قطب العربي

كل عام وجميع القراء بخير، مع دخول شهر رمضان الكريم هدية الله السنوية لعباده الذي فيه تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النار وتصفد الشياطين، ومع بدء المسلمين صيام هذه الأيام المباركة، وما يصاحب ذلك من سعي لجني أكبر قدرٍ من الحسنات، لا يمكن أن ننسى أشقاء لنا يقضون يومهم صائمين وليلهم قائمين خلف الأسوار، ليس بسبب جرائم دنيئة، ولا موبقات رذيلة، ولكن بسبب تمسكهم بعقيدتهم، ودفاعهم عن مبادئهم، وتضحيتهم من أجلها بكل ما يملكون وأعز ما يملكون وهو حريتهم.

 

وإذا كان الله سبحانه وتعالى يضاعف ثواب الأعمال في رمضان؛ حيث تصبح النافلة بوزن الفريضة، وتصبح الفريضة بوزن 70 فريضةً، والله يضاعف لمن يشاء، فإننا نرجو أن يضاعف الله الثواب لإخواننا الصائمين خلف القضبان؛ لأنهم لم يسجنوا لمنافع شخصية ولكن دفاعًا عن شرع الله ومنهاجه، وعن حقوق المظلومين والكادحين، وعن حرية الوطن وعزته وكرامته، وعن عزة الإسلام والمسلمين في كل مكان.

 

لن تفارق صورهم مخيلتنا حين نجوع فنتذكر الجائعين الذين دافعوا هم عن لقمة عيشهم.

 

لن تفارق صورهم مخيلتنا حين نعطش فنتذكر مياه النيل التي تتعرض الآن لمؤامرة لطالما نبه فريق منهم إليها.

 

لن تفارق صورهم مخيلتنا حين نتمكَّن من تقديم صدقة للفقراء والمساكين الذين لطالما كانوا الشغل الشاغل لهم.

 

لن تفارق صورهم مخيلتنا حين نصلي التراويح فنتذكر أنهم كانوا أئمة لهذه الصلوات.

 

لن تفارق صورهم مخيلتنا حين ندعو الناس إلى أعمال الخير والصلاح والإصلاح فنتذكر أنهم ما سجنوا إلا لذاك السبب.

 

الصائمون خلف القضبان كثيرون، سواء سجناء جنائيين دخلوا السجن عقابًا على جرائم ونزوات فردية، وربما كان بعضهم من المظاليم، أو سجناء سياسيين سجنوا عقابًا على تحملهم ودفاعهم عن هموم وقضايا عامة، تصدوا لتبنيها حين عجز أو تراجع أو قصر غيرهم، ودفعوا ثمنًا لها من حريتهم في حين ينعم غيرهم برغد العيش وهناء البال، إنهم نور يشع ليضيء لغيرهم، ونيران تتلظى لتحرق الفاسدين والمستبدين، إنهم يقومون بفرض الكفاية حتى يسقطوه عنا.

 

لن ننسى خيرت الشاطر صاحب الخلق الرفيع والعطاء الوافر خدمةً لدينه وأمته، ولن ننسى صَحبِه الكرام الذين أنهوا عقوبتهم وفقًا للقانون (ثلاثة أرباع المدة)، ولكن سجّانيهم لا يعرفون في حالتهم سوى قانون الغاب، ويصرون على استمرار احتجازهم في السجن حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.

 

لن ننسى مجدي أحمد حسين صاحب القلم الجريء والمواقف الصلبة، المهموم دائمًا بقضايا شعبه وأمته، والمضحي بروحه حين عبر أنفاقًا لا تتوفر لها إجراءات السلامة، وكان من الممكن أن تنطبق على رأسه كما حدث مع آخرين، لكنه أصرَّ على الوصول إلى إخوانه المحاصرين في غزة في الوقت الذي كانوا يحتاجون مثل هذا الموقف، كان من المفترض أن يصل إليهم بالطريق الصحيح عبر منفذ رفح لكن الممسكين بمفاتيح المعبر أغلقوه في وجهه ووجه كل مَن يريد الدخول أو الخروج، فلم يجد أمامه سوى أنفاق عشوائية أوصلته إلى حيث يريد.

 

لن ننسى الدكتور أسامة سليمان كبش الفداء الوحيد المحتجز على ذمة قضية وهمية اسمها غسيل الأموال للإخوان، والتي يتصدر قائمة المتهمين فيها أسماء كبيرة من داخل مصر وخارجها، لكن الشرطة اكتفت بهذا الشخص الوحيد؛ لأنه رجل أعمال ناجح فتح الكثير من فرص العمل للشباب لكن الحكومة- الفاشلة دائمًا في مواجهة البطالة- تريد أن تدمر هذا النجاح حتى لا ينسب لغيرها، وهي تريد أيضًا تأديبه على جهوده السابقة في لجنة الإغاثة بنقابة الأطباء وهو الذي كان من أوائل المؤسسين والمديرين لها قبل أن يتحول إلى العمل الخاص، ورغم أن الدكتور أسامة سليمان حصل على سبعة أحكام قضائية حتى الآن للإفراج عنه، إلا أن وزارة الداخلية تحتجزه في غرفة العناية المركزة في القصر العيني تحت حراسة مشددة.

 

لن ننسى علي عبد الفتاح وصحبه الكرام الذين قُبض عليهم في الإسكندرية قبل أيام بعد حملات ناجحة لهم لجمع التوقيعات على مطالب الإصلاح، وكانوا نموذجًا للتفاني والعطاء والقدرة على الحشد؛ ما أزعج حماة الفساد والاستبداد فأرادوا أن يوقفوا زحفهم، ويشلوا حركتهم، ويوصلوا رسالةً لغيرهم بأن المصير ذاته ينتظرهم.

 

لن ننسى المناضل والمدون أحمد دومة الذي نذر نفسه للدفاع عن المستضعفين، ورفض الطوارئ ودفع ثمنًا لذلك بالحبس ثلاثة أشهر بدعوى الاعتداء على ضباط الشرطة أثناء مظاهرة لرفض الطوارئ، لقد حاكموه وحبسوه بينما تركوا الضباط المعتدين دون محاكمة.
لن ننسى الشيخ عبود الزمر وابن عمه طارق الزمر اللذين يقضيان عقوبة لا متناهية، رغم أنهما أيضًا أنهيا ثلاثة أرباع مدة السجن منذ فترة طويلة، لكن رفضهما دخول بيت الطاعة يحول دون الإفراج عنهما.

 

لن ننسى المئات من غير هؤلاء الرموز، وليسامحنا هؤلاء الصامدون الصائمون خلف القضبان إن كنا لم نذكر أسماءهم جميعًا وهم يستحقون منا الكثير، تقبل الله صومكم وطاعاتكم لخدمة شعبكم وأمتكم.