استغلَّ الخلفاء والولاة وقادة الحركات الإصلاحية من المسلمين النقد الإسلامي في مجال الدعوة الإسلامية باعتبارها وسيلةً إعلاميةً في العصور الوسطى، فكانت تمثِّل أيسر الطرق لتوصيل المذهب الإسلامي لشعوب البلاد المفتوحة؛ وذلك من خلال ما سُجِّل عليها من عبارات التوحيد والرسالة المحمدية والاقتباسات القرآنية.

 

فيُذكر أن العرب قبل الإسلام، وفي عهد النبوة، وخلافة سيدنا أبو بكر الصديق، استخدمت النقود البيزنطية ذات العبارات المسيحية والفارسية ذات الشارات "الزرادشتية"، ممثلةً في معبد النار، وكان من الطبيعي أن يتم التعامل في صدر الإسلام بهذه النقود، رغم أنها بما تحتوي عليه من شارات تتنافى مع عقدية التوحيد، ولكن شاءت حكمة الله أن تكون قضية الإسلام الأولى هي العقيدة في ذلك الوقت.

 

ومع تثبيت دعائم الدولة الإسلامية وانتشار فتوحاتها أبى خليفة المسلمين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان إلا أن تعلن العملة في شعاراتها "إسلامها"، وأن تدور في فلك التوحيد الخالص، بعيدًا عن الوثنية الصليبية و"الزرادشتية"، فأضيفت على النقود المتداولة عبارات "بسم الله"؛ ليتعلم المسلمون كيف يكون الأدب مع الله تعالى، كما أنها جاءت لترد على "عقيدة التثليث" عند المسيحيين، التي كانت تُنقش على نقودهم وقراطيسهم، وعلى عقائد الفرس الضالة، كما نُقشت على العملة التي ضربها سيدنا عمر عبارة "الحمد لله" اعترافًا بأحقية الله للحمد والثناء على نعمة الإسلام، كما سُجِّلت على النقود التي ضُربت في عهد سيدنا عثمان بن عفان عبارة "الله أكبر"، وقد واكب ذلك حركة الفتوحات الإسلامية في عهده، فقد فُتحت أرمينية وطبرستان وقبرص سنة 31هـ 651م، ولانتصار عامله على البصرة على أهل خرسان، وفي عهد سيدنا علي بن أبي طالب استمر تسجيل العبارات الإسلامية على النقود.

 

ومع انتقال الخلافة إلى البيت الأموي حرص أول خلفائها معاوية بن أبي سفيان على استكمال مسيرة التغيير وشارات النقود بما يتفق وعقيدة التوحيد، فظهرت على نقوده المضروبة على الطراز الساساني الفارسي سنة 41هـ عبارات "بسم الله- بسم الله ربي"، إلى جانب صورته متقلدًا سيفًا؛ ليبرز لنا حال الأمة الإسلامية في جهادها لنشر الإسلام، كما تمَّ تغيير وتحوير شكل الصليب، فشُكِّل على هيئة كرة أو عصا معقوفة.

 

واستكملت مرحلة التغيير في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان؛ لتعلن العملة عن توحيدها الخالص، فكان تعريب العملة وصبغ الدولة الإسلامية بصبغة عربية في جميع الشئون الإدارية والمالية هي سمة عصره؛ حيث كان عبد الملك بن مروان يرى أن ضرب النقود الإسلامية ضرورة اقتضتها الظروف؛ لتدعيم البناء الاقتصادي والسياسي والقومي للدولة الإسلامية، وقد عجَّل بهذا التغيير تجرؤ الإمبراطور البيزنطي على النبي صلى الله عليه وسلم بسبه وقذفه، وكان الردُّ عليه بتغيير شعارات الدينار وفقًا لعقيدة التوحيد، فظهر أول دينار إسلامي سنة 77هـ، وقد سُجِّل على الوجه شهادة التوحيد : "لا إله إلا- الله وحده- لا شريك له" وسنة ضرب الدينار ومكان الضرب: "بسم الله ضرب هذا الدينار سنة سبع وسبعين"، أما ظهر الدينار أو الوجه الثاني فقد سُجِّل في مركزه آيات من سورة الإخلاص: "الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد" وفي الهامش الرسالة المحمدية "محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركين".

 

ومن الطبيعي أن يركِّز الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان على إبراز عقيدة التوحيد على النقد الإسلامي بعد ثورة البيزنطيين على هذا التغيير، وباعتبار عقيدة التوحيد هي لبُّ عقائد الإسلام وروح الوجود الإسلامي، أما اختياره لسورة الإخلاص فكان لإثبات وتقرير عقيدة التوحيد التي تمثِّل أحدية الوجود لله تعالى، أما الرسالة المحمدية فأراد عبد الملك بن مروان من خلال نقشها على عملته إثبات شهادة الله لهذا الدين بأنه الهدى ودين الحق، وأن الله سيظهره على كل الأديان، وبذلك اعتبرت العملة وسيلة من وسائل الدعوة الإسلامية، والتصدي للعقائد الفاسدة والضالة لدى البيزنطيين، ممثلة في عقيدة التثليث وعلى ديانة الفرس "الزرادشتية" ومعبد النار الذي نقشوه على نقودهم.

