شنُّ الحملات الإعلامية بهدف تشويه صورة الدعاة والمصلحين والتشهير بهم بتلفيق التهم والأكاذيب.. أمر ليس بالجديد على الدعوة الإسلامية، فقد سبق وأن مارسه أعداؤها في كل العصور والأزمان.

 

تلك الحملات الإعلامية المنظَّمة قد استهدفت في السابق جُلَّ المصلحين وأصحاب الدعوات والكثير من الأنبياء والرسل، على رأسهم سيد الدعاة وإمام المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقد مارست قريش ضده حملات من التشهير الإعلامي، ترافقت مع القمع والتعذيب والتنكيل، فرُمي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته بتهم هازلة وشتائم سفيهة، وتألَّفت جماعة للاستهزاء بالإسلام ورجاله، على نحو ما تفعل الصحافة المعارضة عندما تنشر عن الخصوم نكتًا لاذعة وصورًا مضحكة للحط من مكانتهم لدى الجماهير"(1).

 

إلاَّ أن هذه الحملات التحريضية ضد الدعوة وصاحبها، كانت في أغلب الأحيان تأتي بنتائج عكسية، تخدم الدعوة أكثر ما تضر بها، فمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثابتون على موقفهم، بل يزدادون يومًا تلو الآخر رغم التضييق والتعذيب والتنكيل الذي يلحقه سادة قريش بأتباع الدعوة الجديدة، أكثر من هذا أن خبر محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه يشيع وينتشر بين قبائل العرب؛ فقد "كانت الوسيلة الإعلامية في ذلك العصر هو تناقل الناس للأخبار مشافهة، وسمع القاصي والداني بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وصار هذا الحديث العظيم حديث الناس في المجالس ونوادي القبائل وفي بيوت الناس"(2).

 

تشويه الصورة الذهنية

أخذت قريش منحًى جديدًا في حربها الإعلامية ضد النبي صلى الله عليه وسلم، فيحكي لنا رواة السير أن قريشًا عقدت اجتماعًا على أعلى مستوى، وذلك لتدشين حملة إعلامية جديدة تستهدف تشويه صورة محمد وأتباعه لدى قبائل العرب، أو ما يمكن أن نطلق عليه بالمصطلح الحديث تشويه الصورة الذهنية لمحمد وصحبه لدى الآخرين، واختارت لهذه الحملة التشهيرية توقيتًا يعدُّ هو وقت الذروة الإعلامية في ذلك العصر وهو موسم الحج؛ حيث تأتي كل قبائل العرب إلى مكة المكرمة، إمَّا للحج أو للتجارة أو لكليهما معا.

 

"انعقد الاجتماع برئاسة الوليد بن المغيرة وكان ذا سن فيهم ورأي، وقد حضر موسم الحج فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر الموسم وإن وفود العرب ستقدم عليكم، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا فيكذِّب بعضكم بعضًا ويرد قولكم بعضه بعضًا"(3).

 

وبعد نقاش وسجال استقر بهم الرأي على رسالة إعلامية واحدة بشأن محمد صلى الله عليه وسلم؛ لنشرها بين العرب، تمثَّلت في زعمهم أنه "ساحر يفرِّق به بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجته وبين المرء وعشيرته"(4).

 

انفض الاجتماع وانطلقت الآلة الإعلامية لقريش بأبواقها تجوب بطون مكة، تخترق المجالس والأندية، تستقبل الوفود الزائرة، لا تحمل سوى رسالة إعلامية موحدة، مفادها أن محمدًا ساحر، وأصحابه ما هم إلاَّ مجموعة من المسحورين المفتونين!!

 

عناصر الحملة الإعلامية باتت مكتملة:

- الرسالة الإعلامية: واضحة، محددة، مكثَّفة، مركَّزة عليها إجماع قرشي.

- المستهدفون: عموم أهل مكة، وجميع قبائل العرب، ممثلة في وفودها للحج أو للتجارة.

