الناظر لواقع الأمة المسلمة اليوم وما هي عليه من مذلةٍ ومهانة.. سلب للأوطان، وامتهان للكرامة، وتدنيس المقدسات في فلسطين.. كل هذا يحدث بالرغم من كثرة عدد المسلمين (أكثر من مليار ونصف المليار)، وبالرغم مما تتمتع به بلاد المسلمين وما حباها الله به من ثروات بشرية وطبيعية؛ مما يؤهلها لأن تكون خير أمة، خاصةً وقبل كل شيء ما تمتلكه من منهجٍ رباني شامل لو أخذت به لجعلها خير أمة، في كل مجال من مجالات الحياة.

 

وإن المرء يتألم لهذا الواقع المرير الذي تعيشه الأمة وأشد ما أجده من ألمٍ حينما نرى البعض بل الكثير من المسلمين وهو يحلل هذا الواقع، فنجد رؤيته لا تختلف من قريبٍ ولا من بعيدٍ عن رؤية الأعداء، وذلك يرجع لاختلاف المرجعيات فهؤلاء لا يعرفون عن قرآنهم شيئًا، فضلاً عن أنهم لم يتربوا على قيمه ومبادئه.

 

وإني أقف أمام رد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وغضبه الشديد حينما رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في صحيفةٍ من التوراة، وقال له: "لو كان موسى حيًّا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني" (رواه أبو يعلى عن حماد عن الشعبي عن جابر).

 

وهذا يدلنا على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على وحدة مصدر التلقي لهذا الجيل الأول من الصحابة الذي سيقام على أكتافهم بناء الأمة، أن يكون القرآن الكريم هو مصدر فكرهم، وتصوراتهم، وقيمهم، ومبادئهم، وإيمانهم وعقيدتهم حتى لا تتشوه بمصادر أخرى أرضية أو محرفة، وهذا سر غضب النبي صلى الله عليه وسلم.

 

 الصورة غير متاحة

 د. مصطفى شلبي

وما أحوجنا اليوم لهذا المنهج أن يتربى الجيل الذي يريد أن يعيد للأمة عزتها وكرامتها على القرآن الكريم وقيمه ومبادئه، وفي شهر القرآن نعيش مع آياتٍ من الجزء الثاني من القرآن نتأملها ونتدبر معانيها وما فيها من مبادئ وقيم.

 

 

نقف مع نموذجٍ من هذه المبادئ والقيم في سورة البقرة: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ (252)﴾ (البقرة).

 

إنها قصة طالوت عليه السلام، وقد وقعت أحداثها بعد دخول بني إسرائيل الأرض المقدسة، بعد أن انحرفوا عن منهج الله فسلَّط الله عليهم مَن يضطهدهم ويهزمهم ويذلهم بسبب ذنوبهم ومعاصيهم وانحرافهم عن منهج الله عز وجل.

 

وبعد أن بلغ بهم الذل مداه من تهجيرٍ من الأوطان وسلبٍ للأموال وتدنيس للمقدسات، ثارت ثورتهم فذهبوا لنبيهم الذين كانوا من قبل قد تخلوا عنه وعن دعوته ولم يأبهوا لما يقول وما ينصح وما يرشدهم إليه، بل إنهم كانوا يسخرون منه، ولكن تحت وطأةِ الظلم والقهر والمذلة وفقد الأموال والأبناء وسيطرة الفساد والمفسدين، وتجارب الحياة والأخذ بوسائل عديدة لاستعادة العزة والكرامة، وفشل كل هذه الوسائل جميعها.

 

حينئذٍ أدركوا أنه لا حل، ولا طريق لاستعادة هذه العزة والكرامة إلا طريق واحد، هو الجهاد في سبيل الله فذهبوا لنبيهم، منتفضين انتفاضة عقائدية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.

 

إذا هم أقروا أن الحل في الجهاد، ولكن ليس أي جهاد ولكنه الجهاد في سبيل الله؛ لأنه حينما يكون الجهاد في سبيل الله، فالكل سيعمل من أجل رضا الله وحده، فالقائد يحرص على رضا الله وحده لا من أجل شخصه ولا أهله ولا الحفاظ على كرسيه، والجندي سيعمل لينال رضا الله لا رضا القائد أو الحاكم، وكل فرد في المجتمع سيعمل لنفس الغاية فتخفت كل رغبة شخصية أمام الرغبة العظيمة للجميع وهي تحقيق مرضاة الله والفوز بجنته، ويهتف الجميع، حياتي كلها لله، الله غايتنا.

 

ثم يدرك هؤلاء الملأ بعد أن جربوا حياة الفوضى والتفكك والتشرذم التي ما زادتهم إلا مهانةً ومذلةً فأدركوا أن الخلاص والنجاح في النظام والتنظيم تحت قيادة ربانية ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ قائدًا ننضوي تحت إمرته وقيادته، يقودنا ويسوسنا نحو استعادة العزة والكرامة، ولكن هذا النبي الذي خبر طبيعة قومه، وهذا الملأ من خلال ممارسات سابقة ودعوتهم للقتال في سبيل الله وإعراضهم عنه، واستمرائهم لحياة المذلة والمهانة وإيذائهم له ولأتباعه، يعلم ويدرك أن الأمر ليس بهذه البساطة فيقول لهم ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا﴾.. هنا يردون بلسان واحد ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ فيعددون الأسباب التي دفعتهم بل أرغمتهم على هذا الطلب:

 

أولاً: الإخراج من الديار واستيلاء الأعداء من العمالقة عليها.

 

ثانيًا: سبي الأبناء.

ثالثًا: الاستيلاء على مقدساتهم وتدنيسها إمعانًا في إذلالهم "التابوت واستيلاء العمالقة عليه"، وما أشبه الليلة بالبارحة حينما يمعن اليهود في إذلال المسلمين بتدنيس المسجد الأقصى وإجراءاتهم المستمرة لتهويد القدس وتغيير معالمها وما يحدث للمسلمين في كشمير وأفغانستان والعراق، وما تقوم به الصليبية العالمية من جهودٍ تنصيرية لأبناء المسلمين  وما يحدث للشعوب المسلمة من اعتداء على حرياتها وسلب إرادتها وتزييفها.

 

ومع كل هذه الأسباب الموجعة والمؤلمة والدافعة للإنسان أن يضحي بأعزِّ ما يملك من أجل استعادتها مع كل هذا ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.

 

 وهنا لا بد من وقفةٍ مع قول الله عز وجل ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ فالذي يتقاعس عن نصرة الحق ودفع الظلم باللسان واليد والقلم، والمال والنفس سماه الله عز وجل بالظالم، ظالم لنفسه- لأبنائه- لوطنه وأمته، ولمقدساته وعقيدته وللأجيال التي تأتي من بعده.

 

وهنا قال لهم النبي مستجيبًا لطلبهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾، وها هو يقول لهم إن الله الذي تريدون أن تقاتلوا في سبيله ﴿نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ﴾ هو الذي بعث لكم طالوت ولستُ أنا مع أنني النبي، وهذه كانت كفيلة بأن يقولوا قول المؤمنين ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (البقرة: من الآية 285)، ولكنها طبيعة التمرد والعصيان عند بني إسرائيل وليس بمستغرب عليهم وهم الذين اتخذوا العجل إلهًا يعبدوه من دون الله بعد أن أراهم الله معجزة انفلاق البحر الأحمر وتحويله إلى يابسة يعبرون وينجيهم الله من الغرق ومن القتل على يد فرعون، ثم غرق هذا الطاغوت أمام أعينهم وفي نفس البحر، والمكان الذي نجوا منه.

 

ولطبيعتهم هذه قالوا لنبيهم معترضين ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ﴾.. وهكذا تكون موازين من لم يتربوا على يد النبي على منهج الله عز وجل.. هكذا تكون نظرتهم للقيادة التي يجب أن تقودهم، كم يملك من المال والجاه والنسب والحسب، والمأكل والملبس والمشرب.

 

ولكن النبي عليه السلام يصحح لهم ولنا التصور والرؤية للقيادة التي يجب أن تقودنا، ونسمع لها ونطيع حتى نستعيد عزتنا وكرامتنا ومجدنا ومقدساتنا ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾.

 

أولاً: إن الله اصطفاه فهو يتصف بصفات أولها أنه عبد الله، أطاع الله وأحب الله فأحبه الله واصطفاه واختاره.

 

ووالله لن تتحقق لنا عزة ولا كرامة ولا استعادة لأرض ولا مجد ولا مقدسات إلا تحت إمرة قيادة تحققت فيها العبودية الحقة لله، يعرف الحلال والحرام- يتقي الله عز وجل في نفسه وأهله وولده ووطنه- يعلم ويوقن أنه سيلقى الله فيحاسبه على هذه الأمانة التي استرعاه الله إياها.

 

ثانيًا: وزاده بسطة في العلم، قيادة عندها من العلم، العلم بكتاب الله وسنة رسول الله والحلال والحرام- العلم بشئون الحياة، العلم بطبائع البشر، العلم بفنون الإدارة وكيف يستطيع توظيف القدرات والإمكانات لدى أفراد شعبة التوظيف الصحيح الذي يصبُّ في مصلحة كسب معركة استعادة العزة والكرامة.

 

العلم الذي يجعله يقر مبدأ الثواب والعقاب ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88)﴾ (الكهف).

