- إهمال مصالح الحكومة يسبِّب 50% من استهلاك الكهرباء

- الموظفون: التكييفات والأنوار تعمل 24 ساعة بدون رادع!

- النائب أحمد عبده: الحكومة تبذِّر وتطالبنا بربط الحزام!!

- تهرُّب مسئولي شركة الكهرباء ورفضهم الرد على أسئلتنا

- مهندس كهرباء: وقف الإهدار الحكومي يحل الأزمة نهائيًّا

- مهندس معماري: التصميمات الحديثة للمباني تقلل الاستهلاك

 

تحقيق: إيمان إسماعيل

خرجت الحكومة خلال الفترة الأخيرة بقرارات متعاقبة تنادي بأن مصر تتعرض لأزمة كهرباء طاحنة، وحثت المواطنين على ضرورة ترشيد استهلاك الكهرباء، فمرة شددت على ضرورة تراكم أفراد الأسرة الواحدة في غرفة واحدة إذا ما أرادت أن تشغل المكيف في منزلها!، وتارة أخرى أقرت تخفيض إنارات الشوارع ليلاً إلى 50% مع إنارة عمود وإغلاق الآخر!، فيما قررت توصيل خط للكهرباء مع السعودية بعد خط الكهرباء مع الأردن!.

 

والمثير للدهشة هو أن نفس الحكومة التي تنادي بترشيد استهلاك الكهرباء وألزمت المواطنين بكل ما سبق من قرارات، تهدر داخل مصالحها الحكومية وفي كل الإنارات التي تحت تصرفها العديد من الكهرباء؛ حيث تنار كل غرف المصالح الحكومية طوال النهار، ولا تجد من يغلقها طوال المساء، فضلاً عن إنارات الشوارع والكباري المضاءة باستمرار في وضح النهار!.

 

ترشيد شفهي!

وكل ما قام به وزير الكهرباء والطاقة حسن يونس في ذلك الشأن هو مطالبته شفهيًّا بترشيد الاستهلاك في المصالح الحكومية من خلال تخفيف الإضاءة نهارًا قدر الإمكان والتأكد من إطفاء كل أنوار المباني ليلاً عدا النوبتجية؛ بالإضافة إلى إحلال الإضاءة العامة داخل المباني باللمبات الموفرة؛ وتوقف الأمر عن تلك التعليمات الشفوية دون أي متابعة، أو تحديد عقوبة للمخالفين!!

 

واعترف وزير الكهرباء والطاقة في تصريحات سابقة على أن هناك مشاكل وأخطاء في قرار مجلس الوزراء الخاص بترشيد الاستهلاك في الطرق والجهات الحكومية بنسبة ٥٠%، إلا أنه في حاجة إلى وقت طويل لتنفيذه بالشكل المطلوب؛ متبرئًا من مسئولية الوزارة عن إضاءات الشوارع والكباري قائلاً: "إن الشوارع تتبع المحليات؛ وليست من اختصاصات الوزارة التي تقدم الدعم الفني فقط"!.

 

فيما كشف التقرير الشهري لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، التابع لمجلس الوزراء، أن كميات الكهرباء التي تم توليدها خلال شهر يونيو لعام 2010 تفوق حجم المستهلك في الشهر نفسه، موضحًا أن إجمالي الكهرباء المولدة خلال يونيو بلغ حوالي ١٢ مليارًا و٧٣٣ مليون كيلووات في الساعة، بارتفاع نحو ٧.٣% عن مستواه خلال الشهر المناظر من العام السابق.

 

وبلغ إجمالي الاستخدامات خلال يونيو الماضي حوالي ١٠ مليارات و٧٣٠ مليون كيلو وات في الساعة، بارتفاع نحو ٦% عن مستواه خلال الشهر المناظر من العام الماضي، بفائض يقدر بنحو ٢ مليار كيلووات؛ لافتًا النظر إلى أن أكثر من 50% منها المتسبب الرئيسي في تلك الزيادة هي المصالح الحكومية وإنارات الشوارع!.

 

ويبقى السؤال: إهدار الكهرباء في المصالح الحكومية إلى متى؟، وما أسبابه؟، ومن المسئول عنه؟، وماذا ينتظر وزير الكهرباء حتى يطبق جزءًا من قراراته المتناثرة على مصالحه ومبانيه ووزارته وقطاعاته؟

 

(إخوان أون لاين) يجيب عن تلك التساؤلات في التحقيق الآتي:

تعليمات غير جدية

بدايةً يوضح أحمد محمد موظف برئاسة حي مدينة نصر أن هناك تعليمات شفوية قيلت لهم في مطلع الأسبوع الماضي تنص على ضرورة إغلاق أنوار المكاتب قبل مغادرتها وأن من سيخالف تلك التعليمات ستوجه له عقوبة لم يتم تحديدها بعد!!