 

التداول النقدي وسيلة الفاتحين لنشر الدعوة الإسلامية

نستطيع من خلال قراءة التاريخ أن نؤكد أن القادة الفاتحين من المسلمين استخدموا العملة كوسيلة لتعريف شعوب البلاد المفتوحة بالعقيدة، ونستدل على ذلك بنقود القائد المسلم موسى بن نصير؛ حيث ضرب أثناء فتوحاته في شمال إفريقيا- وبعد الاتساع السياسي والذي أتبعه اتساع أرضية المذهب الإسلامي- عملةً نُقش عليها باللغة اللاتينية شهادة التوحيد "لا إله إلا الله- محمد رسول الله"، هذا يعكس لنا شيئًا هو أن اللغة العربية لم تكن قد انتشرت بين أهل بلاد المغرب، ولذلك كانت العملة هي أيسر طريق لتوصيل الدين الإسلامي إلى شعوب هذه البلاد بلغتهم اللاتينية، وقد استمر ذلك حتى سنة 97هـ / 715م.

 

 الصورة غير متاحة

 الدينار البيزنطي ودرهم ساساني

وبعد ولاية موسى بن نصير تولى الوالي محمد بن يزيد (97– 100هـ)؛ حيث استطاع بعدله ونزاهته كسب أفواج جديدة من البربر إلى الإسلام، ما شجعَّه على تسجيل الكتابات العربية، إلى جانب اللاتينية، فللمرة الأولى تسجِّل شهادة التوحيد في وسط وجه الدينار باللغة العربية، وفي عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز استعمل على بلاد شمال إفريقيا تابعًا جليلاً وإمامًا زاهدًا، هو إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر سنة 100هـ، فكان أعظم ولاة بني أمية على بلاد المغرب، فقد أثَّر تأثيرًا عميقًا في نشر الإسلام والثقافة العربية الإسلامية، وبذلك أجمع المؤرخون على إسلام أهل إفريقيا جميعًا في أيام هذا الوالي، وبهذا التحول العقائدي، والذي كان للتداول النقدي الإسلامي دور كبير فيه بظهور أول دينار عربي إسلامي، ضُرب ببلاد المغرب سنة 100هـ.

 

كما نقش قائد جيش المسلمين في جيش الأغالبة سليمان بن داود سنة 216هـ- الذي غزا جزيرة صقلية وبلرموا- سورة الإخلاص على دراهمه؛ لتكون في مواجهة عقيدة التثليث عند أهل صقلية الذين يدينون بالمسيحية.

 

التداول النقدي الإسلامي من وسائل الإصلاح

كان التداول النقدي أحد أهم وسائل الإصلاح التي استخدمتها الحركات الإسلامية الإصلاحية في القرن الرابع والخامس الهجري داخل كيان الدولة الإسلامية، ونذكر من هذه الحركات الحركة الإصلاحية التي قادها المعز بن باديس ودولة بني حماد في بلاد المغرب ضد المذهب الشيعي، الذي حاول الفاطميون نشره، وكان المعز بن باديس قد تولى تربيته فقيه سني يُدعى أبو الحسن بن علي الرجال، وكان سنيًّا مالكي المذهب، فكانت لهذه التنشئة وكره الشيعة دلالتها على نقوده.

 

فنُقشت الاقتباسات القرآنية التي تدحض المذهب الشيعي؛ حيث كان يعتبر الشيعة خارجين عن الإسلام؛ ولذلك نقش على ديناره الذي ضُرب في مدينة عز الإسلام القيروان سنة 441هـ الآية الكريمة" ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ( سورة آل عمران من الآية 58)، ثم أراد المعز أن يشهد النبي صلى الله عليه وسلم على ضلالتهم وكفرهم ودعوتهم إلى تقديس حكامهم؛ ولذلك ردَّ عليهم بالنص القرآني ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45) وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ﴾ (سورة الأحزاب من الآية 45،46)، كما اعتبر المعز بن باديس الشيعة مفسدين في الأرض بعقائدهم الضالة، فأراد أن يذكرهم بأنهم مهما أفسدوا في الأرض فإن الله كتبها لعباده الصالحين؛ ولذلك نقش على دينار ضرب القيروان سنة 442هـ الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ﴾ (سورة الأنبياء الآية 105).

 

وكان لهذه الثورة الإصلاحية التي قادها المعز بن باديس آثارها الواضحة على التداول النقدي لدولة بني حماد في الجزائر ببلاد المغرب؛ حيث انتهج الأمير يحيى بن المعز الحمادي نفس نهج المعز بن باديس، فاتخذ من الآية الكريمة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281)﴾ (البقرة) شعارًا له على نقوده ضد الخلافة الفاطمية الشيعية، فربما أراد أن يدعو الفاطميين أن يتقوا الله في دينهم الذي حرَّفوه وأخرجوه عن منابعه الأصيلة، ويذكرهم بأنهم سيرجعون إلى الله، فسيسألهم عما أحدثوه في أمر الإسلام.

