د. حسن يوسف الشريف

تثبت الكثير من الحقائق والدراسات أن مجلس الأمن والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية تعمل لمصلحة الدول الغنية ولا تعمل لمصلحة الدول الفقيرة، وإن كانت تظهر أنها تعمل لصالح الدول الفقيرة فهذا كذب؛ لأن الإحصائيات أثبتت أن الأسلوب الذي يفرضونه لتنمية الدول الفقيرة قد زادها فقرًا (أستاذة الاقتصاد الأمريكية سوزان جورج في كتابها (إلى متى؟!) وروجيه جارودي (كيف نصنع المستقبل؟) وغيرهما كثير)، فهم لا يعملون في المؤسسات بالديمقراطية ولا بالشفافية، بالإضافة إلى امتلاك الدول الكبرى حقَّ النقض (الفيتو) لأي قرار دولي وإن أجمع عليه العالم، فمن حق أية دولة من الدول الخمس الكبرى أن تستخدم (الفيتو) فتقتل بهذا قرارًا أجمع عليه العالم، فأين الديمقراطية التي يدَّعيها الغرب؟!
والأغرب والأعجب أن هناك قراراتٍ صدرت من مجلس الأمن دون استخدام (الفيتو) ضدها منذ سنوات طويلة، وتأكدت بصدور قرارات بعدها من مجلس الأمن ودون استخدام (الفيتو) ضدها، فلماذا لم تنفَّذ؟! مثل قرار مجلس الأمن 242 لعام 1967م، والذي تأكد بالقرار 338 عام 1973م، وكلاهما يقضي بخروج الجيش الصهيوني من الأراضي التي احتلتها عام 1967م، ومنها مدينة القدس الشرقية، فلماذا لم تنفذ هذه القرارات حتى الآن، فأين الديمقراطية؟ وأين دول العالم الكبرى والأمم المتحدة في الضغط على الكيان الصهيوني لتنفيذ القرارات الدولية؟!
وعلى العقلاء من الباحثين والمفكرين في العالم أن يُعملوا عقولهم- وبصدق- لإنقاذ الديمقراطية وإنقاذ مجلس الأمن والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والجات من السيطرة الظالمة؛ حتى يمكن إنقاذ العالم من الانهيار، فإن العدالة قد ماتت في هذه المؤسسات، بل إن الأمم المتحدة ومجلس الأمن متهمان بالتحيُّز.
ويذهب الكاتب الفرنسي "فرانسوا تريننجيه" في كتابه (الأمم المتحدة أكذوبة) إلى القول بأن "مجلس الأمن هو حكومة عالمية تدير العالم لحساب الأعضاء الخمسة الدائمين"، ويذهب إلى القول "بأن منظمة الأمم المتحدة ليست إلا صرحًا يتباهى بارتفاع طوابقه إلى 38، لكنها في أرض الواقع لا فائدة منها، بل إن ضررها أكثر من نفعها" (الأهرام المصرية 10/5/2002 صـ 35، كتاب جديد د. سعيد اللاوندي).
كما أننا نشك في عدالة الدول الغربية؛ لأن تصويتها عام 1947م بالأمم المتحدة بإعطاء اليهود المهاجرين إلى فلسطين من جحيم النازية حقَّ إقامة دولة على أرض عربية عمل مخالف لكل الأعراف والمواثيق والضمير، فهل هذه هي ديمقراطية وعدالة الدول الغربية؟!، ولماذا رفضوا عرض قرار التقسيم على محكمة العدل الدولية عام 1947؟!
إن العدالة توجب على الدول الغربية الاستعمارية، مثل فرنسا وبريطانيا، أن تدفع تعويضًا عن التخريب والدمار الذي خلَّفته والاستيلاء على موارد الدول التي احتلتها في الماضي، وأن تعتذر لشعوب هذه الدول عن احتلالها لها عشرات السنين.
ويرى المفكرون- ومنهم المفكر الفرنسي "روجيه جارودي"- أن على الدول الفقيرة ألا تسدِّد ديونها للبنك الدولي؛ لأن الدول الكبرى قد أقامت اقتصادياتها القوية على ما نهبته أيام الاحتلال لهذه الدول الفقيرة، فهل يمكن إنقاذ العالم قبل الوصول إلى الهاوية؟!
