- الموطنون يصرخون: "مش لاقيين ناااااكل"

- التجار: حركة البيع تتراجع والحكومة المسئولة

- د. جهاد صبحي: الاقتصاد الإسلامي طوق النجاة

- تيمور عبد الغني: تجميد الشراء يخفض الأسعار

- محمود العسقلاني: الحل في إسقاط رجال الأعمال

- حسن عماد مكاوي: اتهام رشيد للإعلام.. هروب

 

تحقيق- إيمان إسماعيل:

صدقت توقعات خبراء الاقتصاد الذين حذَّروا من موجة غلاء جديدة ستكتسح الأسواق المصرية خلال الفترة المقبلة كنتيجة سنوية معتادة مع توقيت صرف علاوة الحكومة "الهزيلة" من كل عام، والتي يعقبها حالة جنونية لأسعار معظم السلع.

 

ما زاد الطين بلة هذا العام، أن موعد صرف العلاوة الجديدة تزامن مع قرار الحكومة المصرية برفع أسعار الطاقة للصناعات التي لا تستخدم الطاقة بكثافة؛ وذلك في إطار خطتها لإلغاء تدريجي للدعم لجميع الصناعات؛ وهو ما أدَّى- دون مبرر وفي ظل الغياب الحكومي والرقابي عن الأسواق- إلى حدوث عاصفة جديدة من غلاء الأسعار، طالت معظم السلع الغذائية والإستراتيجية.. حيث وصل سعر الكيلو من الفراخ إلى 21 جنيهًا بدلاً من 15 جنيهًا، بحسب المشاهدة الميدانية التي قام بها (إخوان أون لاين) في الأسواق لرصد أسعار السلع والمنتجات على أرض الواقع، ووصل سعر اللحمة الكندوز إلى ما يزيد عن 55 جنيهًا بعدما كانت بـ43 جنيهًا، ووصل سعر كيلو البتلو إلى 70 جنيهًا بعدما كان بـ55 جنيهًا، فضلاً عن ارتفاع سعر كيلو الزيت إلى 15 جنيهًا بدلاً من 9 جنيهات، وارتفع سعر الأرز من 2.5 إلى 4.5، والسكر من 4 جنيهات للكيلو إلى 6 جنيهات.

 

وعلى نطاق الخضروات والفاكهة تضاعف سعر الخيار من 1.5 إلى 3 جنيهات للكيلو، وكذلك الطماطم فارتفعت من جنيه واحد للكيلو إلى جنيهين، ووصل سعر البطاطس من 1.5 إلى 3 جنيهات للكيلو، أما العنب فمن 4.5 إلى 7 جنيهات للكيلو، ووصل سعر كيلو التفاح من 3.5 إلى 7 جنيهات، أما الخوخ فارتفع سعر الكيلو من 5 جنيهات إلى 15 جنيهًا!!

 

وأكد الخبراء أن ذلك يثبت زيف ادعاءات الحكومة التي أعلنت أنها ستستقطع من أموال الأغنياء حتى تنفق على الفقراء، مشيرين إلى أن موجة الغلاء الحادة التي تشهدها الأسواق المصرية حاليًّا في مختلف القطاعات الغذائية من "اللحوم، والخضروات والفاكهة، والزيوت والسكر وغيرها" بعد أيام من صرف العلاوة؛ يثبت أن الحكومة تسعى لنهب قوت الفقراء حتى تنعش الأغنياء وكبار رجال الأعمال!

 

وأوضحوا أن لجوء الحكومة إلى خفض دعم المنتجات البترولية مع فرض الضرائب الباهظة؛ دفع بالموزعين والتجار والمنتجين بنقل ما يُسمَّى بـ"عبء الضريبة" إلى المواطن، والتي أدت إلى تضخم وارتفاع الأسعار بذلك الشكل، مشيرين إلى أن ترويج الحكومة لأكذوبة "دعم المشتقات البترولية"، هو خداع للمواطنين؛ حيث إنه غير منطقي أن يتم تحديد سعر البيع للمواطنين ومساواته بسعر البيع العالمي.

 

وأضافوا أن الحكومة تريد زيادة إيراداتها العامة على حساب المواطنين، دون النظر للوضع الذي وصل إليه الشعب المصري، وهو ما جعل الأسعار المصرية الأعلى على الإطلاق في العالم.