 

فالعذاب والعقاب للمرتشين المفسدين- الظالمين- المختلسين- العابثين بمقدَّرات الأمة- الكارهين لما أنزل الله، والقول الحسن والجزاء الحسن لمن آمن بالله وعمل العمل الصالح الذي يصلح الوطن والمواطن، ويحقق للأمة عزتها وكرامتها ونهضتها.

 

ما أحوجنا لهذه المبادئ التي على أساسها يتم اختيار أي مسئول في أي موقع، وخاصةً ونحن على أبواب انتخابات تشريعية ورئاسية.

 

ثالثًا: وزاده بسطةً في العلم والجسم.

 

قوي الجسم، صحيح البدن، وهذا نداء الله لقادة الأمة وشبابها ورجالها ونسائها، إن من مقومات القيادة والنجاح أن تحققوا هذه الصفة في أنفسكم "قوي الجسم"؛ ولذلك جعلها الإمام الشهيد حسن البنا- الرجل القرآني- إحدى الصفات العشر للفرد المسلم الذي نبغيه "قوي الجسم- صحيح البدن".

 

أين هذا من أمةٍ قد تفشَّى فيها المرض فامتلأت معاهد الأورام والكبد بالمواطنين ضحايا الفساد المستشري في (المأكل والمشرب والمبيدات المسرطنة- وإهمال في خدمات البنية التحتية من صرف صحي- وشبكة مياه ري وشرب)؟

 

أين هذا من شباب قد ترهلت أجسادهم بعد أن ترهلت عقولهم، فالنجاة النجاة يا أمة القرآن، بالقرآن وهدي القرآن ﴿ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)﴾ (البقرة: من الآية 247)

 

ثم يسوق لهم نبيهم عليه السلام دليلاً على صحة قوله وبعثة طالوت لهم من الله أنهم سيجدون التابوت المقدس يدخل عليهم تحمله الملائكة دون جهد منهم وهم الذين بذلوا قبل ذلك كل الجهد ولم يستطيعوا استرداده ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)﴾ (البقرة).

 

ولكن القائد الرباني يدرك أن الجيش الذي يقوده لا بد أن يكون جيش عباد لا جيش أجساد، يدرك أنه لن ينصره الله بكثرة عدد ولا عدة، ولكن كما قال عمر رضي الله عنه: "إنكم تنصرون على عدوكم بطاعتكم لربكم وعصيانهم له فإن تساويتم في المعصية هزموكم".

 

إذًا فلا بد من تربية الجيش على طاعة الله، فسار بهم في الصحراء حتى إذا بلغ بهم الجهد مداه والعطش منتهاه قال لهم قولاً واضحًا لا لبس فيه ولا غموض ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾.. ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾، فالممتحن والمختبر لعزيمتكم وإرادتكم ومدى صبركم هو الله، فماذا أنتم فاعلون والابتلاء بشيء حلال هو شرب الماء عند الظمأ الشديد؟ ولكنها التربية الإلهية القرآنية الجهادية، لكنها المواصفات التي يجب أن يتربى عليها مَن يريد أن يقاتل في سبيل الله، فمن يصبر على الظمأ الشديد مع وجود الماء، سيصبر عند لقاء الأعداء.

 

إن التغيير والإصلاح في حاجةٍ إلى صبر وعزيمة وتضحية.. تضحية بالجهد والمال والوقت والفكر..

 

- يحتاج التغيير إلى أن نطلق الخوف ونطرده من داخلنا ونزرع مكانه الخوف من الله.

 

- يحتاج التغيير والإصلاح إلى أن نتخلى عن رغباتنا الشخصية والفردية وتعلو مصلحة الأمة والوطن فوق كل المصالح.

 

- يحتاج التغيير أن يبدأ كل منا بنفسه فيعالج ما فيها من خلل فكري وخلقي وسلوكي ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).

 

- يحتاج التغيير والإصلاح منا أن نتصالح مع خالقنا ومع أنفسنا، وأن نوحد الصفوف والجهود ونحشد الطاقات.

 

فكيف لأمةٍ أن تنتصر وهي لا تقوى على مقاطعة مشروب البيبسي والكوكاكولا أو لا تقوى على مقاطعة منتجات الأعداء من اليهود والأمريكان وهي لا تتعدى سلعًا تكميليةً استهلاكيةً ولها بدائل وطنية؟!.

 

- فلماذا لا نرفع لواء المقاطعة لمنتجات الأعداء من المنطلق الجهاد الرباني ولنصبر حتى لو أصابنا الجوع والعطش، ولنسعى حتى يكون مأكلنا ومشربنا وطنيًّا مائة بالمائة؟! ورحم الله شيخنا الشيخ الشعراوي حين قال "من لم يكن طعامه من فأسه فقراره ليس من رأسه".

