الأزمة في علاقات مصر والجزائر أزمة مركبة، اختلطت فيها العوامل الرسمية والشعبية، النفسية والرمزية، الوطنية والقومية؛ ولذلك فإن دراسة أثر زيارة الرئيس مبارك للجزائر يوم 4/7/2010م؛ لتقديم العزاء في وفاة شقيق الرئيس الجزائري، تتطلب فهم مكونات هذه الأزمة، ومدى العمق الذي وصلت إليه في مدركات الشعبَيْن، ودور كلٍّ من النظامَيْن في مصر والجزائر في إذكائها، وهذه دراسة ضرورية؛ لأن مركب هذه الأزمة ومضي الزمن عليها يزيدها تقيحًا وعفونةً، تجعل علاقات البلدين حساسة وقابلة للتفجير مع كل حدث.

 

ولعل أهمية هذه الزيارة، وإن تمت بمناسبة اجتماعية؛ هي أنها يجب أن تفتح الباب إلى مثل هذه الدراسة التي يجب أن تبدأ بتحليل نشأة الأزمة وتطورها ثم تعقيدها، ووصولها إلى درجة من البؤس، دفعت "بيريز" رئيس الكيان الصهيوني إلى أن يعرض على الطرفين التوسط لحلها، وكانت تلك قمة "الميلودراما" في المشهد العربي.

 

وإذا أردنا أن نقدِّم أفكارًا لمثل هذه الدراسة التي يجب أن يشترك فيها طرف ثالث عربي يقبله الطرفان، فإنه يمكن أن نحدد مدخلين للدراسة، المدخل الأول: هو المرتبط بسوء النية، والآخر: المرتبط بالعجز عن تدارك التداعيات، فانجرف كل طرف إلى الحضيض، دون أن يقوى على التماسك في مواجهة هذه التداعيات، فاستقرت العلاقات في النهاية عند القاع السحيق، وأصاب الضرر دولاً أخرى مثل السودان، كما ظهرت مصر في العالم العربي بمظهر الدولة المنبوذة، بل إن تليفزيون دبي خصَّص حلقة في سلسلة برامجه التي أُذيعت في مايو ويونيو 2010م حول مشاكل العالم العربي، لمناقشة السؤال الذي طرحته الأزمة، وهو لماذا يكره العرب بعضهم بعضًا؟، وقد حاول عدد من المثقفين ممن يعرفون حساسية العلاقة ودقتها وتاريخها المجيد أن يتواصلوا، وأن يعلو صوت العقل وسط التردي في المشاعر الشعبية المتبادلة.

 

ولكن الكسر قد وقع والنفوس قد امتلأت حتى أضافت الحوادث البسيطة اللاحقة- مثل مباريات الفريق الجزائري في المونديال، ثم هزيمته وخروجه- الكثير إلى هذه الأزمة، ورغم ممارسة المسئولين في البلدين لبعض الفعاليات الرسمية، مثل انعقاد اللجنة المشتركة العليا في الجزائر وغيرها، إلا أن تلك المظاهر لم تعالج صلب الأزمة، التي وصلت إلى نخاع المواطن الجزائري العادي، وقد أفزعني أن أعرف من الإخوة الجزائريين في مناسبات لاحقة أن المواطن الجزائري لم يعد يطيق أن يرى الأفلام المصرية بعد قرار نقابة المهن السينمائية المصرية مقاطعة الجزائر، كما لم يعد يطيق أن يرى مصريًّا في الجزائر، وأن المصريين تعرضوا لأبشع أنواع الاضطهاد خلال أيام الأزمة، بل إن الطلبة الجزائريين بمعهد الدراسات العربية قد نقلوا دراساتهم إلى دمشق، وصارت مصر حكومة وشعبًا في نظر الجزائريين خارج دائرة العروبة، ودخلت في تحالف أبدي مع الكيان الصهيوني لدرجة أن النسر في العلم المصري قد رُفع ووضعت مكانه نجمة داوود؛ فاتخذت الأزمة زخمًا جديدًا خطيرًا مفاده أن تهويد القرار المصري هو الذي أشعل الأزمة، ووضع مصر في موقع الاستهداف لكل ما هو كريه بجوار الصهيونية و"إسرائيل".

 

وقد استدعت هذه العوامل تربص الجزائريين لكل موقف مصري يبدو ضارًّا بالفلسطينيين، مثل أزمة معبر رفح، وزاد تعاطف الجزائريين مع أهالي غزة نكاية في الموقف المصري، بل إن المدرك الجزائري الرسمي والشعبي قد سعى إلى تدوير منصب الأمين العام للجامعة العربية، ما دامت مصر في نظرهم قد خرجت من قلب العروبة، وزاد التأكيد على الفكرة، والتي كانت قد طُرحت منذ عدة سنوات، ويبدو أن زيارة مبارك في نظر الجزائريين التي بدت مفاجئةً، ودون مقدمات قد فُهمت في نطاق النظرة السلبية لكل ما هو مصري، لدرجة أن تراث كبار المثقفين المصريين كطه حسين والعقاد وغيرهم قد رُفع من المقررات الدراسية في الجزائر.

