قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)﴾ (البقرة).

 

في هذه الآية عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد، فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب والمحبوب قد يأتي بالمكروه؛ لم يأمن أن توافيه المضرَّة من جانب المسرَّة، ولم ييأس أن تأتيه المسرَّة من جانب المضرَّة؛ لعدم علمه بالعواقب، فإن الله يعلم منها ما لا يعلمه العبد (الفوائد لابن قيم الجوزية- ص 136).

 

إن علم العبد ذلك بعد تمام تحققه من رحمة الله بعباده ورأفته وكرمه وجوده، ونفاذ قدرته، وإحاطة علمه، علمت أنك إذا سألته شيئًا أو هممت بشيء أو احتجت إلى شيء فمنعك منه، فإنما منعك ذلك رحمةً بك وإحسانًا إليك؛ إذ لم يمنعك من بخل ولا عجز ولا جهل ولا غفلة، وإنما ذلك حسن نظر إليك، وإتمام لنعمته عليك؛ لكونه أتم نظرًا وأحمد عاقبةً، والله يعلم ونحن لا نعلم، فربما دبرنا أمرًا ظننا أنه لنا، فكان علينا، وربما أتت الفوائد من وجوه الشدائد، والشدائد من وجوه الفوائد، وربما كمنت المنن في المحن، والمحن في المنن، وربما انتفعنا على أيدي الأعداء، وأُوذينا على أيدي الأحباء، وربما تأتي المسار من حيث المضار، وقد تأتي المضار من حيث المسار (1).

 

ومن كلام الحكماء: رب مسرة هي الداء، ومرض وهو الشفاء، كما قال:

كم نعمة مطوية  لك بين أنياب النوائب

ومسرة قد أقبلت   من حيث ترتقب المصائب

فاصبر على حدثان  دهرك فالأمور لها عواقب

ولكل كرب فرجة  ولكل خالصة شوائب (2)

قال أبو عبيدة: (عسى) من الله إيجاب، والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم في أنكم تَغلبون وتَظفرون وتَغنمون وتُؤجرون، ومن مات مات شهيدًا، وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال، وهو شر لكم في أنكم تُغلبون وتُذلون ويذهب أمركم..

 

ثم يقول القرطبي معقبًا: وهذا صحيح لا غبار عليه، كما اتفق في بلاد الأندلس، تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال، وأكثروا من الفرار، فاستولى العدو على البلاد، وأي بلاد؟! وأسر وقتل وسبى واسترق، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ذلك بما قدَّمت أيدينا وكسبته!.

 

هذا ما قاله الإمام القرطبي على الأندلس نقوله نحن عن فلسطين، وقد انتزعها من أيدي مليار مسلم بضعة ملايين من يهود، وذلك لتركهم الجهاد، وقعودهم عن القتال، وإخلادهم إلى الأرض، واتباعهم للشهوات...إذ الجهاد والقتال كريه إلى النفس وبغيض إلى القلب، بينما الترف والشهوات وزينة الأرض محبوبة إلى النفس ويهواها القلب، وغابت عنهم حقيقة هذه الآية، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

 

وقال الحسن: لا تكرهوا الملمات الواقعة، فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أمر تحبه فيه عطبك، وأنشد أبو سعيد الضرير:

رب أمر تقيه  جرَّ أمرًا ترتضيه

خفي المحبوب منه  وبدا المكروه فيه (3)

 

الخير الكثير فيما نكره:

وفي باب معاشرة النساء يقول الله تعالى:.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)﴾ (النساء).

 

يقول الإمام القرطبي: أي إن كرهتموهن لدمامة أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز، فهذا يندب فيه إلى الاحتمال، فعسى أن يؤول الأمر إلى أن يرزق الله منها أولادًا صالحين.

 

ومن هذا المعنى ما ورد عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ"، أَوْ قَالَ: "غَيْرَهُ" (4).

 

والمعنى أي لا يبغضها بغضًا كليًّا يحمله على فراقها، بل يغفر سيئها لحسنتها، ويتغاضى عما يكره لما يحب.

 

وقال مكحول سمعت ابن عمر يقول: إن الرجل ليستخير الله تعالي فيُخار له، فيسخط على ربه عزَّ وجلَّ، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو خير له.

 

يُروى أن الشيخ أبو محمد بن أبي زيد كان من العلم والدين في المنزلة والمعرفة، وكانت له زوجة سيئة العشرة، وكانت تقصر في حقوقه وتؤذيه بلسانها، فيقال له في أمرها، ويُعْذَل بالصبر عليها، فكان يقول: أنا رجل قد أكمل الله عليَّ النعمة في صحة بدني ومعرفتي، وما ملكت يميني، فلعلها بعثت عقوبة على ذنبي، فأخاف إن فارقتها، أن تنزل بي عقوبة هي أشد منها.

 

ومن هذه الآية قال العلماء: فيها دليل علي كراهة الطلاق مع الإباحة (5).

 

من أسرار هذه الآية:

إن علم المسلم بحقيقة هذه الآية تُفتح له آفاقٌ رحبة من الأسرار ومن أهمها:

1- إنه لا أنفع له من امتثال الأمر، وإن شق عليه في الابتداء؛ لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات ولذات وأفراح، وإن كرهته نفسه، فهو خير لها وأنفع، وكذلك لا شيء أضر عليه من ارتكاب النهي، وإن هويته نفسه، ومالت إليه، وإن عواقبه كلها آلام وأحزان، وشرور ومصائب، وخاصة العقل تحمل الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة والخير الكثير، واجتناب اللذة اليسيرة، لما يعقبه من الألم العظيم والشر الطويل. فنظر الجاهل لا يجاوز المبادئ إلى غاياتها، والعاقل الكيس دائمًا ينظر إلى الغايات من وراء ستور مبادئها، فيرى ما وراء تلك الستور من الغايات المحمودة والمذمومة، فيرى المناهي كطعام لذيذ، قد خلط فيه سم قاتل، فكلما دعته لذته إلى تناوله، نهاه ما فيه من السم، ويرى الأوامر كدواء كريه المذاق، مفضٍ إلى العافية والشفاء، وكلما نهاه كراهة مذاقه عن تناوله، أمره نفعه بالتناول.

 

ولكن هذا يحتاج إلى فضل علم، تدرك به الغايات من مبادئها، وقوة صبر، يوطن به نفسه على تحمل مشقة الطريق، لما يؤمل عند الغاية، فإذا فقد اليقين والصبر، تعذَّر عليه ذلك، وإذا قوي يقينه وصبره، هان عليه كل مشقة يتحملها في طلب الخير الدائم، واللذة الدائمة.

 

2- ومن أسرار هذه الآية أنها تقتضي من العبد، التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور، والرضا بما يختاره له، ويقضيه له، لما يرجو فيه حسن العاقبة.

 

3- إن المسلم لا يقترح على ربه، ولا يختار عليه، ولا يسأله ما ليس له به علم، فلعل مضرته وهلاكه فيه، وهو لا يعلم، فلا يختار على ربه شيئًا، بل يسأله حسن الاختيار له، وأن يُرضيه بما يختاره، فلا أنفع له من ذلك.

 

4 - إن العبد إذا فوَّض أمره إلى ربه، ورضي بما يختاره له، أمده فيما يختاره له بالقوة عليه، والعزيمة والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه، وأراه من حسن عواقب اختياره له، ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه.

 

5 - إن في هذا التفويض راحة من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات، ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات، التي يصعد منها في عقبة، وينزل في أخري، ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه.

 

فلو رضي باختيار الله، أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه، وإلا جري عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به فيه؛ لأنه مع اختياره لنفسه، ومتى صح تفويضه ورضاه، اكتنفه في المقدور العطف عليه واللطف به، فيصير بين عطفه ولطفه، فلطفه يقيه ما يحذره، ولطفه يهون عليه ما قدره.

 

مثال ووقعة:

ونجلي هذه الآية للأفهام بمثال ووقعة، أما المثال فنحن مع الله- ولله المثل الأعلى- كصبي رأى طعامًا حسنًا، أو حلواء، أو عسلاً وفيه سم، وأبوه عالم بما فيه، فكلما بطش الصبي لذلك الطعام رده أبوه، فالصبي يبكي عليه لعدم علمه وأبوه يرده بالقهر لوجود علمه، فلو عقل الصبي ما فيه ما بطش إليه، ولعلم نصح أبيه وشدة رأفته به.

 

كذلك العبد يبطش للدنيا، أو الرياسة أو غير ذلك مما فيه ضرره، فيمنعه الحق تعالى منه، رحمة به، وشفقة عليه، واعتناء به، فإذا فهم عن الله، سلم الأمر إلى مولاه، ولم يتهمه فيما أبرمه وقضاه، وإذا لم يفهم عن الله، تحسر وربما سخط، فإذا انكشف له سر ذلك بعدُ، علم ما كان في ذلك من الخير، ولكن فاتته درجة الصبر، لقوله: "إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى"(6).

 

وأما الوقعة فهي لرجل كان يسكن في البادية، وكان من العارفين، فاتفق له ذات يوم أن مات حماره وكلبه وديكه، فأتى إليه أهله، فقالوا له حين مات الحمار: مات حمارنا، فقال: خير، ثم قالوا: مات الكلب، فقال: خير، ثم قالوا له: مات الديك، فقال: خير، فغضب أهل الدار وقالوا: أي خير في هذا؟ متاعنا ذهب، ونحن ننظر؛ فاتفق أن بعض العرب ضربوا على ذلك الحي في تلك الليلة فاجتاحوا كل ما فيه، وكانوا يستدلون على الخيام بنهيق الحمار، ونباح الكلاب، وصراخ الديكة، فأصبحت خيمته سالمة إذ لم يكن بقي من يفضحها.

 

فانظر كيف كان حسن نظر الحق لأوليائه، وحسن تدبيره لهم؟

وكيف فهم الرجل العارف ما في ذلك من السر في أول مرة؟

فهذا هو الفهم عن الله.. رزقنا الله من ذلك الحظ الأوفر.. آمين.

-----------

* الهوامش:

(1) إيقاظ الهمم، ص166.

(2) مكاشفة القلوب.

(3) تفسير القرطبي 3/ 28.

(4) أخرجه مسلم في كتاب الرضاع، باب: الْوَصِيَّةِ بِالنِّسَاءِ 2/ 1091 (1469/61)، وأحمد 2/ 329  (8345).

(5) تفسير القرطبي 5/65.

(6) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب: زِيَارَةِ الْقُبُورِ (1283)، ومسلم في كتاب الجنائز، باب: فِي الصَّبْرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى 2/ 637 (926/14).