د. زكريا سليمان بيومي

"الحصانة" مصطلح عرفه الناس من خلال العلاقات السياسية بين الدول، يتوفر بموجبها نوع من الحماية للعاملين في الحقل السياسي أو الدبلوماسي، لا يتعرضون بموجبها لأي عدوان من قِبل المعارضين لسياسة دولهم، في البلدان التي يمثلون بلادهم فيها.

 

وعُرفت الحصانة التي منحت رجال القضاء منذ عصور بعيدة في الحضارة الرومانية والإسلامية وغيرها ضمان عدم تعرُّض القاضي لأية ضغوط قد تؤثر في أحكامه، أو تعرضه للإيذاء من قِبل من صدرت ضدهم الأحكام، فوفَّرت لهم الدولة نوعًا من الحصانة التي تعني الحماية والحرية.

 

وحين كان الدعاة المسلمون يعتلون منابر المساجد لنشر الدعوة التي تساند الدولة، أي كانت الدولة وسيلة لها؛ لم تتوفر لهؤلاء الدعاة حصانة، بل كان الأمر شورى، يقبل تعدد الآراء واختلافها بحرية كاملة، فترسَّخ دور المسجد على كونه منبرًا، تُناقش فيه القرارات السيادية التي تحدد مصير الأمة، ولكن حين تغيَّر الأمر وتحوَّلت الدعوة إلى خدمة الدولة، واستأثرت الدولة بالأمر، ووفَّرت الدولة حصانة للدعاة باسم الحفاظ على هيبة الدين، وحُرم الناس من حرية النقاش، واستأثر دعاة الدولة بمنبر منحوا فيه أنفسهم مطلق الحرية التي سُلبت من الناس، ولم يصبح من حق أحد مناقشة من يعتلي المنبر في معلومات موجهة أو خاطئة، وفتح الباب للجهلاء وأرباع المثقفين لاعتلاء المنبر، الذين غرَّتهم حصانته التي احتمت بالدين أو الدولة، أو كلاهما، فظنوا أنهم وحدهم الذين يفهمون الحقيقة، ويستأثرون بمفاتيح الجنة، ويمنحون صكوك الغفران، وفقد المسجد بهم هيبته ودوره الأساسي.

 

وعلى نفس شاكلة دعاة الدولة، حاول المشتغلون بوسائل الإعلام الاحتماء بالحصانة على اعتبار أنهم منبر آخر يسعى للدفاع عن حقوق الكادحين، وكذلك ترسيخ مفهوم الحرية، وهم بهذا يحتاجون إلى حماية وحرية، ووفَّرت لهم العديد من الجمعيات السرية في سابق هذا المطلب من الحرية في إطار صراع النفوذ والمصالح، كما نعموا بقدر من ذلك من قِبل الدول والأنظمة السياسية في إطار صراعها، أو دعم نفوذها ووجودها، أو استمرارها.  ولتنامي تأثيرهم أصبحوا قوة في حد ذاتهم، وأطلقوا على أنفسهم في الزمن الحالي "السلطة الرابعة"، وازداد نفوذهم وتأثيرهم مع ازدياد وسائل الإعلام إلى درجة كبيرة، ولم يقلل من سقف الحرية التي منحها الإعلام لمنتسبيه وجود البعض منهم من حملة المباخر والمداهنين للسلطة السياسية والساعين والمروجين لانتقاص حرية بعض الشرائح الاجتماعية.

 

وكذلك وجود العديد من الجهلاء وجامعي أعقاب الثقافات الذين استغلوا مناخ الحرية في هذه الوسائل، فأصدروا الأحكام الخاطئة، ونشروا المعلومات المبتورة والمنقوصة والمغرضة دون حسيب أو رقيب، فحين تتابع بعض البرامج في الفضائيات، ويضيق صدرك من المعلومات المشوهة التي يطلقها مقدمو البرامج تعييك وسيلة الاتصال بهم، فهي مسألة مبرمجة، وإذا ساعدك الحظ وشاءت إرادة المعد لتقبل اتصالك؛ فعليك أن تساير ما ذكره من معلومات، أو يقطع عليك الخط، وإذا سمح لك في ظرف طارئ أن تكمل رأيك المخالف للمعد، فيكون جزاؤك التسفيه لرأيك واتهامك بالجهل، وأنت لا تملك حرية الرد، أما إذا نالك شرف الاستضافة في أيٍّ من هذه القنوات من باب "زركشة الجلسات"، لا أن يُستفاد بما لديك من علم، فشكل التساؤلات والوقت المتاح للجواب وإدارة النقاش لن تسمح إلا بأن تُساق حيث يريد أهل الحصانة دون أي حرية في إظهار الحقيقة، وتشعر أنك في تمرين على تقبل القهر والديكتاتورية من "أدعياء الحرية"، وتسيد الساحة بهم ومن خلالهم أنصاف المثقفين على حساب غياب أهل العلم والمعرفة من العلماء البارزين.