 

فالزيارة بدت في أحسن الأحوال بطابع المجاملة الشخصية بين الرئيسَيْن، كما بدت عند بعض المحللين الجزائريين على أنها جزء من سعي مصر في إطار المخطط الأمريكي؛ لحشد الدعم المعادي لإيران، ولا علاقة لها بالسعي لتنقية الأجواء، وبالطبع فإن الصحف الصهيونية قد سعت هي الأخرى لتجريد الزيارة من أي طابع إيجابي، حتى تظهر أن الأزمة أعقد بكثير من زيارة عابرة لم تتخللها مظاهر أو كلمات معلنة تبدأ بها صفحة جديدة أو مرحلة انتقالية؛ لمواجهة تداعيات هذه الأزمة، بل هناك من استرجع حادثة انتشر خبرها بين الناس حينذاك في الجزائر، وهي أن الرئيس الجزائري قد أقال أحد وزرائه الذي كان يصدِّر الغاز الجزائري مجانًا لمصر؛ لإعانتها على سد التزاماتها من الغاز للكيان الصهيوني، وربما كان هذا الخبر قد ارتبط بحرص "بيريز" على الوساطة حتى يظل الجانب المصري قادرًا على تصدير الغاز بالكميات والأسعار التي أثارت جدلاً واسعًا في مصر.

 

ورغم أن الدراسة المتأنية والموضوعية للأزمة وتطوراتها ضرورية؛ لتنقية العلاقات الجزائرية المصرية، إلا أن الملاحظ للعلاقات بين الدول العربية يجدها تتسم بطابع خاص قابل للانفجار بشكل عام إذا انزلقت إليه النظم العربية.

 

فالنظم العربية ومواقفها في الأزمات حاسمة في توجيه الشعوب، خاصةً أن الشعوب العربية التي تعاني من الإحباط تجد مع هذه النظم في مثل هذه الأزمات فرصة للانصراف عن ملحمة الصراع اليومية بين الشعوب والنظم في بعض الدول، مثل مصر بالذات، فأصبحت الجزائر في نظر مصر الشعب والدولة هي الصيد الجديد الذي أسهمت الحكومة في تكريسه بتصريحات خرقاء بدواعي الوطنية المزيفة، وتصوير الأمر على أن الجزائر قد أهانت مصر وشعبها، وأن معاداة الجزائر من فروض الوطنية المصرية.

 

أما الجزائر فإن إطلاق العنان في مصر للهوام في الإعلام الرياضي وغيره للنيل من الثورة الجزائرية وشهدائها، قد أورث الجزائريين جرحًا غائرًا، رغم أن مصر هي التي شاركت في ملحمة الثورة والتحرير، ولم يلتفت المدرك الجزائري إلى أن مصر التي شاركت في دعم الثورة، ليست هي مصر المتهمة بالتواطؤ مع الكيان ضد أهالي غزة، وتلعب أدوارًا لصالح هذا العدو.

 

فأصبح عداء مصر عند الجزائريين انتقامًا من مصر لمواقفها مع الصهاينة، وزخمًا وطنيًّا ينتقم لشهداء الثورة دون تمييز بين إعلام هابط للموساد له دخل كبير في توجيهه، وشعب استفزت غرائزه بعد حادث أم درمان، وتعرَّضه لعملية منظمة من الشحن، فأطلق الشعبان غرائزهما نحو الهاوية، بل ارتفعت أصوات موسادية في مصر تطالب بالهجوم العسكري على الجزائر، وركب بعض الانتهازيين المحترفين الموجة لدفع مصر نحو مزيد من الدمار، فطالب بأن تدعم مصر المغرب في قضية الصحراء نكاية في الجزائر، ثم يتجدد الجرح مع كل حادث جديد، وأصبح النَيْل من الجزائر في مصر هو صك الوطنية، مثلما أصبح النَيْل من مصر هو صك الوطنية والاعتزاز بالثورة في الجزائر.

 

إنني أرجو أن تتكون لجنة تحقيق من المثقفين العرب؛ لإجراء هذه الدراسة المعمقة التي تساعد البلدين على تجاوز تداعيات هذه الأزمة التي طالت الانتماء العربي للجزائر، والتي تعرضت لمؤامرة منسقة يبدو للموساد يد واضحة فيها، لأن إدارة الأزمة بقصد إشعالها ليست الطريقة العربية المعتادة في الإدارة، وعلى الدراسة أن تكون دقيقة في رصد أسباب الأزمة وتطورها والمواقف الشعبية الحقيقية في البلدين، وربما لفتت هذه الحالة نظر مراكز البحوث العربية إلى دراستها قبل أن تتلقفها المراكز الصهيونية، فتضع فيها حجر الأساس في الأدبيات السياسية الدولية.

 

والخلاصة.. الزيارة في تقديري يمكن أن تفتح الباب أمام الدراسة؛ لكنها في ذاتها محدودة الأثر ما دامت الأزمة لم تكن على السطح على الأقل ظاهرة في ثوبها الرسمي، ولم تكن مشاركة النظامين المأزومين فيها من الناحية الرسمية سببًا في تأجيجها.