 

وتبنت الحركة الإصلاحية الإسلامية التي قادها المرابطون في منتصف القرن الخامس الهجري على يد الفقيه عبد الله بن ياسين مقاومة البدع والخرافات، وجهل المسلمين في شمال إفريقيا والمغرب بحقيقة الإسلام، فاتخذوا من الآية الكريمة ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (85)﴾ (آل عمران) شعارًا لهم نقشوها على نقودهم منذ أن تبناه أبو بكر بن عمر، ويظهر ذلك على دينار ضرب مدينة سلجماسة سنة 450هـ، وربما جاء اختيارهم للآية أيضًا لترد على الشيعة الفاطميين، كما نقشت لتتحدى نصارى الأندلس الطامعين في القضاء على طوائف وملوك الأندلس.

 

 الصورة غير متاحة

دينار سيدنا معاوية بن أبي سفيان

أمَّا في بلاد اليمن والتي كانت تتأرجح بين المذهبين السني والشيعي، وكانت العبارات والشعارات التي تُنقش على العملة تسير في فلك المذهب المسيطر صاحب الغلبة، وبدخول الأيوبيين اليمن سُجِّلت الشعارات الإسلامية السنية على العملة، وهو ما استمرت عليه دولة بني رسول؛ حيث سُجِّلت على نقودهم أسماء الخلفاء الراشدين "أبو بكر، عمر، عثمان، علي"، ويُعتبر ذلك أول ظهور لأسماء الخلفاء الراشدين على العملة اليمنية دينار ضرب صنعاء وزبيد سنة 642هـ، وأعتقد أن ظهور أسماء الخلفاء الراشدين على عملة بني رسول جاء كنوعٍ من الردِّ السياسي والديني على أصحاب المذهب الشيعي الزيدي والإسماعيلي، وإظهار اعتراف بني رسول بإمامة سيدنا علي، ومن سبقه من الخلفاء الراشدين، وهو ما لا يعترف به الشيعة.

 

أما أبو يزيد مخلد بن كيداد (316، 336هـ) فقد خرج على الخلافة الفاطمية واستولى على القيروان من الفاطميين؛ لرفضها المذهب الشيعي، واستطاع أبو يزيد أن يجتاح المغرب الأوسط، و"الجزائر"، وإفريقيا، و"تونس" في غضون 3 سنوات (330، 333هـ) وسجل بعض الآيات والعبارات التي تدحض افتراءات الشيعة على نقوده، وكان أول ظهور لهذه العبارات على السكة الإسلامية على دينار ضُرب القيروان سنة 333هـ، فقد نُقش بظهر الدينار: "العزة لله- محمد- رسول- الله- خاتم النبيين" والهامش الداخلي: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 157) وفي الهامش الخارجي: "محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون".

 

كما تبنت دولة السلاجقة نقش سورة الإخلاص كاملة على عملتها، وخاصةً نقود السلطان بركيارق السورة ضرب الأهواز سنة 491هـ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1) اللهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)﴾، كما نُقشت السورة على نقود السلطان محمود بن محمد ملكشاة، ومنها دينار ضرب أصفهان سنة 512هـ، ولا يخفى على أحد الدور الذي قامت به الدولة السلجوقية في الجهاد ضد الدولة البيزنطية مسيحية الديانة.

 

هذه إطلالة سريعة على كيفية استغلال المسلمين للنقود كوسيلة دعائية ودعوية؛ لنشر الإسلام والرد على الشبهات، فكانت بمثابة صحيفة واسعة الانتشار، لتداولها بين الناس، فتستطيع أن توصل للناس الدعوة التي تريدها، وظلت العملة تدور في فلك الشعارات الإسلامية، حتى جاءت الهجمة الشرسة الأوروبية الصهيونية على بلاد الإسلام، فأُلغيت الخلافة العثمانية، وانتشر الفكر العلماني، فاتجهت العملة في بلاد الإسلام تعبر عن النعرات القومية القديمة، وبذلك تفرَّغ النقد الإسلامي من محتواه العقائدي في الوقت الذي اتجهت فيه أوروبا المسيحية إلى التوحيد النقدي، واتخذوا من الصليب شعارًا لها، كما أن اليهود اتخذوا من نجمة داود شعارًا لهم، فألم يأن لقادة المسلمين أن يتخذوا عملةً موحدةً تتخذ من عقيدة التوحيد شعارًا لها، بدلاً من أن ندور في فلك التداول النقدي الأجنبي ممثلاً في الدولار الأمريكي واليورو الأوروبي، والذي يعود بنا إلى التبعية النقدية للدينار البيزنطي والدرهم الفارسي الساساني، وهو ما يدل على ضعفنا وقلة حيلتنا، فيا ليت يعود لنا حاكم مسلم كعبد الملك بن مروان؛ ليخلصنا كمسلمين من هذه التبعية، ويسك لنا عملةً تعبر عن وحدة العقيدة والأرض، فلله الأمر من قبل ومن بعد.

---------------

* دكتوراه في الآثار الإسلامية