضية انخفضت نسبة الغاز الطبيعي المستخدم في محطات الكهرباء إلى حوالي ٧٩% بعد أن كانت حوالي ٩٨%، بالرغم من قرارات المجلس الأعلى للطاقة بضرورة زيادة نسبة الغاز الطبيعي المورد للمحطات حرصًا على سلامة تشغيلها.

 

فيما أنكرت وزارة البترول التهمة، مؤكدةً أن محطات توليد الكهرباء تحصل على كل الكميات المطلوبة من الغاز الطبيعي، وقالت إن نسبة الكهرباء المولدة باستخدام الغاز خلال 2009/2010م بلغت نحو 82% وهي نسبة تتخطَّى المعدلات العالمية في توليد الكهرباء بالغاز في معظم دول العالم؛ حيث يبلغ هذا المتوسط 21% فقط، وفقًا لتقرير الوكالة الدولية للطاقة.

 

وعلى خلفية تلك الأحداث والاتهامات المتبادلة بين الطرفين قرَّر الرئيس عقد اجتماع مع الوزيرين للوصول إلى حلٍّ للأزمة بينهما، والتي أُشيع أنها تمتد إلى 6 سنوات منذ بدأت وازرة البترول في تصدير الغاز الطبيعي إلى الكيان، وأرجع وزير البترول في المؤتمر الذي عقده الوزيران بعد الاجتماع مع الرئيس سبب قلة توريد الغاز إلى محطات الكهربائية لارتفاع درجة الحرارة، ونسبة الرطوبة؛ ما أثر في عمل المعدات التي تضخ الغاز إلى المحطات الكهربائية، فقلت الكمية الواردة إليها.

 

واتخذ الوزيران عددًا من القرارات بعد الاجتماع، تمثلت في اتجاه وزارة البترول إلى تخفيض كميات الغاز المصدرة إلى بعض الدول العربية، وبخاصةٍ الأردن، إلى جانب بعض الشركات الخاصة؛ لتلبية الاحتياجات المحلية.

 

وكذلك زيادة حصة وزارة الكهرباء من الغاز لتلبية احتياجات الكهرباء الإضافية عن الخطة المعتمدة، سواء الوقود السائل أو الغازي منذ بداية العام المالي الحالي وخلال شهري يوليو وأغسطس، وبما يزيد عن الخطة الموضوعة بين القطاعين المعتمدة من الوزارتين بنسبة 7%، على أن يتمَّ تلبية الكميات الإضافية التي طلبتها وزارة الكهرباء من احتياطي الغاز المخصص للطوارئ ودون التأثير في احتياجات قطاعات الدولة الأخرى من الغاز.

 

وقرَّر وزير الكهرباء معاقبة المتسبِّبين في طول مدة انقطاع الكهرباء عن ساعة واحدة؛ حيث يعد بذلك مخالفًا للقرار الصادر بالتناوب بين المناطق في فصل الكهرباء بما لا يزيد عن ساعة واحدة.

 

وبرَّرت وزارة الكهرباء عدم إعلانها تقليل كميات الغاز التي يحصلون عليها إلا بعدما زادت الانقطاعات الكهربائية برفضها إحراج وزارة البترول أكثر من مرة، إلا أن تزايد الانتقادات التي وُجِّهت إلى الوزارة في الفترة الأخيرة دفعها إلى الإعلان عنها، خاصةً أنها لم تتعرض لمثل تلك الانتقادات من قبل.

 

كما قرَّرت وزارة الري بعد ظهور أزمتي الكهرباء والغاز زيادة المياه المنصرفة خلف السد العالي إلى ٢٥٠ مليون متر مكعب ولمدة ٥ أيام لزيادة الطاقة الكهرومائية المتولدة من توربينات السد العالي لمواجهة الانقطاعات.

 

الابتسامات الموزَّعة في المؤتمرات الصحفية لم تكن كافيةً للإجابة عن الأسئلة المطروحة حول الاتهامات المتبادلة بين الوزارتين، والتي احتاجت اجتماع الرئيس بهما؟ وهل يعدُّ ذلك الاجتماع هو الحل للأزمة ونهاية لمعاناة المواطنين؟ كما أعادت للسطح ملفات تصدير الغاز للكيان وتصدير كهرباء لا تكفي حاجتنا، وهذا ما نحاول إجابته في التحقيق التالي:

 

غاز الصهاينة

 الصورة غير متاحة

د. إبراهيم زهران

من جانبه يؤكد الخبير البترولي الدكتور إبراهيم زهران وعضو المجالس القومية المتخصصة أن وزارة البترول هي المسئولة الكبرى عن انقطاع الكهرباء في مصر؛ حيث إن تأثير تصدير الغاز الطبيعي للصهاينة على توليد الكهرباء كان معلومًا في مصر منذ عام 2004م، مشيرًا إلى أن ذلك الأمر وضح مع مضاعفة استهلاك الماوزت إلى مايزيد عن 4 ملايين طن، بعدما كان يبلغ مليون طن في العام الواحد؛ ما يعد إشارة واضحة على توريد كميات كبيرة من المازوت إلى المحطات الكهربائية لتعويض نقص الغاز.