 

ومن الذين يطالبون بالحصانة أيضًا في الفترة الأخيرة "نقابة المحامين"، باعتبار أن المحامين حلقة من حلقات التقاضي وإرساء العدل، فإذا أدركنا عدد خريجي الحقوق وعدد كليات الحقوق لعلمنا حجم طالبي الحصانة، ولم يعِ هؤلاء أن كليات الحقوق تقبل أدنى مجموع في الثانوية العامة، أي أضعف شرائح الطلاب المصريين، إلا النادر الذي يعشق هذا الفرع من العلوم، وأصبحت المسألة تحكمها المصالح والصوت العالي، وليست المبادئ كما هو حادث من تصادم المحامين ورجال القضاء أخيرًا.

 

وأصبح من اللائق، وسط هذا الزحام من طالبي الحصانة؛ أن تتوافر لصناع كوادر الحصانة، أي أساتذة الجامعات؛ فهم الذين يعلِّمون الدبلوماسي والقاضي والمحامي والإعلامي، وهم أصحاب الموائد العلمية الدسمة التي يقتات من فتاتها كل هؤلاء، وهم دعاة حرية الفكر التي قد لا تتوفر في بعض المجتمعات إلا داخل الجامعة، فهم أولى بحصانة تحمي دعمهم حرية الفكر، والتي يحول دونها صدامهم المتوالي مع الأنظمة السياسية.

 

وهناك حصانة مؤقتة يحصل عليها نواب المجالس النيابية؛ من أجل حمايتهم وتوفير الحرية لهم في دفاعهم عن حقوق الكادحين، فيستثمرها البعض في غير ذلك من مصالح، وبدلاً من مراقبة السلطة التنفيذية ومطالبتها بتحقيق قدر من العدل يستخدمونها في التقرُّب إلى هذه السلطة؛ لنيل الامتيازات، بل إن أحدهم قد طالب بإطلاق الرصاص على المتظاهرين من أصحاب الحقوق من هؤلاء الكادحين الذين أوصلوه للحصانة، هذا إلى جانب حصانة رجال الأعمال والمستثمرين، التي انتزعوها انتزاعًا وفرضوها بالمال.

 

والغريب بعد ذلك أنه لم يتبق من شعب مصر محروم من الحصانة، وما توفره من الحرية سوى جموع الفلاحين والعمال مع أساتذة الجامعات، على الرغم من أنهم هم الذين يوفِّرون مقومات الحياة الأساسية، مادية وفكرية؛ للمتمتعين بالحصانة أو الساعين إليها، وأصبح على الفلاح أمام هذا الفقر أن يستنهض من داخله الفلاح الفصيح؛ لكي يتعلم منه كيف يتحدث مع الفراعنة الجدد من المتمتعين وحدهم بالحصانة، وبقي على العامل أن يتمرد على سادته من أصحاب الحرية والحصانة، والمهيمنين باسم رأس المال، كما هو حادث الآن.

 

فليس من المعقول أن يتمتع "لابس" الحذاء بالحرية، ويُحرم منها صانع الحذاء الذي لولاه لأصبح عليَة القوم حفاة، وليس من المعقول أن يتمتع أصحاب الحصانة بالخبز، ويحرم منها صانعه الذي لولاه لبات هؤلاء جوعى.

 

لقد أصبحت الحصانة التي تمنح أصحابها الحرية المطلقة في مصر حكرًا في الغالب على الأغنياء دون الفقراء، وأصبح استخدامها قاصرًا على الكسب السريع، مهما كانت مصادره، والتحكم في الأسعار وتدعيم الاحتكار على حساب الكادحين المقهورين من الفقراء، حتى حصانة الدعاة في المساجد قد أصبحت حكرًا على من يحملون مفاتيح الجنة، ويدعون بالعلم المطلق وهم دون ذلك.

 

إننا في مصر في حاجة ماسة إلى العودة؛ للبحث عن تقويم متوازن متحضر، يرضي الله في تحديد العلاقة بين الحصانة والحرية، وإلا فاجأنا المحرومون من الحصانة والحرية وطلاب العدل الاجتماعي بتمرد يتيح لهم الحرية على حساب المحتمين بالحصانة.

 

لا بد من مراجعة رأي الناس فيما هم مكبلون بتكاليفه في الإعلام والمساجد والمجالس، ووقف سياسة الفرض التي تجبرهم على الدفع والاستماع والرضوخ؛ لا بد أن يترسَّخ مفهوم الحرية في الإعلام، وليس الفرض والاحتكار، ولا بد للمسجد أن يستعيد دوره كديوان يناقش قضايا المحرومين والمهمشين، ولا بد.. ولا بد.. قبل فوات الأوان، فهل سننتبه؟...  

-----------------

* أستاذ التاريخ الحديث بجامعة المنصورة