- د. جهاد صبحي: العمولات والبزنس وراء فشل معظم الصفقات
- حسنين الشورة: سفر المسئولين الكبار للخارج يرهق الموازنة
- حمدي الطحان: الصفقات الكبرى لا تتم إلا في وجود الوزير
إعداد- قسم التحقيقات:
تنضم الزيارة التي بدأها اليوم وزير النقل المهندس علاء فهمي إلى الصين وتستغرق 5 أيام، إلى سجل الزيارات الفاشلة لوزراء النقل المصريين إلى الصين في السنوات الخمس الأخيرة، فالزيارة الأولى كانت في يناير 2005م قام بها الدكتور عصام شرف وزير النقل الأسبق، ورُفعت نفس شعارات الزيارة التي يقوم بها فهمي حاليًّا، وهي التعاون بين مصر والصين في مجالات النقل البحري وسكك الحديد والطرق والكباري، وكان بصحبته قيادات الصف الأول من هذه القطاعات، ولم تسفر عن أي تعاون حتى في المجال الفني، وليس في المشروعات الحقيقية.
وفي العام التالي في أكتوبر 2006م قام المهندس محمد لطفي منصور وزير النقل السابق بزيارة إلى الصين بصحبة وفد كبير من مستشاريه ورؤساء الموانئ والسكة الحديد والطرق والأنفاق, وتفقد بالفعل مصانع الجرارات وعربات القطار، وقدَّم الجانب الصيني خلالها إغراءات هائلة لتصدير الجرارات إلى مصر، ووصل ثمن الجرار الواحد إلى 9 ملايين جنيه, وهو ما يمثل 50% من سعر الجرار الأمريكي، بالإضافة إلى التدريب المجاني والصيانة أيضًا، إلا أن المفاجأة ظهرت بعد عودته من الصين بأيام قليلة، فقد تم الإعلان عن تعاقد وزارة النقل مع إحدى الشركات الأمريكية لتوريد 80 جرارًا بتكلفة 18 مليونًا للجرار الواحد دون أية إشارةٍ إلى المباحثات التي أجراها مع المسئولين في الصين، وما زال هذا الملف غامضًا حتى الآن.
ومن المقرر- حسبما أعلنت وزارة النقل- أن يطلع الوزير علاء فهمي على القطار السريع الذي تم تصنيعه في الصين بنسبة 100% والذي تصل سرعته إلى 350 كيلومترًا في الساعة، كما سيتفقد معرض وورلد إكسبو العالمي الذي تشارك فيه نحو 242 دولةً ومنطقةً.
![]() |
|
د. جهاد صبحي |
والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الهدف الحقيقي من زيارات وزراء النقل المصريين إلى الصين إن كانت محصلتها دائمًا صفرًا لصالح المصلحة العامة لمصر؟!
يقول الدكتور جهاد صبحي أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر: إن زيارات وزراء النقل إلى الصين لا تأتي إلا تحقيقًا للمصالح الخاصة لبعض رجال الأعمال أصحاب الصلات المشتركة بالولايات المتحدة الأمريكية، خاصةً أن الصين تقدِّم عروضًا بأسعار مخفضة جدًّا عن معظم دول العالم، مشيرًا إلى أن الإعلان عن القيام بزيارةٍ إلى الصين وتحديدًا صفقات معينة، وفجأة يتم الإعلان عن إلغائها تؤكد وجود شبهة خلل في تحقيق صفقات ناجحة لمصلحة المواطن المصري، بالرغم من أن إلغاء تلك الشراكة والتبادل التجاري مع الصين ستعود المصلحة الكبرى منه على مصر.
ويعتبر صبحي أن فشل زيارات وزراء النقل إلى الصين يحدث نتيجةً لتداخل العوامل السياسية مع المصالح الخاصة كالعمولات التي يحصل عليها الوسطاء التي يكون من مصلحتهم الحصول عليها من أمريكا بدلاً من الصين حتى تكون أعلى، بصرف النظر هنا عن جودة المنتج نفسه، والفرق بين الصيني والأمريكي، إلا أنه أكد أن الفارق بين جودة المنتج الصيني وغيره لا يستحق ذلك الفرق الضخم في الأسعار.