يجب على العقلاء أن يشاركوا في الإدلاء بآرائهم؛ لإنقاذ العالم من ظلم أمريكا وأوروبا وتحكمهم في إدارة مجلس الأمن والأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، فهي مؤسسات تعمل لصالح الغرب والدول الكبرى، بينما تخنق دول العالم الثالث سياسيًّا واقتصاديًّا.
فهل الانسحاب من الأمم المتحدة وسيلةٌ للوقوف أمام ظلم الدول الكبرى وامتلاكها للفيتو وسيطرتها على هذه المؤسسات وإدارتها بطريقة تعمل لصالح الكبار الأغنياء؟!
هل قطع العلاقات بكل أنواعها مع الدول الكبرى والتي سبق لها احتلال دول أخرى مثل أمريكا وما فعلته في العراق وأفغانستان وفرنسا وبريطانيا وما فعلته من احتلال دول آسيوية وإفريقية؛ هل هذه وسيلة لإنقاذ العدالة والديمقراطية في العالم؟!
هل تتفق قارة أمريكا الجنوبية-(وهي مضطهدة من أمريكا وأوروبا- مع قارة آسيا وإفريقيا وتقام لهم مؤسسات دولية خاصة بهم، ومن يريد من الدول الأوروبية الانضمام لها فله ذلك.
إنه لا بد أن نفعل شيئًا لنكفِّر عن ذنوبنا من الصمت أمام هذه المظالم التي تعصف بشعوب وحكومات الدول الفقيرة.
إن الحكومات الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وبسيطرتها على المؤسسات الدولية؛ إنما تقود العالم نحو الهاوية، لا بسبب ما يملكون من أسلحة نووية ولكن بسبب إفلاسهم في عالم القيم الأخلاقية؛ "لأنه من وجهة النظر الاقتصادية طبقًا لتقرير برنامج الأمم المتحدة عام 1992م فإن 80% من مصادر العالم يسيطر عليها ويستهلكها 20% من سكان العالم.. هذا النمو الاقتصادي للعالم الغربي يكلِّف العالم- بسبب سوء التغذية والمجاعة- ما يعادل ضحايا هيروشيما كل يومين" (كيف نصنع المستقبل؟ روجيه جارودي دار الشروق، ص 2001).
فهل يتحرك العقلاء لإنقاذ العالم؟
وها هي عالمة الاقتصاد البريطانية "نورينا هيرتس" تطالب المخلصين العاقلين في العالم بضرورة التحرك قبل الضياع فتقول: "إننا نقف اليوم في مفترق طرق حرج، فإن لم نعمل شيئًا وإذا لم نتحدَّ السيطرة الصامتة وإذا لم نعترف بذنوبنا في خلق نظام العالم الجديد هذا؛ فإن كل شيء سيذهب هباءً (السيطرة الصامتة- نورينا هيرتيس).
هل يتحرك العقلاء لإنقاذ العالم؟
إن عالم الفكر المعاصر يعاني من "فقر الفكر"؛ لأنه عالم يعمل لصالح الأثرياء على حساب الفقراء ولحساب ثقافة واحدة وحضارة واحدة، واحتقار الثقافات الأخرى والحضارات الأخرى.
ونحن في عصر (العولمة المتوحشة) فلا بد للعقلاء أن يتقدموا لمقاومة توحُّشها وضراوتها؛ لإنقاذ الفقراء والمعدمين والمهمَّشين والمضطهدين؛ ولكي ننجح في المقاومة فنحن في حاجة إلى تجديد الحياة في عالم اليوم، وذلك بزراعة "شجرة الأمل" وريِّها بماء "الروح المعنوية" وتغذيتها بعناصر "روح التحدي" واكتشاف أمراضها بعقار "محاسبة النفس" وعلاجها بعقار "بذل الجهد"؛ من أجل التقدم في طريق تحرير الإنسان من ظلم نفسه وظلم غيره، ومن أجل أن نرد للإنسان كرامته وإنسانيته.
فهل يتحرك العقلاء لإنقاذ العالم؟!
أيها المفكرون العرب، تحاوروا وتفاهموا واتحدوا، يرحمكم الله.. آمين.