 

وفيما يتعلق بتأثير ارتفاع الأسعار على المواطنين ورأيهم في ذلك، تقول سهير فتحي- موظفه: "حسبي الله ونعم الوكيل في الحكومة، أنا وزوجي نعمل في القطاع الحكومي بمرتبات متدنية، ولدينا 3 أولاد في المدارس والجامعة؛ فكيف نحيا حياة كريمة، ونستطيع أن نوفر لهم التعليم والمأكل في ظل تلك الأسعار الجنونية"، مضيفه أنهم قاموا بالاستغناء عن اللحمة تمامًا ولا يأكلونها إلا كل 3 أسابيع حتى يستطيعوا مواجهة الأسعار!!

 

ويوافقها الرأي عبد المجيد محمود- مدرس، قائلاً: "لأكثر من أسبوع مضى لا نأكل أنا وزوجتي وأولادي الخمسة سوى فول في الإفطار وطعمية في الغداء وعيش حاف في العشاء، فذلك هو ما يريده رئيس الوزراء للمواطن المصري"!!

 

ومن أمام إحدى منافذ البيع بالجملة بوسط البلد، وجدنا امرأةً تحمل "شنط" بها العديد من المشتريات، فأسرعنا إليها لسؤالها عن السبب في ظل غلاء الأسعار، فقالت: "منذ أن ارتفعت الأسعار بدءًا من الأسبوع الماضي؛ اتفقنا أنا وبعض من أصدقائي على شراء كميات كبيرة من منافذ البيع بالجملة من اللحوم والخضروات والزيوت والسمن والسكر والأرز حتى تكون بسعر أرخص ونقوم باقتسامها فيما بيننا لمحاولة مواجهة بطش التجار والحكومة".

 

وتضيف فاتن عبد العزيز "مهندسة معمارية"، قائلةً: "تم فسخ خطبتي الأسبوع الماضي بسبب غلاء الأسعار الفاحش ليس في الأثاث المنزلي فقط بل إن خطيبي السابق أوضح عجزه عن القيام بالصرف على المنزل حتى في نفقات الطعام بالشكل المرضي في ظل تدني الرواتب واشتعال الأسعار، حسبي الله ونعم الوكيل في الحكومة من أصغر مسئول لأكبر واحد فيها"!!


ويقول محمد الضبع- موجه لغة عربية: "راتبي لا يتعدى الـ 375 جنيهًا في ظلِّ وصول اللحمة الكندوز إلى 55 جنيهًا، ووصول الخوخ إلى 15 جنيهًا للكيلو، والزيت إلى 13 جنيهًا؛ ما المطلوب من موظف كحالتي لديه 4 أطفال وزوجة وراتبه بهذا الشكل؟! فأنا أطالب الحكومة بأن تحل تلك الأزمة، وتلتفت إلى أحوالنا المتدنية غير الآدمية، فإن لم تستطع فعل شيء فعليها أن تستقيل على الفور إن كان لديها قطرة من دم".

 

وتقول داليا عبد الفتاح: "استحملنا الحكومة كتير على الرغم من فساد الكثير من الأغذية، خاصةً في الخضروات والفاكهة، والتي نَصْرِف أضعاف أضعافها على نفقات العلاج؛ لما أحدثته في صحتنا، أما أن تقوم برفع الأسعار إلى ذلك الحد مع استمرار فساد الأغذية فذلك شيء لا يطاق".

 

ركود البيع!

سجلت مشاهداتنا الميدانية بالأسواق العديد من المشاجرات بين المواطنين والتجار؛ بسبب ارتفاع الأسعار، فمن أمام أحد منافذ بيع اللحوم بالسيدة زينب كان من الكاد أن نعثر على شخص قام بالشراء، فأغلب المواطنين اكتفوا بالسؤال عن الأسعار أو سبِّ الجزارين فقط، وبسؤال أحد التجار عن الأحوال قال: "الأسعار نار وليس بأيدينا شيء، فعلى المقتدر الشراء وعلى الفقير التحمل إلى أن تحرِّك الحكومة ساكنًا وذلك ليس ذنبنا نحن"!

 

ويضيف فهمي عوض- جزار سابق وحاليًّا صاحب محل لبيع الدواجن- قائلاً: "منذ سنوات كنا نرى أن من يتاجر في اللحمة فهو شخص غير متزن عقليًّا؛ نتيجة لإعراض المواطنين عن أكل اللحوم، وبالتالي يتكبد التاجر خسارة فادحة، أما تلك الأيام فنرى أنه حتى من يتاجر في الفراخ، فهو مختل عقليًّا؛ لأن ما نقوم ببيعه قليل جدًّا، لا يغطي رواتب العاملين، ولا يعود بأي نفع علينا".