 

ويستبعد أن يلتزم أحد من الموظفين بتلك التعليمات، مرجعًا ذلك إلى أنها قيلت مرة واحدة فقط، وكانت تعليمات شفوية لم يصدر بها أي منشور ولم تعلق ورقة بها داخل الحي، وحتى العقوبة التي ذكرت لم يتم تحديد آليتها أو شكلها حتى نخاف ونلتزم بالتعليمات، فكل ما قيل هو مجرد أداء واجب دون وجود نية حقيقية للتنفيذ!

 

وتتفق معه في الرأي سهير فوزي موظفة بمصلحة الضرائب العامة؛ حيث قالت إن هناك تعليمات شفوية صدرت إليهم بضرورة ترشيد الاستهلاك والتزم بها بعض الموظفين في اليوم الأول من إصدار تلك التعليمات، إلا أن الأيام التالية شهدت اتكال الجميع على الآخر في تنفيذ تلك التعليمات!

 

وتضيف قائلة: "وقت مواعيد انتهاء العمل يفر كل الموظفين هاربين من العمل حتى يعودوا إلى منازلهم، والكل يعتمد على الآخر أنه هو من سيقوم بغلق الأنوار، والنتيجة أنها تظل مضاءة إلى اليوم التالي، ويبقى الوضع هكذا كل الأيام، والجميع يلقي على الآخر بالمسئولية"!.

 

تصريحات متناثرة

ويوضح مؤمن محمد أحمد موظف بمحطة كهرباء منيا القمح التابعة لوزارة الكهرباء قائلاً: إن الوزارة لا تسعى لتطوير نفسها فبالتالي لن تكون قادرة على حل أزمة كبيرة مثل أزمة ترشيد الكهرباء، لا داخل الوزارة نفسها ولا على المصالح الحكومية ولا خارج حدودها على المواطنين.

 

ويؤكد أن الفساد المستشري داخل المصالح الحكومية بوجه عام، وداخل قطاعات الكهرباء التابعة لوزارة الكهرباء في مصر على وجه الأخص؛ نابع من غياب انتماء الموظفين لأماكن عملهم نتيجة لحقوقهم المهدرة والتي تجعلهم ناقمين طوال الوقت على حالهم وبالتالي لن يسعوا لإصلاح أي شيء أو إتباع تعليمات الحكومة.

 

ويشير إلى أن ما يحدث داخل المصالح الحكومية أو في الشوارع والتي هي أيضًا تابعة للحكومة، يعتبر سلوكًا غير حضاري وجريمة لا بد من معاقبة مسئوليها، موضحًا أنه تقدم بالعديد من الشكاوى نتيجة للتجاوزات التي تحدث داخل وزارة الكهرباء نفسها إلا أنه لا أحد يستجيب ولا حياة لمن تنادي!.

 

ويضيف قائلاً إن الإهمال في المصالح الحكومية يتطلب وجود لجان متابعة دورية؛ لمتابعة آلية تنفيذ القرارات الحكومية الجديدة، ومدى تطبيقها على كافة المصالح، وما الجزاءات التي ستوقع على المخالفين؛ لافتاً النظر إلى أن المصالح الحكومية وكل ما هو حكومي متشبع بالإهمال والفساد، مما يجعل كل القرارات الحكومية المستحدثة مجرد تصريحات متناثرة ومتخبطة لا تؤتي بأي نفع.

 

ويوضح أن على وزارة مثل وزارة الكهرباء تناشد المواطنين بترشيد الاستهلاك أن تقوم هي نفسها بترشيد الاستهلاك أولاً، مستنكرًا إضاءة أعمدة الشوارع لمدة 24 ساعة متتالية، وأعمدة أخرى ميتة لا تضاء ليلاً ولا نهارًا!!؛ فضلاً عن استخدام التكييفات بشكل متصل في المصالح الحكومية طوال فترة وجود الموظفين، بالإضافة إلى عدم استخدامها اللمبات الموفرة للطاقة والتي ينصح المواطنون باستخدامها!.

