![]() |
|
د. حلمي محمد القاعود |
لقد كان وقوفك في صف الأغلبية الأزهرية الساحقة من حيث التعامل المالي، ووضع حد لتغوّل الحيتان الكبيرة التي كانت تصرف فوق ما تحلم، وتتقاضى أكبر مبالغ بصورة غير مسبوقة في تاريخ الأزهر المعمور؛ حدثًا جليلاً شد انتباههم، وجلب تعاطفهم، واستحق تأييدهم.
لقد حددت سقفًا أعلى لا يتجاوزه الموظفون الكبار، ليصبَّ الباقي مما كانوا يتقاضونه في نصيب الأغلبية الكادحة المسحوقة، وهذا من العدل الطيب الذي ندعو الله أن يكون في ميزان حسناتك.
لقد كانت ميزانية الأزهر على مدى سنوات طوال، لا تُنفق كما ينبغي، وكانت مبالغ كبيرة منها تعود إلى خزانة الدولة ليتقاضى الكبار النسبة القانونية المقررة لمن يوفِّر أموالاً من الميزانية.. مما ترتب عليه تخفيض ميزانية الأزهر إلى أدنى حد!.
وللأسف كان التوفير في ميزانية الأزهر يتم على حساب أساسيات مهمة، يظنها بعضهم أنها هامشية، أو غير ضرورية، ومنها الكتاتيب التي كانت تقوم بتحفيظ القرآن الكريم.. لقد تمَّ إلغاء هذه الكتاتيب، وحرمان آلاف المحفظين، ومئات الألوف من التلاميذ من مكافآت محدودة، كانت تفعل فعل السحر في نفوس هؤلاء البسطاء، وتحفزهم على حفظ القرآن الكريم، وتشجع غيرهم على الالتحاق بالكتاتيب.. وكان حصاد الأمر خدمة الدين، وتقويم الألسنة بخدمة اللغة العربية، وتأهيل الألوف للدراسة في الأزهر على أساس جيد ومثمر.
بيد أن من رأى أن الكتاتيب زائدة عن الحاجة، أو ضد الاستنارة، لم يضع في حسبانه أنه يخدم أعداء القرآن، وأنه يقدِّم لهم خدمة لا يحلمون بها حين تنشأ أجيال لا يحمل أصحابها في صدورهم عبق القرآن، وروح الوحي، وريحان التشريع، ولسان النبوة؛ فضلاً عن إضعاف الأزهر الذي يقوم التعليم فيه على القرآن، وكنا زمان- أنا وأنت وغيرنا- نقول، وما زلنا نقول: لا أزهر بغير قرآن.. وكأني اليوم أسمح لنفسي أن أقول اليوم: لا إسلام بغير قرآن!
وهذا ما يجعلني أوجِّه إليك اليوم يا فضيلة الإمام كلماتي مناشدًا أن تعيد القرآن للأزهر الشريف؛ كي يستعيد وجوده القوي والفعال، ويرتفع مستوى طلابه التعليمي، بل إن من يحفظ القرآن، وينصرف إلى تعليم آخر؛ يستفيد من القرآن في بناء لغته وشخصيته، وهويته العربية الإسلامية.
إن من ألغوا الكتاتيب، ظنوا أو اعتقدوا أن تحفيظ القرآن الكريم على مدى السنوات الدراسية الأزهرية (الابتدائي- الإعدادي- الثانوي- الجامعي)، سيكون بديلاً ناجعًا لتحفيظ القرآن في الكتاب، وللأسف فالنتيجة- كما يعرفها فضيلتك- كانت فاجعة، فحُفَّاظ القرآن عدد قليل، والمراحل التعليمية الأزهرية- كما تعلم فضيلتك- لا تثمر شيئًا ذا بال، فالطلاب لا يحفظون، وإذا حفظوا فحفظهم مشوه محدود، ذلك أن تحفيظ القرآن لا بد أن يكون مشافهة ومن خلال قراءة يسمعها الطالب من شيخه الذي يُسمعه طريقة القراءة والنطق والتلاوة، وقد حفظنا- أنا وأنت وغيرنا- بهذه الطريقة الفعالة، واختبرنا المشايخ شفويًّا، وعرفوا ونحن في سن باكرة قبل المرحلة الابتدائية (الإعدادية الآن) من هو الحافظ الذي يجوز له أن يحظى بالدراسة في الأزهر الشريف، ومن لا يجوز له أن يقترب من رحاب الأزهر!.
