لا أريد أن أسرد مآثر شيخي الجليل، ولا أن أتحدث عن مناقبه العظيمة، رضي الله عنه وأرضاه، فهو غنيٌّ عن ذلك، ولكن نريد أن نستفيد دروسًا من علمه وحكمته، ويستفيد هو ثوابًا، ولا ينقطع عمله، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".

 

وأشير هنا إلى عشر من المسائل العظيمة نفعني الله وإياكم بها:

أولاً: إن التواضع من لوازم العلم الصحيح، ومن لا يتواضع لا خير في علمه، وقد كان رحمه الله خير قدوة في ذلك، حتى إنه ظل حتى وفاته يعرِّف نفسه بأنه طالب علم.

 

ثانيًّا: من لوازم الفهم الشامل للإسلام والانشغال بهمِّ الدعوة غضُّ الطرف عن سفاسف الأمور، والبعد عن الخلافات في فروع صغيرة، حكي لي الشيخ أنه أتاه زوجان وصفهما لي بأنهما من أصحاب الفهم الشامل، وكان الخلاف بينهما في توافه الأمور، فأنكر عليهما بل وزجرهما.

 

ثالثًا: العامل في حقل الدعوة يمر بمنعطفات كثيرة، لكنَّ بعضها معضل، وتُخشى الفتنة من ورائه، فقال رحمه الله: ثلاثة منعطفات لو نجا منها الأخ ضمنَّاه بإذن الله معنا: تخرَّج بعد دراسة، وعمل بعد عطل، وزواج بعد عزوبية.

 

رابعًا: على الداعية الحق أن يكون يقظًا فطنًا، له في كل مأزق مخارج، ولا يعجزه تضييق المتربصين، وضرب لنا رضي الله عنه مثلاً بفلاحة بسيطة كانت تتربَّص بها أم زوجها، فتقطع لها اللحم قبل الطهي وتعدُّ القطع، فكانت الفلاحة تقول: "حماتي ناصحة، وأنا أنصح منها، تعد اللحمة وأنا أقطع منها".

 

خامسًا: لا ينبغي الالتفات دومًا إلى ملقي الشبهات؛ لأنهم لا يكفُّون ولا يملُّون، والأسوأ أنهم لا يقتنعون، واستشهد بقول الحق تقدَّست أسماؤه: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (48)﴾ (التوبة).

 

سادسًا: الضلال لا يأتي من المفتي فقط، ولكن قد يأتي من المستفتي، فعلى المفتي والمستفتي أن يتَّقِيا الله عز وجل.

 

سابعًا: الشرع والحق فوق كل شيء وكل أحد، والخطأ يجب أن يعالَج.. جاء من أحد الأقاليم أحد الدعاة ذو الاسم اللامع والسبق العظيم في الدعوة، ومر على كثير من التجمعات والمحافل في القاهرة؛ ليحدث الناس عن موضوع مهم، وكان جل كلامه طيب، ولكنه أخطأ في إحدى المسائل اعتبرها الشيخ خطيرةً، ويمكن أن تربي الأجيال على أمر خطير، فمرَّ رحمه الله على كل المحافل ليبيِّن لهم الحق في المسألة دون أن يجرح أخاه.

 

ثامنًا: العلم معناه التأكد التام من المسألة، وما دون ذلك يسمى ظنًّا ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28)﴾ (النجم).

 

تاسعًا: لا تستنكف قبول الحق من أي أحد حتى ولو كان كافرًا، حكيت للشيخ رضوان الله عليه أن صحفيةً ألمانيةً تعدُّ رسالة دكتوراه عن الإخوان، فطلب مني بعض مقالاتها وزوَّدته بها، فسمعته رحمه الله يستشهد بكلامها فيما بعد ناسبًا الكلام إليها.

 

عاشرًا: الغاية لا تبرِّر الوسيلة.. جاء بعض الشباب يستفتونه في أن يستخدموا أموال اتحاد الطلبة في خدمة الدعوة، فقال: لا يجوز، فقالوا: إن الأموال تُسرق، ونحن سنفيد بها الطلاب، فقال: لا يجوز، فقالوا: ولكن..، فلم يمهلهم، واحمرَّ وجهه واحتدَّ عليهم، وقال إن هذا شرع، ولا يجوز أن نلتفَّ عليه.

رحم الله شيخنا، وأسكنه فسيح جناته، ونفعنا بعلمه.