 

ويقول إن استخدام المازوت ممنوعٌ في البيئة الطبيعية؛ لأنه من أكبر الملوثات البيئية؛ نظرًا لامتلائه بلموثات وشوائب كثيرة جدًّا، موضحًا أن استخدامه في محطات توليد الكهرباء يساعد على التلف السريع للمعدات الداخلية للمحطة، بدءًا من الأجزاء الرئيسة المشغلة للمحطة، وحتى كل الأجزاء الأخرى وبخاصة الأجزاء الكبريتية.

 

ويشير إلى أن حجم تلك الأضرار التي تصيب المحطات الكهربائية كبيرٌ من جرَّاء استخدام المازوت بها؛ حيث تؤدي إلى الاستهلاك السريع للمحطة؛ ما يضطر القائمين عليها إلى صيانتها وإصلاح ما فسد فيها على فترات متقاربة، لافتًا إلى قيام وزارة الكهرباء بإغلاق محطات معينة وإيقافها عن العمل؛ ما أدى إلى الانقطاعات الكبيرة التي ظهرت مؤخرًا بعد الأعطال الكثيرة في المحطات.

 

ويوضح أن مصر كادت تتفادى أزمة انقطاع الكهرباء لولا استخدام المازوت بديلاً عن الغاز، مستدركًا أن قماشة الغاز المتوفرة في مصر محدودة، ولا يمكن استخدامها في جهتين في نفس الوقت بنفس الكفاءة؛ إما التصدير أو الكهرباء المحلية؛ حيث تعمل وتزدهر إحداهما على حساب الأخرى.

 

ويضيف أن أزمة انقطاع الكهرباء لم تظهر فجأةً، كما يرى عامة الشعب، بل ظهرت بالتدريج منذ عام 2007م عندما كان انقطاع التيار الكهربائى يصل إلى 500 ساعة في السنة بمعدل ساعة ونصف يوميًّا، مؤكدًا أنها لم تكن واضحة للمواطن؛ لأن الانقطاع كانت تقسم مدته على العديد من المناطق بطريقة لا يبدو معها واضحًا.

 

ويستطرد: لكنها زادت إلى 700 ساعة في عام 2008م، واستمرت الزيادة حتى تعدت ساعات الانقطاع 800 ساعة في العام الحالي 2009/2010م، إلى جانب أن ارتفاع درجة الحرارة هذا العام جعل الأزمة تبدو وكأنها حديثة، إلا أنها ظهرت حقيقةً نظرًا لاتساعها وعدم إمكانية السيطرة عليها.

 

وعن سبب إعلان وزارة الكهرباء لتأثير توريد الغاز في ذلك الوقت المتأخر، يقول: "وزير الكهرباء أعلن عن تلك الأزمة منذ سنتين، إلا أن الكثير من الضغوط تمت ممارستها عليه من قبل أصحاب المصالح لإسكاته عن الحقيقة، لكن عندما تفاقمت الأزمة وهاجمته كل الفئات المتضررة لم يتحمل الصمت فاضطر إلى الاعتراف بوجود ذلك الخلل".

 

ويتوقع ألا يصل الوزيران إلى حل نهائي لاحتواء الأزمة كوقف تصدير الغاز للصهاينة، بل الاستمرار في التصدير حتى يتأقلم المجتمع مع الانقطاع، مستنكرًا اللجوء إلى زيادة نسبة المياه المنصرفة للسد العالي في سبيل زيادة طاقته؛ لأن العجز في الكهرباء يصل إلى 1600 مليار ميجاوات.

 

ويؤكد أن زيادة طاقة السد العالي لن توفر أكثر من 100 أو 200 مليار ميجاوات، فضلاً عن أن وقف الأزمة لن يتم سوى بإنهاء تصدير الغاز إلى الصهاينة وإرجاعه إلى أصحابه ومستحقيه.

 

التناقض الواضح

 الصورة غير متاحة

مصطفى محمد مصطفى

ويقول مصطفى محمد مصطفى "عضو الكتلة البرلمانية للاخوان المسلمين وعضو لجنة الصناعة والطاقة بمجلس الشعب" إن ما تدعيه وزارة الكهرباء من تأثير توريد الغاز في أداء المحطات الكهربائية يعد تضاربًا واضحًا في تصريحات وزارة الكهرباء؛ ما يشير إلى عجزها وفشلها عن إدارة قطاع الكهرباء في مصر.

 

ويلفت إلى أن تصريحات وزير الكهرباء في اجتماعات لجنة الصناعة والطاقة أكدت من قبل إنتاج مصر كميات كبيرة من الكهرباء تغطي حاجة كل السكان، إلى جانب تصريحه بوصول الكهرباء إلى كل قرى ونجوع مصر.