إن ميزانية الكتاتيب لا تمثل عبئًا على نشاطات الأزهر الأخرى، وعائدها في كل الأحوال كبير على الأزهر المؤسسة، والأزهر الرمز، والأزهر المستقبل، ولم يعد مقبولاً بحال أن يكون الطالب الأزهري غير حافظ للقرآن، ولم يعد مقبولاً على أي وجه أن يصعد خريج الأزهر منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يُحسن قراءة الآيات الكريمة، أو يُخطئ في ضبطها، ولم يعد مقبولاً بحال أن نجد طالبًا أزهريًّا لا يحسن دراسة النحو بسبب تقصيره في حفظ القرآن، أو لا يعرف أساسيات المواريث لأنه لا يحفظ سورة النساء.. والمسألة في كل الأحوال تقتضي أن يكون هناك تحفيز للمحفظين والحفاظ في أرجاء البلاد، ولو لم يدخلوا الأزهر، وأن يعود دخول المرحلة الإعدادية قائمًا على حفظ القرآن الكريم كله، ويتم الامتحان فيه شفويًّا، بعد أن أثبتت التجارب أن الامتحان التحريري، لم يؤد الغرض منه لأسباب كثيرة، تعلمها فضيلتك، ولا أريد الاستطراد إليها، وأعتقد أن النظام القديم في امتحان الطلاب شفويًّا كل عام في القرآن الكريم كله يشجع على استمرار حفظه، وبقائه في الصدور، وحبذا لو أردف هذا الأمر بتخصيص جوائز في أثناء العام الدراسي لمن يتقدَّمون لمسابقات حفظ القرآن مع تجويده، وأظن هذا سيكون عاملاً مهمًّا في إبقاء شعلة القرآن متوهجة في القلوب والنفوس.
إن الاهتمام بالقرآن الكريم، في ظل استعادة مناهج الأزهر قبل 1961م؛ سيعيد للأزهر ألقه القديم الساطع، وسيقدِّم لنا العالم النحرير، والفقيه الضليع، والأديب المفلق، واللغوي المجيد، وسيخدم الأدب والفكر والثقافة، بما لم تخدمه وزارة كبيرة ضخمة ذات ميزانية عظمى اسمها "وزارة الثقافة" التي روَّجت للضحالة والسطحية والضعف؛ بسبب إهمال اللغة وتقديم الجوائز الكبرى لمن لا يحسنون التعبير!
إن الاهتمام بالقرآن الكريم بطريقة عملية ومباشرة، أفضل كثيرًا من الاهتمام بأمور أخرى، لا تقدم، بل تؤخر، وأضرب لك مثالاً من هذا القبيل فيما يفعله الزميل المحترم رئيس جامعة الأزهر؛ حيث لم أسمعه يصرِّح بأمر يخص ارتقاء التعليم الأزهري، ورفع مستوى الطلاب، ولكن سيادته مشغول بتصنيف الطلاب سياسيًّا، ومشغول بقضية النقاب، ومشغول بالقيام بدور أمني لا يليق به.
لقد كان الأزهر ساحة للمذاهب والأفكار، يناقشها العلماء ويردون عليها في سياق علمي مهذب ورائد، ولعل فضيلتك تذكر على سبيل المثال، حين يستعرض المالكية آراء الأحناف، فيقولون، ورأى السادة الحنفية كذا، ولكن رأينا يقوم على كذا وكذا، ويقيمون الدليل والبرهان على ما يقولون ويقررون.
إنها صورة من أرقى صور الحوار العلمي عرفها الأزهر، بل العالم على مدى ألف عام، وما زالت مسجلةً في كتبهم ومصنفاتهم حتى يوم الناس هذا.
