في المقال السابق استعرضنا البدايات الصعبة؛ بسبب غياب الثقة بين أطراف التنسيق، وكيف تمَّ اقتحامها على أرضية العمل بديلاً للجدل، ونجحنا إلى حدٍّ كبير في وضع أساس يمكن البناء عليه، ومع ذلك كنَّا نشعر أن صعوبات جمة ما زالت تنتظرنا؛ حيث يحتدم الجدل أحيانًا في أوقات الراحة من العمل؛ لنكتشف حجم الهوة بين المفاهيم الثقافية والدينية التي-بطبيعة الحال- تؤثِّر في نظرة كل فريق للآخر؛ حيث لاحظنا أن البعض يتحدث عن بعض جوانب الإسلام بلغة المستشرقين، وكانت هذه النقطة تحديًا جديدًا!! هل نواصل قبول التحديات؟ أم يكون فراقًا بيننا؟! فقبلنا التحدِّي، وردَّدنا على تلك الأقوال كلما ترددت، وكنا واعين للمهمة السياسية التي نحن بصددها، وهي البحث عن أرضية مشتركة للعمل الوطني والقومي والبعد عن مواطن الخلاف مهما كان بريقها.

 

تلت القافلة الأولى عدة قوافل، ازدادت فيها مساحات النجاح وتوطدت العلاقات؛ بسبب استمرار الفعاليات السياسية بالتوازي مع قوافل الدعم المادي، فقد أقمنا عشرات الندوات والمؤتمرات السياسية التي تناولت الشئون الداخلية والقضية الفلسطينية، موزعةً على مقار أحزاب التجمع والناصري والوفد والأحرار ونقابات الأطباء والزراعيين، وكنَّا حريصين على التنسيق فيما بيننا على تمثيل ألوان الطيف السياسي في هذه الفعاليات؛ حيث تحدث كثير من رموز الإخوان في مؤتمرات الأحزاب، خاصةً التجمع، بينما تحدث كثير من رموز الأحزاب في مؤتمرات النقابات، وأتصوَّر أن هذه النقطة كانت مهمةً في مسيرة التنسيق من عدة وجوه:

 1- اكتشف كل طرف أن الطرف الآخر يملك رؤيةً وطنيةً تجاوزت منظور المصلحة الذاتي، وأن ثمة فرزًا رأسيًّا يمكن أن يجعل الوطنيين الصادقين في مختلف التيارات تتكاتف من أجل مصلحة الوطن المنكوب.

2- أتصور أن جمهور الإخوان قد استفاد أيضًا؛ حيث بدأ يستمع لرموز التيارات الأخرى التي تطالب بالديمقراطية، وتتبنى حقوق الشعب الفلسطيني، كما يتبناها الإخوان؛ ليكتشف أن هناك رجالاً وطنيين مخلصين ليسوا بالضرورة منتمين للجماعة.

3- اكتشف إخواننا في اليسار أن قيادات الإخوان تتحدث بخطاب سياسي بشري (يحتمل الصواب والخطأ)، ولا يدَّعي امتلاك الحقيقة، ولا يحتكرون النص الديني ولا يختبئون خلفه.

 

مرَّت أربع سنوات من عمر اللجنة الشعبية لدعم الشعب الفلسطيني، وتأمل الجميع كمية الدعم التي تقدمه محافظة دمياط (وهي صغيرة المساحة)؛ مقارنةً بما يقدم من دعم متواضع على مستوى الجمهورية من محافظات أكبر حجمًا فعرفنا السر؛ ولذا وجدنا واجبًا علينا نشر التجربة في محافظات أخرى، وهنا تبلورت فكرة عقد مؤتمر عام لكل اللجان الشعبية المصرية التي تقوم بدور ما في دعم الشعب الفلسطيني، سواء كان دعمًا سياسيًّا أو ماديًّا أو حتى مقاطعة، وقد عُقد المؤتمر لمدة يومين بأوراق عمل محددة في فبراير 2004م بمدينة رأس البر، وقد حضرت قيادات من مختلف التيارات منها- مع حفظ الألقاب-: أحمد بهاء شعبان- محمد عبد السلام- عطية الصرفي- كريمة الحفناوي- عبد العزيز الحسيني- أشرف بيومي- عرب لطفي- سيد البحراوي- محسنة توفيق (يسار)- أبو العلا ماضي (وسط)- عيد صالح وفايق سعد (ناصري)- محمد درة (أحرار)، بينما مثَّل الإخوان عبد المنعم أبو الفتوح- سعد الحسيني- علي عبد الفتاح.