 

غياب الإرادة

 الصورة غير متاحة

 أحمد عبده شابون

ويشير النائب أحمد عبده شابون عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب وعضو لجنة الصناعة والطاقة قائلاً: إن ذلك هو نهج الحكومة المعتاد أن تأتي على حساب قوت المواطنين الغلابة وتحكم سيطرتها عليهم، في حين لا تقترب من الجهات الحكومية ولا رجال الأعمال لأنهم دائمًا خارجون عن طوعها، وتسعى بكافة السبل لتدليلهم!

 

ويستنكر عدم ترشيد الحكومة للاستهلاك داخل مؤسساتها وداخل كافة الجهات التابعة لها؛ في حين أنها تطالب المواطنين وبإلحاح بإتباع تعليمات غريبة، من المكوث في غرفة واحدة عند تشغيل التكييف، وغيرها من التعليمات التي لا تنادي بها أي دولة محترمة في العالم.

 

ويبدى اندهاشه من إنارة فصول المدارس في وقت متأخر من الليل، وفي المصالح الحكومية ليلاً على الرغم من أن المصالح الحكومية أغلبها ينتهي من عمله في وضح النهار؛ متسائلاً ما الذي ستخسره الحكومة إذا ما وضعت خطة معينة لتنفيذها ومن ثم متابعتها بصرامة!!

 

ويرجع عدم التفات وزارة الكهرباء لترشيد الاستهلاك في المصالح الحكومية إلى الإهمال المعتاد من قبل الحكومة المستشري في كافة مؤسساتها، بالإضافة إلى عدم امتلاكها إرادة حقيقية للتغيير، أو حتى إرادة لإصلاح الأوضاع، فضلاً عن عدم وضعها لأي خطوات لمتابعة بعدما أعلن وزير الكهرباء عنه من ضرورة ترشيد الاستهلاك داخل المصالح الحكومية؛ مؤكدًا أن مثل تلك القرارات لا تحقق بالتمني إنما هي في حاجة إلى آلية متابعة محددة.

 

تقنية بسيطة

ويقول المهندس محمد عبد التواب مهندس كهرباء بإحدى شركات البترول في مصر: "إن وقف إهدار الكهرباء سواء داخل المصالح الحكومية أو خارجها أمر بسيط وهين للغاية لا يحتاج لتقنية عالية غير متوافرة في مصر، إلا أن إهمال المسئولين وتكاسلهم وإلقائهم بالمسئولية على الآخرين هو سبب تفاقم الأزمات".

 

ويوضح أنه على نطاق أعمدة النور على الكباري كل 50 عمودًا خاص بهم "بوكس" كهرباء واحد، يحتوي على ولاعة، تلك الولاعة من المفترض أن تعمل تلقائيًّا بالإنارة بمجرد غياب ضوء الشمس، وبالإطفاء بمجرد شروق الشمس، مشيرًا إلى أن أي خلل في ذلك يعود إلى وجود خطأ في الولاعة وتحتاج إلى الكشف عليها وإصلاحها.

 

ويضيف أن تلك المسئولية يقع عبئها على رؤساء الأحياء، الذين من المفترض أن يقوموا بالمتابعة الدورية لذلك.

 

وعلى نطاق الكهرباء داخل المصالح الحكومية يؤكد م. عبد التواب على أن تلك المصالح تستهلك ما يزيد عن 50% من معدلات استخدام الكهرباء  في مصر بأكملها؛ ما يجعل علاج الكم المهدر بداخلها أمرًا حتميًّا وضروريًّا للغاية؛ لافتًا النظر إلى أن جميع اللمبات في تلك المصالح مركبة على ترس موصل للطاقة من المفترض أنها تعمل على توفير الكهرباء؛ إلا أنها عندما تتعطل وتكون في حاجة لتغييرها يستسهل المسئولون عنها بعيدًا عن الإداريات المعقدة ويقوموا بشراء أي نوع من اللمبات الغير موفرة!.

 

ويلفت النظر إلى أن موظفي المصالح الحكومية إذا ما قاموا بترشيد الاستهلاك على الوجه الصحيح من الممكن أن يحلوا أزمة الكهرباء التي تمر بها مصر حاليًا خلال شهر واحد؛ حيث إن الشوارع والمصالح الحكومية هي أكبر مستهلك للكهرباء في مصر والتي إذا ما التفت إليها وزير الكهرباء لوفر عنه عناءً كبيرًا!.

 

ويضيف قائلاً: إن المصالح الحكومية تستهلك وحدها 65% من إجمالي الاستهلاك الكلي للطاقة؛ ما يجعل الالتفات إلى ترشيد الكهرباء فيها ضرورة ملحَّة.

 

حل طويل المدى!