إن الاهتمام بالمنصب من خلال سياق أمني بوليسي لا يليق بأستاذ الجامعة ولو كان رئيسًا لها، فضلاً عن أستاذ أزهري، يعلم تمام العلم أن دور عالم الدين، وخاصة في الأزهر الشريف، أن يكون عنصر ردع للغي أو الظلم الذي يمارسه الحكام والطغاة، ونحن المواطنين لا نطلب من رئيس جامعة الأزهر أن يصدع بكلمة الحق في وجه الطغيان، فهو بالتأكيد لا يقدر عليها، لأنه لا يستطيع أن يواجه من أتوا به لمنصبه، ويستطيعون إزاحته وقتما يشاءون، ولكنه يستطيع أن يكون محايدًا على الأقل، ولا يكون عونًا لظلم طالب أو زميل أو موظف بائس، وخير له وللأزهر وللإسلام أن يكون عونًا على تحفيظ القرآن الكريم، ومحو أمية طلاب الابتدائي والإعدادي والثانوي، بل والجامعي؛ حيث يعاني كثير منهم من ضعف القدرة على الكتابة إملائيًّا ونحويًّا.
لقد نشرت الصحف أن رئيس جامعة الأزهر عقد اجتماعًا موسعًا مع عمداء وعميدات الكليات المختلفة بالقاهرة والأقاليم، طالب فيه بضرورة التصدي للفكر المتطرف والتأكد من التزام أعضاء هيئة التدريس بالجامعة بالفكر الوسطي المعتدل، واصفًا الأزهر بأنه حارس وسطية الإسلام.
وطالب الحسيني العمداء بفتح أبواب مكاتبهم أمام الطلاب والطالبات؛ للاستماع لشكواهم ضد أعضاء هيئة التدريس بالجامعة، وأبلغهم بأن الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر قرَّر أن يكون تقييم العمداء والعميدات من خلال مدى السيطرة على انتشار الأفكار المتطرفة البعيدة عن صحيح الإسلام.
وهدَّد رئيس جامعة الأزهر المتخاذلين في المهمة بالإقصاء من مواقعهم فورًا، كما طالبهم بتطهير الجامعة ممن وصفهم بـ"المرتزقة" الذين تسللوا إلى الأزهر في الأعوام الماضية.
وهذا كلام خطير لا يليق بالأزهر الشريف؛ ما الفكر المتطرف؟ وما تعريفه بالضبط؟ نفهم أن من يردِّد هذا المصطلح كُتَّاب السلطة المستبدة أو رجال السياسة الموالون لها أو رجال الأمن، ولكن أن يردِّده أستاذ أزهري فهذا هو الخطير، لأن هذا المصطلح ببساطة شديدة وما يرادفه من مصطلحات صياغة غربية استعمارية صليبية بامتياز؛ لها هدفها الإجرامي الواضح والمعلوم سلفًا، أما أن يردِّده أستاذ جامعي يقود جامعة الأزهر فهذا هو الخطير بل الخطر بعينه، ثم ما معنى أن يفتح العمداء والعميدات أبواب مكاتبهم لسماع شكاوى الطلاب ضد الأساتذة المتطرفين كما يسميهم سيادة رئيس الجامعة الأزهرية؟ هل هذا تهديد للأساتذة بأن الطلاب سيقدِّمون ضدهم تقارير أمنية؟ ثم ماذا يقصد سيادة رئيس جامعة الأزهر بـ"المرتزقة"؟ هل هذه لغة تليق بأستاذ جامعي فضلاً عن أن يكون أزهريًّا؟
إن الناس تفاءلت بك يا فضيلة الإمام الأكبر، وتثق في عفتك ونزاهتك، وتشعر أنك من أنصار الله، وأعتقد أنك لن تخيِّب ظنهم باستعادة الكتاتيب لدورها، وإطلاق آيات الله في أرجاء مصر على أفواه الصغار الأبرار الذين يشيعون روح الوحي وعبقه في كل مكان.. والله يحفظك.