 

وكانت لجنة الإعداد قد كلَّفتني بعرض ورقة عن تجربة دمياط التي عرضنا فيها المصاعب التي لاقيناها في البداية؛ بسبب هواجس سوء الفهم بل وانعدام الثقة، لكن مع مسيرة العمل المشترك اكتشفنا جميعًا أن ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرِّقنا، وأن ثمة تناقضًا ثانويًّا بين فرقاء التنسيق لكنّ التناقض الرئيسي مع العدو الصهيوني، ثم تحدثنا عن التكامل بين الميزات النسبية لكل فريق، فإذا كان الإخوان يتميزون بالانتشار في المجتمع، وبالتالي القدرة العالية على جمع أكبر كمية من المواد الغذائية؛ فالأحزاب تميزت بوجود رسمي مقبول لدى الأجهزة الرسمية للدولة، وبالتالي ساعدت بشكل قوي في التغلب على إشكاليات وصول هذا الدعم عبر الجهات الحكومية، خصوصًا أن منسق اللجنة الأستاذ أنيس البياع (نائب رئيس حزب التجمع): "كنا نأمل من خلال هذا المؤتمر تحقيق هدفين رئيسيين:

1- نقل التجربة التي نزعم أنها ناجحة إلى باقي المحافظات لزيادة دعم القضية الفلسطينية.

2- تنسيق جهود اللجان على مستوى الجمهورية لزيادة الزخم السياسي والإغاثي، لكنني أعتقد أن الهدف الأخير صادف عقبات كثيرة، وربما أظهر بعض أعراض لم يمكن أن نسميه أمراض النخبة المصرية حول من يقود؟ ولماذا هذا؟ وأين أنا؟.. إلخ.

 

وقبل أن يتبخَّر الأمل تمامًا تقدَّم عضو اللجنة الشعبية بدمياط الأستاذ محمد التاورجي (يسار) مع الدكتور أحمد شوقي (إخوان) بمبادرة لكيان جامع أسمياه ملتقى اللجان الشعبية لدعم الشعب الفلسطيني، ومقره بالقاهرة، ودَعَيَا إليه كل اللجان العاملة، ولكن كان التجاوب معه أدنى بكثير من المطلوب، وما زالت اجتماعاته وفعالياته موجودة إلى الآن!!.

 

نريد أن نلفت النظر أنه بالرغم من شغلنا بقضية فلسطين فقد شغلتنا القضايا السياسية المصرية: حالة الطوارئ، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، وتزوير الانتخابات، وعقدنا لها مناقشات وندوات ومؤتمرات تحت مسمى "لجنة التنسيق بين الأحزاب والقوى السياسية".

 

وكنَّا نؤكد على أن العرب في الجاهلية استطاعوا أن يُكَوِّنوا "حلف الفضول" للوقوف يدًا واحدة ضد الظالمين ودفاعًا عن المظلومين، وأن المعارضة المصرية ما زالت في موقف دون مستوى هذا الحلف؛ حيث لا يتحرك فصيل ضد النظام ولا حتى ببيان شجب ما دام البطش والاعتقال يقع على غيره، ونسوا مقولة: "أُكِلْتُ يوم أُكل الثور الأبيض"، ووصلنا إلى قناعة مؤداها أن قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان لا تتجزأ، ويجب أن ندافع عن أي مظلوم.

 

في تلك الأثناء وعلى مدى تلك السنوات حدث تواصل إنساني قوي بيننا قرَّب المسافات، وأزال الجفوة، وحلَّ الحب والتفاهم بيننا.

 

في مايو 2005م قام الإخوان بمظاهرات الإصلاح، وتم اعتقال 32 من الإخوان بدمياط، وكنت واحدًا منهم مع فكري الأدهم "زميلي في فريق التنسيق الإخواني"، وقد أثلج صدورنا وأسعدنا أن وجدنا في جلسات تجديد الحبس محامين يمثلون أحزاب (الوفد) و(التجمع) و(الناصري) و(كفاية) جاءوا يدافعون عنَّا جنبًا إلى جنب مع محامين الإخوان، وخرجنا بعد حوالي 40 يومًا من سجن المنصورة العمومي؛ لنعرف أن لجنة التنسيق قد أقامت مؤتمرين حاشدين بمقري حزبي (التجمع) و(الناصري) طالبت فيهما بإطلاق سراح جميع المعتقلين، وقد تصادف يوم خروجي من السجن مع موعد المؤتمر الأخير بالحزب الناصري، ولاحظت حشودًا أمنية تحاصر مقر الحزب والشوارع المؤدية إليه في صورة غير مسبوقة في مؤتمرات الأحزاب بدمياط؛ ما أعطى انطباعًا قويًّا أن الأمن لم يكن راضيًا عن هذا المؤتمر النادر الذي يقف فيه قيادات الأحزاب بالمحافظة مع زملائهم المعتقلين من الإخوان، بالرغم من الكلفة الأمنية العالية، وكان أمين الحزب الناصري يومها الراحل الفاضل دكتور فايق سعد وهو مسيحي دافع عن زملائه من الإخوان!! والسؤال هو؛ ماذا يكون حال مصر لو سادت فيها هذه الروح، ووقفت كل القوى السياسية صفًّا واحدًا ضد الظلم والاستبداد؟