في عذوبة شديدة ينساب صوت "النقشبندي" في واحد من ابتهالاته العذبة التي تبثَّها عادةً الإذاعات المختلفة قبل دقائق قليلة من انطلاق صوت المؤذِّن معلنًا انتهاء ساعات الصوم، أما "الفانوس النحاس" بألوانه المبهجة التي تملك قلوب الصغار والكبار فلا غنى عنه أبدًا.. هذه هي أهم ملامح شهر رمضان لدى أسرة نادية المصرية.

 

الأسرة البسيطة والمكوَّنة من 6 أفراد تقوم عادة "بالاستعداد للشهر الفضيل قبل حلوله بـ5 أيام؛ حيث يتمُّ تقسيم المهامِّ على كل فرد، فتقوم الفتيات بتنظيف البيت، في حين يتولَّى الأبناء مهمة تعليق الزينة الرمضانية داخل البيت وخارجه.

 

نادية تبدأ عادةً بشراء بعض الأغذية التي تضع "المحالّ التجارية" عليها بعض العروض المخفَّضة؛ لتتلافى الوقوع تحت ضرس ارتفاع الأسعار- على حدِّ تعبيرها- فهي تحاول أن تقتصد خلال الشهر قدر استطاعتها، ولا تبذِّر كما يفعل البعض؛ لأن "هذا شهر التوفير" كما تقول.

 

وجبة الإفطار في أول أيام الشهر الكريم لها أهمية خاصة، ويجب أن تضم الـ"محشي"، أما الحلوى فهي بالطبع "كنافة"، وتؤكد أن هذا ما توارثته عن والدتها وجدتها، كما أن لديها مهمةً أخرى، وهي إعداد جدول للأسرة تسميه "جدول الجنَّة" وكل فرد يضع فكرة مبتكرة عن عبادة تجتمع الأسرة كلها عليها؛ لتؤدِّيها معًا.

 

في حين يقوم أحمد سعيد- عائل الأسرة والموظف بإحدى الشركات- بتخصيص ساعة خلال الثلاثة أيام التي تسبق شهر الصوم؛ ليجتمع بأسرته الصغيرة، ويتحدث معهم عن خيراته، ويستمع إلى مشاعرهم حول مجيئه واستعداداتهم له.

 

أما يوسف وعبد الله ابنا نادية فالأول منهما طالب بالجامعة والثاني طالب بالثانوي، وهما يشتركان مع أصدقائهما في توفير مبلغ من المال من مصروفهم قبل رمضان بشهرين؛ ليبدءوا تصنيع العصائر الطبيعية وتعبئتها في عدة زجاجات قبل قدوم الشهر بيومين، ثم يشتروا أكوابًا بلاستيكية الصنع قد اعتادوا أن يصطفوا فردًا فردًا في مدخل كل شارع قرب صلاة المغرب؛ ليُفطروا الصائمين، كما يطلبون من والداتهم إعداد أطباق الزبادي أو الأرز باللبن؛ ليقوموا بتوزيعها أثناء السحور على المارَّة وأصحاب المحال المفتوحة حتى ساعات الفجر.

 

ولا تختلف ابنتاها منى وأسماء- الأولى في السنة النهائية بالجامعة والثانية في السنة الثالثة- عن شقيقيهما، فهما تقومان خلال رمضان بتوزيع هدايا مغلَّفة بسيطة على الجيران تحتوي على بعض الحلوى والتمر ومجموعة من الملصقات التي توضِّح أهمية الشهر المبارك وفضله وعظم درجاته، كما تصنعان معًا "حصاَّلة" صغيرة مزيَّنة لجمع الصدقات من أفراد الأسرة؛ لتكون المحصِّلة في نهاية رمضان من نصيب فقراء الشارع.

 

عقب الإفطار جرت عادة أفراد الأسرة على أن يجلس كلٌّ منهم في ركن بعيد من أركان البيت ليبدأ في الدعاء، لكن منى لها عادة إضافية يختلف عن أفراد أسرتها، فالابنة الكبرى تبدأ بمراقبة المارَّة في الشارع المحيط بمنزلهم قبل رمضان بيومٍ؛ لتقارن بينه وبين أول يوم في اللحظات الأخيرة قبيل أذان المغرب في الشهر الفضيل، وكيف يتحوَّل الشارع من صخب وضوضاء إلى سكون، وتجتمع الأُسر حول مائدة واحدة لتفطر.