 

ويقول مدير إحدى محال السوبر ماركت الشهيرة بوسط البلد: "إن الأسعار نار، وذلك ليس ذنبنا لأننا كتجار سنرفض الخسارة؛ لأننا قائمون على بيوت، ولدينا أولاد أيضًا في حاجة إلى أن نصرف عليهم، ولكن اللوم الأول والأخير على الحكومة التي لم تلقِ بالاً لارتفاع أسعار الطاقة، والتي كبدتنا الكثير"!

 

وبإحدى أسواق الخضروات والفاكهة بحي عابدين يقول المعلم أحمد: "إن الأسعار زادت أكثر من الضعف في خلال أسبوع واحد، ويؤكد أن حركة البيع انخفضت للنصف، حتى من يقوم بالشراء لا يشتري سوى كيلو واحد من الصنف أو نصف كيلو".

 

طوق النجاة!

 الصورة غير متاحة

 د. جهاد صبحي

وعلى صعيد الخبراء، يقول الدكتور جهاد صبحي أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر: "إن زيادة الأسعار بذلك الشكل الجنوني يعود إلى فشل الحكومة في زيادة الإنتاج؛ ما أدَّى إلى حدوث درجات متفاقمة من التضخم، متمثلة في ارتفاع الأسعار"، ومؤكدًا أن الحكومة والتجار متهمان في تلك الأزمة باستغلال المواطنين.

 

ويُرجع تلك الأزمة أيضًا إلى رغبة الحكومة في تطبيق الاقتصاد الرأس مالي بما يخدم فئة قليلة من المجتمع هي فئة رجال الأعمال، موضحًا أن تلك النظرية تسمى في الاقتصاد بنظرية الـ20%، والتي تستحوذ على 80% من الناتج القومي.

 

ويشير إلى أن تكرار ارتفاع الأسعار كل فترة قليلة بشكل جنوني، يعود إلى عدم وجود رغبة حقيقية لدى الحكومة في أن تضع إستراتيجية محددة لزيادة الإنتاج ومعالجة الوضع القائم، بالإضافة إلى عدم وجود رؤية مستقبلية واضحة، وبالتالي يتحمل المستهلك عبء ذلك التراخي والفشل وحده.

 

ويرى د. جهاد أن علاج تلك الأزمة متمثل في ضرورة زيادة معدلات الإنتاج الحقيقي من السلع الحقيقية، مع تخفيض الحكومة من توجيه استثماراتها في السلع الكمالية بجميع أنواعها، ومع الابتعاد كلَّ البعد عن خصخصة المشروعات والجمعيات العمالية.

 

ويضيف قائلاً: إن اللجوء والركون إلى الاقتصاد الإسلامي بصورة متكاملة هو طوق النجاة الوحيد من تلك الأزمات المتكررة، والذي سيعمل بدوره على تكامل دور القطاع الخاص مع العام، وسيجعل للدولة دورًا حقيقيًّا في النشاط الاقتصادي، بالإضافة إلى نشره للقيم والأخلاق الحسنة بين التجار.

 

رضوخ التجار

 الصورة غير متاحة

تيمور عبد الغني

ويحلِّل تيمور عبد الغني عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب عن اللجنة الاقتصادية، قائلاً: "إن عدم مرونة الجهاز الإنتاجي جعلت العلاوة تمثِّل قوة شرائية جديدة تُضَخُّ داخل المجتمع، فزادت من حجم التضخم بشكل جنوني، بالتزامن مع استغلال التجَّار لفرصة صرف العلاوة الاجتماعية أول يوليو، واستغلالهم لفترة الاقتصاد الحر؛ أدَّى إلى اشتعال الأسعار لذلك الحد.

 

ويرى أن تقاعس جهاز حماية المستهلك عن القيام بأيٍّ من مهامه في المجتمع، بالإضافة إلى انعدام الرقابة الحكومية، هما السببان الرئيسيَّان في تكرار مثل تلك الأزمات كل فترة.

 

ويطالب بضرورة وجود مجلس نيابي قوي يستطيع أن يمارس سلطة الرقابة ومحاسبة الحكومة على أكمل وجه، مع السماح لتداول السلطة وعدم حكرها على حزب معين، حتى يكون هناك سعي حثيث لتحقيق مطالب المواطنين وحمايتهم، لافتًا النظر إلى أن تزيف انتخابات مجلس الشعب القادمة ستكون بمثابة الكارثة الكبرى على كهول المواطنين، وستتضاعف فيها الأسعار بشكل جنوني؛ لعدم وجود أعضاء حقيقيين يعبرون عن مطالب وحقوق شعبهم.

 

ويرى أن نشر ثقافة الاستهلاك والادخار، مع تجميد الإنفاق على السلع الاستهلاكية حسب احتياجات كل أسرة مع البعد تمامًا عن السلع الترفيهية من "المياه الغازية، الكاتشب.. وغيرها" سيساعد من تخفيف وطأة الأزمة الحالية، مع تكاتف كافة المواطنين بمقاطعة بعض البضائع خلال فترة معينة سيُجبر التجار على الرضوخ لمطالب المستهلكين.

 

ويضيف أن تربية الأسرة على قيم الاعتدال، مع الادخار والاستهلاك في الحدود المتوسطة، بالإضافة إلى القيام بعملية بحث في الأسواق قبل الشراء، والعمل على تفعيل جهاز حماية المستهلك يجعل احتمالية أن يعود السوق المصري إلى اعتداله واردًا بقوة خلال الفترة القادمة.

 

دور المستهلكين

 الصورة غير متاحة

محمود العسقلاني

ومن ناحيته يقول محمود العسقلاني رئيس حركة "مواطنون ضد الغلاء": إن موجة ارتفاع الأسعار السبب الرئيسي فيها الحكومة بالاشتراك مع القطاع الخاص، فضلاً عن زيادة ضريبة المبيعات على السجائر والإسمنت والحديد.

 

ويوضح أن الدولة تُبيِّن مع كل أزمةٍ أنها تنحاز إلى الأغنياء فقط على حساب قوت الفقراء ومحدودي الدخل، متسائلاً: إذا كانت الدولة قامت بزيادة ضرائب المبيعات على المستهلكين، فأين ضرائب رجال الأعمال؟!

 

ويستنكر أن في الوقت الذي يتم إعفاء شركة "بالم هيلز" لصاحبها منصور المغربي من دفع الضرائب إلى عام 2016م تقوم الحكومة بسعي حثيث لجبايتها من الفقراء والشعب المطحون برفع الأسعار بشكلٍ جنوني.

 

ويشدِّد العسقلاني على ضرورة أن يكون هناك دور قوي للمستهلكين من خلال الإعلان عن أنفسهم في انتخابات مجلس الشعب القادمة، ولو بشكلٍ رمزي، مع التكاتف لإسقاط رجال الأعمال من الوجود في مجلس الشعب القادم، مشيرًا إلى أن أوروبا لا تجرأ الحكومة فيها على اتخاذ قرار ضد مصلحة المستهلكين؛ نظرًا للدور الفعال الذي يقومون به.

 

ويطالب بضرورة ردع التجار وتلقينهم درسًا قاسيًا من خلال مقاطعة البضائع لفترة ما والبحث عن بدائل، ضاربًا مثلاً على ذلك بأسعار الدواجن التي تمثل جريمة كبرى؛ حيث تخرج من المزرعة بسعر 13.5، ويتم بيعها للمواطنين بـ17 جنيهًا للكيلو!.

 

هروب من المسئولية!

 الصورة غير متاحة

رشيد محمد رشيد

وردًّا على تصريحات وزير التجارة والصناعة رشيد محمد رشيد، والذي حمَّل فيها الإعلام وحده أزمة اشتعال الأسعار، متهمًا إياه بتحريض التجار على رفع الأسعار، يقول الدكتور حسن عماد مكاوي رئيس قسم الإذاعة والتلفزيون بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، إن ذلك الاتهام غير صحيح بالمرة؛ حيث إن مهمة الإعلام الأولى هي نقل الواقع كما هو والالتزام بالدقة والحقيقة.

 

ويضيف أن دور الإعلام في تلك الأزمة هو نقل الواقع بدقة وموضوعية حتى يتم فضح المتخاذلين والمتسببين في غلاء الأسعار أمام الرأي العام، مشيرًا إلى أن تلك مهمة الإعلام الرئيسية، والتي لو تقاعس عنها لغاب عن المواطنين المتسبب الأساسي في غلاء الأسعار، وازداد التلاعب الذي يتم في الخفاء ضد مصلحة المواطنين.

 

ويشير إلى ضرورة أن يقوم الإعلام في تلك الأزمة بفضح كبار التجار المتورطين في تلك الأزمة، مع التحدث إلى المسئولين، وسماع مبرراتهم في عدم ضبط السوق وعرضها على الخبراء والمحللين؛ للوصول إلى حلولٍ رادعة، كل ذلك أمام مرأى ومسمع المواطنين من خلال وسائل الإعلام.

 

ويرى أن تلك التصريحات هي مجرد تصريحات هجومية تُلقي باللوم على الإعلاميين حتى يتم الخروج من المأزق وإخلاء المسئولية، مشدِّدًا على ضرورة تمسُّك الإعلام بدوره في فضح الفاسدين، ونقل الحقائق إلى المواطنين.