- التوقيت: توقيت الذروة الإعلامية؛ حيث تحل وفود العرب ضيوفًا على بيت الله الحرام.

 

نتائج عكسية

إذًا.. عوامل نجاح حملة تشويه الصورة الذهنية لمحمد وأصحابه.. باتت جميعها مكتملة لكن.. لأن أي عصر لا يخلو من ذوي الضمائر الحية والعقول المستنيرة، فقد جاءت حملة قريش بنتائج عكسية هذه المرة أيضًا.

 

ففي هذه المرحلة ومع استعار الحرب الإعلامية ضد دعوة الإسلام، نجد أن ثلاثةً يمثِّلون النخبة أو الصفوة في مجتمعاتهم، يقبلون على الإسلام، ويعلنون فشل هذه الحرب الظالمة، وتكون نقطة تحولهم من الكفر إلى الإيمان، أو من موقف عدم الانحياز إلى معسكر المسلمين.

 

أول هؤلاء الثلاثة هو عمرو بن عبسة السلمي، كان رجلاً لبيبًا ذا عقل، أنكر على الناس عبادة الأوثان، فلما سمِع بمحمد صلى الله عليه وسلم لم يتأثَّر بهذه الأكاذيب، بل ذهب بنفسه، واخترق الحصار الأمني والإعلامي اللذين تضربهما قريش على محمد وأصحابه؛ ليسمع من محمد صلى الله عليه وسلم، لا أن يسمع عنه، فاقتنع وأسلَّم وأذعن للدعوة الجديدة وأعلن مناصرته وولاءه.

 

الشخصية الثانية هي ضماد الأزدي، حضر إلى مكة، تأثَّر في بادئ الأمر بالحملة الإعلامية لقريش ضد محمد صلى الله عليه وسلم، حتى استقرَّ في نفسه أنه مصاب بالجنون، فذهب إليه متوهمًا أنه سوف يعالجه مما يعاني، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يعالجه من كفره وضلاله، أدرك ضماد أن ما جاء به محمد هو الحق، فأذعن له قلبًا وقالبًا، بعدما أدرك زيف الدعاوى التي تطلقها قريش وأبواقها.

 

أما ثالثهم فكان أبا ذر الغفاري الذي سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم وأخباره، فتخفَّف حتى وصل إليه صلى الله عليه وسلم، ويبدو أن أبا ذر كان يدرك وطأة وقسوة تلك الحرب الإعلامية التي تشنَّها قريش ضد محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يكتفِ بإعلان شهادة التوحيد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم.

 

فخرج إلى بيت الله الحرام ينادي بصوت عالٍ "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله"، وكأنه بذلك يعلن ويخبر قريشًا بفشلها في حملتها الإعلامية؛ لتشويه الصورة الذهنية لمحمد صلى الله عليه وسلم في نفوس العرب.

 

لم تفلح تلك الحملات الإعلامية المغرضة، ولم يجدِ ذلك التشهير، بل على العكس من ذلك، كان يسهم الصراع بين النبي صلى الله عليه وسلم، ورءوس الكفر في تناقل أخبار ذلك الصراع في كل مكان، وكان هذا في حد ذاته مكسبًا عظيمًا للدعوة، التي ساهم فيها أشد أعدائها ممن كانوا يشيعون في القبائل مقالة السوء عن تلك الدعوة، فليس كل الناس يسلمون بدعاوى زعماء الكفر والشرك"(5).

 

ولكن يبقى على أصحاب هذه الدعوات دور مهم في توضيح الحقائق وإزالة الشبهات، وعدم الاستكانة والاستسلام إلى ما يروجه الأعداء من أكاذيب.

---------

الهوامش:

(1) فقه السيرة- الشيخ محمد الغزالي.

(2) رسالة الأنبياء الجزء 3.

(3) السير والمغازي لابن إسحاق.

(4) السابق.

(5) السيرة النبوية للدكتور علي الصلابي- بشيء من التصريف.