بدأت فكرة التنسيق مع الأحزاب بدمياط بشكل واضح مع انتخابات مجلس الشعب عام 1987م من خلال التحالف مع حزبي "العمل" و"الأحرار"، وتكرر في انتخابات المحليات عام 1992م وتمَّ التنسيق الأوسع بمناسبة ضرب العراق من قِبل القوات الأمريكية في عهد بوش الأب مطلع التسعينيات؛ حيث تمَّ التنسيق لمؤتمر ضم قيادات مركزية للأحزاب (الناصري والتجمع والعمل والأحرار) والإخوان والشيوعيون ضد الهجمة الأمريكية على العراق في مقر نقابة المهندسين بدمياط.
وهكذا سارت أمور التنسيق متقطعة، يغلب عليه الارتباط بالأحداث حتى عام 2000م حين بدأت مرحلة جديدة من التنسيق المنتظم حين عيَّن المكتب الإداري أحد أعضائه بالحضور المباشر، ممثلاً للجماعة في لجنة التنسيق، وأعطاه صلاحية اتخاذ القرارات، بناءً على التوجهات العامة، وكانت تلك نقلة نوعية للعمل؛ خاصةً أن ممثل الجماعة كوَّن فريقًا للمهمة يملك رؤية سياسية تؤمن بضرورة التنسيق- وكان المكتب الإداري وما زال داعمًا لها- كانت القضية الملهمة هي تفجر الانتفاضة الفلسطينية الثانية، فبدأ التنسيق في إطار اللجنة الشعبية لدعم الشعب الفلسطيني، وكانت اللقاءات الأولى للجنة عاصفة الأجواء شديدة التوتر؛ حيث صب معظم الحاضرين، خاصةً اليساريين؛ جام غضبهم على الجماعة، واتهموها بالانتهازية والتكبر واستغلال الآخرين وعدم الوفاء بالوعود!!!
وكانت هذه الاتهامات كفيلة بتفجير اللجنة والقضاء على أي أمل في التنسيق؛ خاصةً أننا كإخوان تراودنا ذات الاتهامات- في ذلك الوقت- نحوهم؛ لكننا فضَّلنا عدم الجدال والخروج من أجواء عدم الثقة المتبادلة بالدخول إلى الجانب العملي، كما قال الشهيد حسن البنا: "نحن قوم عمليون"، فتوجَّهنا إلى اللجنة بأن ردنا لن يكون أقوالاً ولكنه أعمال تبرهن على صدق الإخوان وتجردهم لخدمة أمتهم ونكرانهم لذواتهم، وقالوا سنرى!!!
كانت دماء شهداء الانتفاضة تملأ الشاشات، وأتصور أن هذه التضحيات التي قدَّمها الشعب المنتفض ضد الكيان الصهيوني قد سما بكل الفرقاء في اللجنة الشعبية وعُدِّل بوصلة اللقاءات التالية نحو إنجاز مادي ملموس للإغاثة.
لكننا نريد أن نؤكد أن محنة الشك المتبادل بين الفرقاء قد تحوَّلت إلى فرصة نجاح؛ حيث اتفقنا على تحديد المهام الذي يقوم بها كل فريق بشكل تفصيلي، وكتابة ذلك، والتوقيع عليه، ثم يتم الحساب على ما اتفقنا عليه بعد إنجاز كل مهمة على حدة، ومحاسبة المقصر أو المتجاوز؛ حتى ما يكتب على اللافتات التي تحث الناس على التبرع، والتي تنتشر على مستوى المحافظة في وقت واحد: هل نكتب عليها تبرعوا لإخوانكم في فلسطين (إخوان) أو تبرعوا لأهلنا في فلسطين (يسار)؟.
وبعد مناقشات ربما يصمِّم إخواننا في اليسار على كتابة أهلنا بدلاً من إخواننا، وكتابة الشعب الفلسطيني المناضل بدلاً من المجاهد- فكنا كإخوان نوافقهم في اللجنة حتى يستمر العمل، ونوافق على ذلك، ونبعث تلك التعليمات للإخوة في أرجاء المحافظة بالالتزام بصيغة الكتابة، ومع ذلك كان البعض القليل يكتب (إخوانكم) بدلاً من (أهالينا)، وهنا يكون اللوم والمحاسبة في الاجتماع التالي، ونعتذر عن ذلك الاجتهاد الفردي الذي يتلاشى بالتدريج أثناء القوافل التالية، أما المؤتمرات السياسية فيتم الاتفاق على الهتافات ومَن يهتف، مع الحرص على استبعاد الهتافات المؤشرة لأيديولوجية معينة، والمتحدثون وترتيبهم، ومن يقدِّم المؤتمر وتكاليفه ومساهامتنا المادية إلخ إلخ.
وليعذرني القارئ في الإسهاب في تلك التفاصيل الصغيرة؛ لأننا من خلال تجارب احتكاك عديدة، عشناها أو سمعنا عنها وجدنا أن تجارب عديدة فشلت في ذلك الاختبار الأول، نتيجة لعدم الانتباه الكافي لتلك التفاصيل التي تبدو صغيرة لكنها تقتل التجربة في مهدها.
تم انتخاب الأستاذ أنيس البياع (نائب رئيس حزب التجمع) منسقًا عامًّا ومتحدثًا باسم اللجنة الشعبية لدعم الشعب الفلسطيني، ويتواصل باسمها أمام الجهات الرسمية، وكانت هذه الخطوة مهمة، ذللت كثيرًا من الصعاب، تمَّ تجميع كميات كبيرة من المواد التموينية على خلفية روح التعاطف الشعبي الجارف مع الشعب الفلسطيني البطل، وبذل الجميع جهودًا كبيرة لتحميل السيارات، واتفقنا في اللجنة على حفل زفاف لتلك السيارات، يشعر به أهالي دمياط، بمشاركة كل ألوان الطيف السياسي، وبالتنسيق مع أمن دمياط في موقف وطني رائع.
انطلقت قافلة السيارات المحملة بالأرز والسكر متوجهةً صوب سيناء، وركبت قيادات اللجنة الشعبية سيارة ميكروباص لمرافقة القافلة؛ حيث قضينا في الطريق مجيئًا وذهابًا حوالي 24 ساعة، تم فيها تقارب كبير؛ حيث سمعنا أغاني الشيخ إمام وأشعار أحمد فؤاد نجم، وسألونا عن حقيقة فكر الإخوان وأهدافهم، وتحدثنا عن الحقبة الناصرية ما لها وما عليها في جو ابتعد كثيرًا عن التشنج والتوتر الذي كابدناه في البداية، وحينما وصلنا نقطة التفتيش في "بالوظة" وتم منع السيارات من مواصلة السير شعرنا جميعًا بالضيق من فرط حماستنا لسرعة الوصول، وذهبنا نبحث عن دورة مياه، فلم نجد، وتيممنا، وصلينا الفجر على الرمال بأحذيتنا، ولم ننم تلك الليلة حتى سمح الأمن للسيارات بالحركة نحو العريش في الصباح، وكانت الصدمة التالية حينما أخبرتنا الجهات المختصة أن تلك المواد الغذائية التي نحملها لن تدخل غزة الآن، ولا بد من تفريغ الحمولة في مخازن بالعريش، وحينها رأينا جميعًا كيف أن الجميع كان يحمل المعونات فوق أكتافهم بدلاً من تأجير عمال لهذه المهمة كنت قد نسيت هذا الموقف؛ لكن ذكرني به الناشط اليساري الأستاذ محمد التاورجي حينما أصر على إقامة حفل تأبين لصيدلي من الإخوان مات هذا العام، وهو الأخ الفاضل د. محمد الرملي وأشاد بالفقيد لأنه رآه في العريش في ذلك اليوم يحمل شكائر الأرز على كتفه، ولم يكن يعلم ساعتها أنه صيدلي، وأنه مريض لقد عدنا جميعًا يومها من العريش بمشاعر جديدة غلب عليها طعم القرب وطعم النجاح.