ويضيف: إن أحد أهم أسباب تكرار تلك الزيارات دون عقد صفقات لصالح الوزارة هو إبرام صفقات لصالح الأعمال الخاصة بالوزراء أنفسهم، لافتًا النظر إلى أن الخسائر المادية الضخمة التي تنتج عن زيارات المصالح الخاصة تتم على نفقة الدولة، وهو ما يؤثر سلبًا على النفقات العامة، وعلى مصادر الموازنة العامة مع أن مردود تلك الزيارة يكون صفرًا؛ أي سلبي.
ويقول: إن تلك الزيارات يُفترض فيها أن يذهب الخبراء وليس الوزراء؛ لأنهم الأقدر على تحديد المواصفات ومعاينتها بشكلٍ أدق، مطالبًا بضرورة تقنين وتقليل تلك الزيارات مع تحديد عدد الوفود الكبيرة التي تصاحب الوزير وقصرها على الأشخاص الذين سيحققون مردودًا عاليًا، فمثلاً قد يكون سفر أحدهم يساوي تحقيق هدف معين إلا أن المردود منه ضعيف جدًّا.
بزنس شخصي
حسنين الشورة
ويؤكد حسنين الشورة عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة النقل بمجلس الشعب أن اهتمام وزراء الحكومة بالكامل وليس وزراء النقل وحدهم بالسفر للخارج لا ينصب إلا على البزنس الخاص بهم، ولا يفكرون مطلقًا في أوضاع الشعب المصري، قائلاً: إنه لم يكن يحق لهم أن يدخلوا الوزارة من الأساس.

ويشير إلى أن الهدف من زيارات وزراء النقل للصين التي لا يتبعها أية صفقات جادة لا يمكن إلا أن يكون استمرارًا للسياسات الفاشلة بتحقيق بزنس شخصي، مستنكرًا أن تلك الزيارات تتم على حساب الدولة؛ حيث يسافر الوزير ويمكث قدر ما يشاء في الخارج، ويأخذ معه وفدًا كبيرًا يصرفون على قدر ما يرغبون، وفي النهاية تكون التكلفة على نفقة الدولة، بل ويعودون إلى مصر بخفي حنين.
ويشبه زيارة وزير النقل للصين ضربة الجزاء في كرة القدم، قائلاً: من المفترض أن يسبق زيارة الوزير للصين زيارة عدد من المستشارين المتخصصين، لإعداد دراسات وتحديد المستهدف من الزيارة، ولا يمكن أن يسافر الوزير في أية دولة في العالم دون وجود هدف واضح أمامه، فضلاً عن أن الفنيين والخبراء لا بد أن يكونوا قد سافروا إلى البلد وتعرفوا على كافة ملامح العمل بها اختصارًا للوقت والنفقات.
ويستطرد: أما الواقع في مصر يكون عكس ذلك؛ حيث يعلن الوزير عن زيارته للصين دون وجود هدف واضح، وكأنه مجرد خبير ذاهب للتفاوض من جديد، وبعدما يعود لا نرى نتيجة لتلك الزيارة، مؤكدًا أن ذلك إهدار لأموال وحقوق المواطنين، ولا يقوم أحد بمحاسبة الوزراء عليه؛ لأن الجميع ينتهجون نفس النهج الفاسد في العبث بمصالح البلد.
زيارات مشروطة
د. مجدي قرقر
ومن ناحيته يرحب الدكتور مجدي قرقر الأمين العام المساعد لحزب العمل بالتعاون وفتح علاقات متبادلة مع الصين، من خلال زيارات لكافة الوزراء، خاصةً أن الصين تعتبر المنافس الأكبر للولايات المتحدة الأمريكية، مما يعتبر خطوةً في التحرر من التبعية للولايات المتحدة، مؤكدًا ضرورة أن تكون الصفقات والعقود المبرمة معهم في صالح مصر، وليس كصفقة (جنرال اليكتريك) الأمريكية التي قام بها الوزير السابق محمد منصور، المحفوفة بالعديد من التحفظات التي أدَّت إلى محاولات لإخفائها والتعتيم عليها، ويوضح أن اليابان كانت الأفضل لعقد تلك الصفقة؛ حيث أثبتت نجاحًا وتقدمًا في مجال معدات السكك الحديدية.

