المقام ليس للتفاصيل وترجيح أحد الطرفين، المهم أن النيابة العامة في مصر تسيطر على ثلاث سلطات في نفس الوقت؛ التحقيق والاتهام والإحالة إلى القضاء، أي أن النيابة كانت هي الخصم والحكم في القضية بين الطرفين, ولقد قام القاضي بمنتهى السرعة بإصدار حكم بحبس المحاميَيْن بناءً على مذكرة النيابة فقط، بلا دفاع ولا شهود؛ الأمر الذي يتصادم مع القانون والدستور وأبسط بدهيات قواعد العدالة عالميًّا.
ما يعنينا هو توضيح أنه لا يمكن حدوث ذلك إلا في مناخ عام مختل تمامًا لدولة على شفى حفرة، ولذلك لا بد أن نبدأ من نظرية العقد الاجتماعي التي تعني تنازل الجميع عن جزء من حرياتهم ورغباتهم؛ لإقامة سلطة عامة وهي الدولة، والتي تعمل لتنظيم حياة جميع فئات المجتمع بالعدل, فماذا يحدث في مصر؟ هل الجميع يريد كل شيء؟ أزمات خطيرة متلاحقة بين الشرطة والشعب بخصوص "قتيل الإسكندرية"، وفضائح رموز الدولة بشأن أراضي الدولة, وجزيرة آمون، ومشروع مدينتي, والعلاج على نفقة الدولة، وأزمة الزواج الثاني للأقباط، وصولاً للفتنة الكبرى بين المحامين والقضاة.
- الطرفان التزما موقفًا فئويًّا بالغ الحدَّة وكأنهما ضمن كيانات طائفية مسئولة عن مصلحة أعضائها فقط، وغير مطالبة بأي شيء نحو الدولة، في حين أنه لا يمكن أن يكون أحد الأطراف على حقٍّ مُطْلق والآخر على باطل مطلق.. إن استمرار الأزمة لتأخذ مداها إلى النهاية أي النصر على الطرف الآخر، يعني أن الدولة ومؤسساتها معرضة للانهيار.
- يبدو الأمر بالغ الخطورة عندما نلاحظ تدخل الرئيس شخصيًّا لحلِّ أزمات سابقة أقل أهمية، مع الامتناع عن التدخل لحلِّ هذه الأزمة، فهل يعني ذلك تعمد الدولة إضعاف القضاة والمحامين؛ لتحقيق مزيد من تفكيك المجتمع لصالح احتفاظ نظام الحكم بالسلطة.. لقد فعلت الدولة الكثير غير ذلك في السنوات السابقة لإضعاف القضاة تحديدًا؛ لأنها أدركت أنهم الحصن الأخير للمجتمع الذي يحاول أن ينتفض لاسترداد بعض أنواع الحريات العامة.
- إن أزمة الزواج الثاني للأقباط تمثِّل مشكلة بين الدولة وفئة عقائدية، أما هذه الأزمة فهي بين فئتين (قضاة ومحامين) في قطاع واحد، وهو العدل الذي يُفترض أن يعمل على إعلاء الشرعية وتحقيق العدالة للجميع.. ما الدولة إلا جماعات في قطاعات مهنية أو سياسية أو اقتصادية وخلافه، والتي لا بد أن تتجمع في إطار الانتماء لكيان واحد وهو مصر.. فهل سنصل إلى أزمات طاحنة داخل كل القطاعات؛ بين الجيش والشرطة، ثم بين الاتحادات والنوادي الرياضية، ثم بين وزارة التجارة والغرف والاتحادات التجارية، في حين أن معظم النقابات المهنية إما تحت الحراسة مثل (المهندسين)، أو في طريقها إلى ذلك مثل (الصيادلة)، بالإضافة إلى "الأطباء" المجمدة انتخاباتها منذ أكثر من عشر سنوات, أضف إلى ذلك الأزمة الطائفية العقائدية بين المسلمين والأقباط التي تستيقظ كل حين، وكذلك أزمة الثقة المستفحلة بين الشعب والشرطة، وصولاً إلى حادث "قتيل الإسكندرية" الأخير.
- إذا نجحت التهدئة بين الطرفين بأسلوب المسكنات المعتاد فسنُفاجَأ بأزمة أخرى لن تستجيب لأية مسكنات, إن تفكُّك قطاع العدل يعني انهيار سلطة من السلطات الثلاث (التشريعية، والتنفيذية، والقضائية)- العدل- فماذا يتبقى إذا كانت السلطة التشريعية- أي مجلس الشعب- مطعونًا في شرعيتها بتزوير عدة انتخابات سابقة, أما التنفيذية- أي الحكومة- فحدِّث ولا حرج.
- أدنى مستوى من العقل والحكمة يؤكد أن الطرفين لا معنى مهنيًّا ولا قيمة قانونيًّا ولا ثمرة مجتمعيًّا لأحدهما دون الآخر.. لا أفضلية لأحدهما على الآخر، فماذا يكسب أحدهما إذا نال من كرامة الآخر؟ الخاسر الوحيد الأكيد هو مصر.. هو الجميع.. كنت أتمنى أن يكون عنوان المقال: "مصر فوق القضاة والمحامين" لكنه للأسف مجافٍ للحقيقة.
- المفروض أن يتجمع الجميع في كلِّ القطاعات في إطار الكفاح السلمي في سبيل الحصول على الحريات العامة المنعدمة في مصر.. هل سنعمل ضد الفساد والاستبداد أم ضد بعضنا البعض!
﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).
--------------------
* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار