إن الذين مدحهم رسول الله صلى الله عليه بقوله "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" لهُم أقدر الناس على معرفة الطريق لتربية النفوس، ولقد تركوا لنا إرثا عظيمًا من الوسائل والطرائق، فتركوا لنا أصفى وأنقى زاد للتربية.

 

ومن وسائل التربية عند التابعين تربية النفس بالتدريب؛ لأنهم كما يقول عبد الله بن المبارك: "إن الصالحين فيما مضى كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفوًا، وإن أنفسنا لا تكاد تواتينا إلا على كره، فينبغي لنا أن نُكرهها" (صفة الصفوة- ج4، ص 377 ومختصر منهاج القاصدين، ص 461).

 

فالنفس لا تأتي الطاعات طوعًا، وإنما بالتربية والتدريب؛ حتى تصبح الطاعات سجية وسمة.. قال أحمد بن ثعلبة: سمعت سالم الخواص يقول: "كنت أقرأ القرآن، فلا أجد له حلاوةً، فقلت لنفسي: اقرئيه كأنك سمعتيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فجاءت حلاوة قليلة، ثم قلت لنفسي: اقرئيه كأنك سمعتيه من جبريل يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فزادت الحلاوة، ثم قلت لها: اقرئيه كأنك سمعتيه حين يتكلم به، فجاءت الحلاوة كلها" (حلية الأولياء- جـ8، ص 279 وصفة الصفوة جـ4، ص 478).

 

وهكذا وصل هذا التابعي الجليل إلى تذوُّق حلاوة الطاعة، ينتقل بنفسه مرحلةً بعد مرحلة.
إن آفة الدعاة اليوم أن يؤدوا الطاعات ولا يقيموها، ولا يتذوقوا حلاوتها.

 

فيا معشر الدعاة..

إن الطريق إلى تزكية النفس هو اعتياد الأفعال الصادرة من النفوس الزاكية الكاملة؛ حتى إذا صار ذلك معتادًا بالتكرار يصير لها بالعادة كما كان في النفوس الزاكية طبعًا، فيخفُّ عليه ما كان يستثقله من الخير، فمن أراد أن يُحَصِّلَ لنفسه خُلقَ الجود فطريقه أن يتكلَّف فعل الجواد، وهو بذل المال، ولا يزال يواظب عليه حتى يسير عليه  فيصير بنفسه جوادًا، حتى يصبح الجود طبعًا، وهكذا في كل الأخلاق والطاعات.. فكم من الأوقات تمر علينا من غير طاعة؟!

 

أما هذا الجيل الفريد فكانت نفسه تكره البطالة، ولذلك كان حرصهم الشديد على تدريب أتباعهم عليها.. قال عبد الله بن عبد الملك: "كنا مع أبينا في موكبه فقال: سبِّحوا الله حتى تأتوا تلك الشجرة، فنسبِّح حتى نأتيها، فإذا رفعت لنا شجرة أخرى نادى، وقال: كبروا الله حتى تأتوا تلك الشجرة فكان يصنع ذلك بنا" (الزهد- للإمام أحمد، ص279).

 

 

أشرف حسن طبل

وهكذا حتى يصبح التسبيح والتكبير سجيةً ملازمةً لهم، وكان الصالحون يقولون: كنا نتكلف الشيء حتى نؤتاه، قال أبو عدي: أقبل علينا داود بن أبي هند فقال: "يا فتيان، أخبركم لعل بعضكم ينتفع به، كنت وأنا غلام أختلف إلى السوق، فإذا انقلبت إلى بيتي جعلت على نفسي أن أذكر الله تعالى إلى مكان كذا وكذا، فإذا بلغت ذاك المكان جعلت على نفسي أن أذكر الله تعالى إلى مكان كذا وكذا، حتى آتي إلى المنزل" (حلية الأولياء- جـ3، ص92).

 

ومن الابتكار في تدريب الأطفال على الصلاة ما يصنعه هذا التابعي الجليل زبيد اليامي، وكان زبيد مؤذن مسجده، وكان يقول للصبيان: "تعالوا فصلوا أهب لكم الجوز، قال: فكانوا يجيئون ويصلون ثم يحوطون حوله، فقلنا له: لمَ تصنع هذا؟ فقال: وما عليَّ أن أشتري لهم جوزًا بخمسة دراهم ويتعوَّدوا الصلاة" (السابق جـ 5 ص 31).

 

ومن الابتكار أيضا ما كان يفعله التابعي الجليل سليمان التيمي (كان يأخذ ابنه المعتمر يدوران بالليل على المساجد فيصليان مرة في هذا المسجد ومرة في هذا المسجد، يعلمه الصلاة" (السابق- جـ5، ص31).

 

وإذا كان هذا تدريبهم على الصلاة، فإن هناك تدريبًا آخر على الإلقاء ومواجهة الناس، وهذا أحوج ما نحتاج إليه في المحاضن التربوية؛ أن نهتم بعنصر التدريب، وما خوف الكثير من أبناء صحوتنا الإسلامية من مواجهة الناس إلا بسبب غياب التدريب، فتراه إذا كلِّف بخاطرة، أو موعظة على المقابر، يحمرُّ وجهه، ويتلعثم لسانه، ومن ثم يعرض عن مواجهة أي جمع من الناس.

 

فهذا الحسن البصري يزور أخًا له في بيته، فيقول لأحد أبنائه: "حدثنا يا غلام، فقال: إنَّا لم نبلغ هذا يا أبا سعيد، فقال الحسن- رحمه الله-: "وأيُّنا بلغ هذا، ودَّ الشيطان لو تمكَّن من هذه- وهو أن يترك الناس التناصح بحجة أنهم ليسوا أهلاً لذلك- والله لولا ما أعقد الله على العلماء لم ننطق" (الزهد- للإمام أحمد، ص328).

 

وكم من عيون قد جفت وقحلت قساوةً، فلم ندرِّبها على البكاء؟!، إلا أن جيل التابعين له رأي آخر، يقول صالح المري: "للبكاء داعٍ: الفكرة في الذنوب، فإن أجابت على تلك القلب، وإلا نقلتها على الموقف وتلك الشدائد والأهوال، فإن أجابت على ذلك، وإلا عرض عليها التقلب في أطباق النيران، قال: ثم صاح وغشي عليه وتصايح الناس من نواحي المسجد" (صفة الصفوة- جـ 3، ص247).

 

فإذا وجدت من عينك جفافًا، فدربها كما فعل التابعون.

كذا الفخر يا همم الرجال   ****   تعالي فانظري كيف المعالي

------------

* الباحث بكلية دار العلوم- قسم الشريعة الإسلامية.