وعلى صعيد آخر توضح ولاء حامد مهندسة معمارية بالمركز القومي لبحوث الإسكان والبناء؛ أن الحكومة تستطيع ترشيد الاستهلاك في بناء المصالح الحكومية الجديدة من خلال تصميمات محددة تساعد على خفض استهلاك الطاقة، والاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية، والاعتماد بشكل أكبر على مصادر الطاقة المتجددة من طاقة الشمس.

 

وتشير إلى أن ذلك يمكن تحقيقه من خلال تصميم مباني المصالح الحكومية بطريقة معينة تساعد على دخول الشمس وإنارة الغرف الداخلية للمباني، وبالتالي لا تحتاج إلى استهلاك إنارة داخلية أبدًا؛ لافتةً النظر إلى أن استهلاك الطاقة في المصالح الحكومية الذي يتسبب في ارتفاع فاتورة الكهرباء له ارتباط وثيق بظاهرة المباني المريضة (Sick Buildings) الناتجة عن التركيز على استخدام أجهزة التكييف الصناعية مع إهمال التهوية الطبيعية، فضلاً عن الاعتماد على الإضاءة الصناعية لإنارة المبنى من الداخل، موضحة أن ذلك هو ما يسبب زيادة فواتير الكهرباء على عكس لو تم تصميم المباني بشكل يعتمد على أشعة الشمس والتهوية الخارجية.

 

وتستفيض قائلة: "إن السمك الذي يتم بناء الحوائط الحالية به لمباني المصالح الحكومية يبلغ 25سم وبالتالي لا يتوافر فيها عزل لدرجة الحرارة الخارجية عن داخل المباني"، مشيرة إلى أن سمك الحوائط المفترض اتباعه في البناء يبلغ40 سم، على أن يتم بناؤه بالطمي وليس بالطوب الأحمر، حتى يوفر طاقة التبريد الصناعية التي تسحب طاقة كهربائية عالية.

 

وتضيف قائلة: إن الشبابيك التي يتم بناؤها بالأرابيسيك والمشربيات تعمل على إدخال الإضاءة إلى داخل الغرفة بشكل كبير؛ ما يوفر استهلاك الإضاءات الداخلية، بالإضافة إلى أن بناء شُرفات المباني بحيث لا تكون فوق بعضها البعض بل دائر ما يدور حول المبنى من خلال اختلاف أماكنها، يساعد على التهوية الطبيعية، فضلاً عن أن المباني التي تحتوي على حوش داخلي يوفر التهوية الطبيعية نظرًا لصعود الهواء الساخن في الأعلى أما الهواء البارد ففي الأسفل. 

 

وتؤكد أن بناء المباني بذلك الشكل لا يكلف كثيرًا بل سيقلل من التكلفة الإجمالية، إلا أن الحكومة المصرية ترفض اتباعها؛ نظرًا لحرصها على عدم وقف سوق رجال الأعمال القائمين على صناعة الإسمنت والتكييفات وغيرها!، بالإضافة إلى عدم توافر العمالة التي تفهم في تلك التصميمات؛ نظرًا لإهمال الحكومة لها منذ نشأتها ولم تلق لها بالاً فانقرض العمال العاملين بها!!

 

وتستشهد بكلام الاستشاري المعماري العالمي جيمس واينز؛ والذي قال: إن المباني الحكومية  تستهلك خُمسي الوقود والمواد المصنعة، منذرًا بكارثة عاجلة وهي تضاعف مساحة بناء المصالح الحكومية في العالم خلال الـ20 إلى الـ40 سنةً القادمة؛ والتي تستهلك مزيدًا من الوقود؛ ما يستنزف طاقات وموارد العالم بصورة مرعبة.

 

وتوضح أن إدماج أساليب التصميم الخضراء (Green Design Techniques)  والتقنيات الذكية في المباني يعمل على خفض استهلاك الطاقة، من خلال استعمال ضوء النهار الطبيعي في  المصالح الحكومية والذي سيقلل من تكاليف الطاقة التشغيلية.

 

تهرُّب المسئولين!

وعلى صعيد آخر تهرب كل من أحمد مصطفى إمام رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة للكهرباء، والمهندس عصام سيد مدير عام الإدارة العامة للشئون الفنية ومتابعة الإمداد بنفس الشركة؛ من الإجابة على أسئلة (إخوان أون لاين) حول الاتهامات الموجهة إليهم بتقاعسهم في متابعة العمل، ومن ثم إهدار الكهرباء في المصالح الحكومية.