 

ويتابع: في بداية أزمة انقطاع الكهرباء الحالية صرح الوزير وروؤساء شركات الكهرباء بأنهم يقومون بقطع التيار لتخفيف الأحمال وتوفير الطاقة، والآن تخرج تصريحات جديدة تفيد بوجود عجز في كميات الغاز اللازمة لتشغيل المحطات.

 

ويوضح أن ذلك أيضًا جزء من التناقض الواضح؛ حيث قال الوزير من قبل إن محطات توليد الكهرباء في مصر تعمل بنظام (الدورة المركبة)؛ ما يعني أن تشغيلها الرئيسي عن طريق الغاز الطبيعي، وإن لم يتوافر استخدم المازوت بدون وجود أى تأثير في المحطة أو قوة توليدها.

 

ويعتبر أن ثبوت تلك الادِّعاءات يعدُّ كارثة؛ لأننا نقوم بتصدير الغاز للصهاينة في الوقت الذي تقف فيه محطات الكهرباء المصرية عن العمل، مؤكدًا أن تبادل الاتهامات بين الطرفين جزءٌ من التخبُّط الحكومي الذي يدفع بمصر إلى مزيد من التأخر ويوفر سبل الازدهار والتطور للكيان الصهيوني؛ نظرًا لوقوف الحكومة المصرية عاجزة أمام توفير الضرورات الأساسية للشعب، واصفًا الوزراء المصريين بالعمل بشكل منفصل.

 

ويرى النائب في إلقاء وزيري الكهرباء والبترول باللوم وتبعية الأزمة على الآخر رغبة كلا الطرفين في التنصل وإثبات خلوِّ وزارة كل منهما من الأخطاء، مشيرًا إلى أن أزمة الكهرباء باتت تلح وتؤكد ضررورة دخول مصر عصر الطاقة النووية التي نتحدث عنها من الستينيات، وأن حل تلك الأزمة سيأتي من خلال التوسع في إنشاء المحطات المنتجة للكهرباء وليس عن طريق زيادة نسبة الغاز الوارد إلى المحطات القديمة.

 

بدون تنسيق

 الصورة غير متاحة

د. عمار علي حسن

ويرجع الدكتور عمار علي حسن "رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط" تبادل الاتهامات بين وزارتي البترول والكهرباء حول ضلوع كل منهما في أزمة انقطاع الكهرباء إلى اختفاء تناغم وتكامل فريق العمل المفترض وجوده في البلاد الديمقراطية بين الوزراء، إلى جانب انتفاء دور رئيس الوزراء الذي تصب في جعبته نتائج الفريق ككل؛ ما أدى بصعود الأزمة إلى المستوى الرئاسي حتى تبدأ إجراءات حلها.

 

ويشير إلى أن كل وزير يتصرف في القطاع القائم عليه بدون أي تنسيق مع بقية الوزارات، قائلاً إن ذلك هو التصرف المعتاد في السياسات العامة داخل مصر، والذي ينتج لنا في النهاية قرارات متنافرة وتداخلاً شديدًا في الاختصاصات.

 

ويضرب مثالاً بقيام وزارة النقل برصف أحد الشوارع، تأتي بعدها هيئة الصرف الصحي، فتزيل الرصف الجديد بالكامل لتركيب أنابيب في ذلك الشارع، أو انعدام التنسيق بين وزارتي التعليم والثقافة، أو وزارتي البيئة والصناعة في عوامل الأمان المتعلقة بالمعدات وظروف العمل الصناعية.

 

ويؤكد أن ذلك الخلل والتضارب في نظام إدارة الدولة يصب في النهاية ضد مصلحة المواطن المصري،  فمثلاً عندما صدر قرار منذ فترة بزيادة المرتبات من دون الرجوع إلى وزير المالية آل الأمر إلى زيادة الضرائب على المواطنين؛ حتى تتمكن الوزارة من تغطية الزيادة المطلوبة، مشيرًا إلى أن ظهور أزمة نقص توريد الغاز وعلاقتها بالكهرباء جاء نتيجة تسييس قرار التصدير واتخاذه بدون عمل دراسات مسبقة أو حسابات لتأثيراته الاقتصادية أو مراعاة احتياجات البلاد وأحوال السوق المصري.

 

ويضيف: إلى جانب ذلك قرار تصدير الكهرباء إلى بعض الدول العربية في الوقت الذي تحتاج مصر إليها، ويجمل المشكلة في اتخاذ الحكومة لقرارات؛ بهدف الحفاظ على استمرار وجود النظام في السلطة، مؤكدًا أن ذلك النظام لا يستطيع اتخاذ قرار بوقف تصدير الغاز إلى الصهاينة.

 

وتأكيدًا لعدم اهتمام القرارت الحكومية بالدراسات المستقبلية يقول: الطقس في مصر تغيَّر منذ فترة طويلة، وأصبح طقسًا خليجيًّا خالصًا، وكان لا بد من مواكبة تلك التغيرات بدراسات وإصلاحات لم يقم أحد من المسئولين بوضعها في الحسبان.