 

- لماذا لا نستفيد من هذا النهج القرآني في تربية أبنائنا وبناتنا، وطلابنا في الجامعات والمدارس؟! كما قال نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم-: "اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم".

 

- ثم كانت نتيجة الاختبار الرباني للجموع المنتفضة الراغبة للقتال في سبيل الله ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاَ مِنْهُمْ﴾، ثم يقول الله عز وجل ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ﴾ أي أن من أطاعه فلم يشرب فهو من المؤمنين.

 

* مَن قاطع منتجات الأعداء وصبر على مقاطعتها فهو من المؤمنين.

 

* مَن قاطع التوكيلات لشركات الأعداء فهو من المؤمنين.

 

* مَن جهَّز نفسه بتربية جهادية شاقَّة فامتنع عن بعض الحلال، فهو من المؤمنين.

 

* مَن ربَّى أبناءه وطلابه تربيةً جهاديةً بنية أن يكونوا من جنود جيش النصرة واستعادة العزة والكرامة فهو من المؤمنين.

 

* والأمل والخير في هذه الأمة فقد رأينا وسمعنا من وضع قدميه على هذا الطريق، في تربية نفسه وأهله وولده وطلابه.

 

* رأينا أصحاب محلات بيع بالجملة يبدءون المقاطعة ويحثون زبائنهم بعدم شراء منتجات الأعداء قتلة الأطفال وهادمي المساجد على رءوس العباد والمصلين.

 

- ولكن مع كل هذه الابتلاءات والاختبارات بقي في الجيش من لديه بقية من تصورات الماديين والبعيدين عن قيم الإيمان والقرآن: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾.

 

بالله صدقت يا ربنا إننا نرى ونسمع ما أخبرتنا به في هذه الآية، نسمعه اليوم من أمثال هؤلاء لا طاقةَ لنا بإسرائيل وأمريكا، لا طاقةَ لنا بعددهم وعدتهم، هذا قول المتخاذلين، المتواطئين، المخذلين اليوم عبر شاشات التلفاز، ونقرأه بالمجلات والصحف.

 

ولكن للمؤمنين قولهم وكلمتهم النابعة من تصوراتهم القرآنية والإيمانية، النابعة من عقيدتهم الإسلامية ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.

 

إننا نسمع هؤلاء اليوم أيضًا عبر شاشات التلفاز يطلون علينا من أرض الرباط فلسطين وهم على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم.

 

هؤلاء الذين يظنون- والظن هنا بمعنى الاعتقاد أي يعتقدون ويوقنون- أنهم ملاقو ربهم، فإن كانت هذه حقيقة يوقنون بها، فليكن لقاء الله في سبيل الله، فليكن لقاء الله دون تنازل عن حق، أو دون تخلٍ عن الحقوق والثوابت.

 

ولكنهم مع بذلهم الجهد في الأخذ بالأسباب وتربية أنفسهم يدركون أنه لا نصرَ دون صبر ودون محبة الله وتأييده ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، ثم تكون البشرى للمؤمنين ويكون الأمل للمجاهدين الصابرين ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)﴾ (البقرة).

 

لقد حقق الله على يد هذه الفئة المؤمنة التي كما تقول بعض التفاسير إن عددهم بضعة عشرة وثلاثمائة، وهو نفس عدد مَن قاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر، لقد حقق الله على يد هذه الفئة القليلة عزةً وملكًا وكرامةً ومجدًا لبني إسرائيل لم يتحقق لهم في حياة موسى وهارون عليهما السلام، وهو ملك داود ومن بعده سليمان بفضل جهاد وصبر هذه الفئة القليلة المؤمنة الذين كان شعارهم وهتافهم حين المواجهة هو شعار المجاهدين المرابطين في غزة ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾، وهذا أملنا في هذه الفئة المجاهدة المرابطة في فلسطين أن يحرر الله على أيديهم الأمة، وأن يجري الله على أيديهم الخير الكثير لهذه الأمة.

 

ثم الخاتمة ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ (252)﴾، هذه آيات الله الحق.

 

هذا هو الطريق الصحيح لإحداث وتحقيق الإصلاح والتغيير رسمها الله في هذه الآيات لمَن أراد خالصًا مخلصًا أن يحرر الوطن ويذود عن العرض والأرض فهلا أخذنا بها؟.

 

فاللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا وشفاء صدورنا واجعلنا يا ربنا ممن يحلون حلاله ويحرمون حرامه، واجمع كلمة المسلمين على القرآن ووحَّد كلمة حكام المسلمين على القرآن.

 

اللهم آمين.. آمين.. أمين.