ويشير إلى أن المشاكل في زيارات وزراء النقل إلى الصين ودول شرق آسيا لا تكمن في محاولات فتح أبواب جديدة للتعاون، لكن في استيراد معدات دون النظر والبحث في الصفقات المنافسة الموجودة في الأسواق الأخرى، موضحًا أنه الأولى أن نعمل على ضرب المنتجات الأمريكية بمنتجات أخرى صينية موازية لها في الجودة وتتميز بانخفاض سعرها.
ويقول من الوارد جدًّا أن يكون إلغاء الصفقات بعد تأكد الوزير من جودة المعدات إلى جانب أسعارها المنخفضة تحقيقًا لمصالح شخصية للوزير أو أحد أتباعه، أو ما يعتبره فشلاً وزاريًّا، مشيرًا إلى ضرورة تطبيق اشتراطات الجودة والمواصفات في الصفقات المنعقدة.
ويضيف الطرائق المثلى والقانونية لعقد صفقة معينة هي فرز المظاريف المقدمة الفنية منها أولاً واستبعاد المظاريف غير المطابقة، ثم البدء في فحص مظاريف العروض المالية، وعلى أساسها تتحدد الشركات الفائزة بالمناقصة، مبينًا أن زيارة الوزير لأية دولة لا يجب أن تتم من فراغ بل لا بد أن يسبقها محادثات وتبادل للمعلومات مع الطرف الآخر، وبناءً عليها يتحدد إتمام الزيارة من عدمه.
ويتساءل: لماذا يذهب الوزراء إلى الصين طالما أنهم لم يتأكدوا من إتمام الصفقة، ما يعد إهدارًا للمال العام والطاقات بما أن الزيارة لم يعقبها صفقة حقيقية؟!!
ويرجع عدم تطبيق قانون محاسبة الوزراء لذلك الفساد المستشري في حكومة رجال الأعمال، مشيرًا إلى أنه في حالة تطبيقه لن يسمح وزير لنفسه بالعمل على تحقيق مصالحه الشخصية على حساب مصالح الشعب، وسيحسب كل منهم خطواته قبل التحرك في أي اتجاه، ويضرب المثل بالحادث الشهير لقطار الصعيد الذي مات على أثره آلاف الضحايا نتيجة للإهمال، ووقتها كان وزير النقل خارج البلاد ولم يعلم أحد عن سبب وجوده بعيدًا عن مسئوليته في ذلك الظرف.
لا مانع
ولا يرى اللواء عبد المنعم جابر مستشار وزير النقل سابقًا وجود موانع من تكرار زيارات وزراء النقل للصين مع عدم عقد صفقات على خلفية تلك الزيارة، مشيرًا إلى ضرورة قيام الوزير بعددٍ من الزيارات لعدة دول حتى يحصل على عددٍ من العروض.
وحول ضرورة ذهاب الوزير دون التأكد من إتمام الصفقة يقول مستشار وزير النقل السابق: "لماذا لا يذهب الوزير طالما أن الصفقة ستكون على مستوى ضخم حتى وإن لم تتحقق في النهاية؟"، وينفي إتمام صفقات بأسعار مرتفعة مع شركات أخرى في الوقت الذي قدمت فيه الشركات الصينية عرضًا أقل بكثير، كصفقة الجرارات التي تعاقد عليها الوزير محمد منصور، مبررًا الأمر باحتمالية عدم تحقيق الصفقة للمعايير المحددة للمواصفات القياسية، وهي خمسة معايير الجودة والسعر وتوافر قطع الغيار والعمر الافتراضي للمعدة بجانب تجاوب المعدات مع المناخ في مصر.
ويوضح أن الحصول على المعلومات الحقيقية حول مطابقة المعدات التي تم استيرادها لا بد أن يقوم به الفنيون والخبراء المتخصصون في ذلك المجال، ويرجع المشاكل التي تحدث في المعدات المستوردة من الخارج ليس لرداءتها أو التخلي عن أحد شروط الجودة في الصفقات بل للاستخدام البشري السيئ لقطارات السكك الحديدية.
ويتفق معه في الرأي النائب حمدي الطحان رئيس لجنة النقل والمواصلات بمجلس الشعب قائلاً: إن التعاقد على استيراد معدات من الخارج يتبع نظامًا معينًا وهو قانون المزايدات، ولا يشترط أن يتعاقد الوزراء على صفقات كلما ذهبوا في رحلة عمل خارج البلاد، موضحًا أن بعض الصفقات الضخمة تحتاج إلى الوزير نفسه حتى يتأكد منها قبل التوقيع عليها.
