![]() |
|
أشرف حسن طبل |
ولقد وصلت سفاهة هؤلاء المفسدين أن ألصقوا التهم بالدعاة المخلصين، الذين ينشدون السعادة للبشرية في ظلال شريعة الإسلام الوارفة، بل امتدت سفاهة هؤلاء المفسدين لتنال من الدين نفسه، وتصوره للجماهير المخدوعة على أنه سبب التأخر والتخلف.
ولعل ما يحدث من هؤلاء السفهاء ليس مستغربًا؛ فالقطيع السائب لا بد أن تفترسه الذئاب.
ومن هنا نهض الإخوان المسلمون لمعالجة هذا الانحدار، ولإزاحة هذه المعوقات التي تمنع التجاوب بين جماهير الأمة ودينها، فلقد أخذ الإخوان على عاتقهم إزالة الأسباب التي جعلت أمةً كانت في طليعة العالم قرابة ألف عام تتراجع وتتقهقر، هائمةً على وجهها، حتى أضحت في مؤخرة القافلة البشرية.
والذين يرفعون رايات الإصلاح والتغيير ينقسمون حسب اعتقادي إلى فريقين:
الفريق الأول: فريق يراهن على أن السلطة والحكم هي الأداة السريعة لتغيير الأوضاع، وإصلاح المجتمع، وتخيّل هذا الفريق أنه يمكنه بالسطو على الحكم أن يحوّلَ هذا السطو إلى وجود مشروع، وعندئذٍ يمكنهم أن يقيموا الحكم ويطبقوا الشرائع.
وأعتقد يقينًا أن أصحاب هذا الفكر واهمون؛ لأننا نحن- المسلمين- انهزمنا في ميادين كثيرة، لا تحتاج إلى عصا السلطة، إنما كانت تحتاج إلى الانخراط بالجماهير توجيهًا وتربيةً، فالمجتمع الذي يعجز عن محو التقاليد والعادات السيئة في دنيا الأسرة لن يحقق نصرًا في دنيا السياسة؛ إذ كيف ينفذ قوانين الشريعة من لم ينفذ قوانين الأخلاق؟!.
أما الفريق الثاني: فريق يراهن على الجماهير، ويرى في ترشيدها الخير كله، ولقد اعتمد هذا الفريق سياسة النفس الطويل، والانخراط مع المجتمع، والصبر عليه، واختار إستراتيجية البناء التربوي مقترنًا بالنضال الدستوري السلمي.
إن الذي يجب تأكيده أن أي فريقٍ لن يبلغ غايته إلا إذا صاحبه شعب نفيس المعدن، عالي الهمة، فالشعوب إذن هي الأصل لأي انطلاقة إصلاحية.
ومن هنا يجب على بغاة الخير من الدعاة أن يختلطوا بالجماهير، لا ليذوبوا فيها، وإنما ليرتقوا بهم تربويًّا، وليرفعوا مستواهم فكريًّا، وليقدحوا زناد وعيهم سياسيًّا، وليفكوا قيودهم النفسية والفكرية، تلك القيود التي أُحكم إغلالها من المستعمر الحديث، الذي هو في صورة حكام من أبناء جلدتنا.
ولعل حجة واهية قد تتبادر من بعض المنهزمين نفسيًّا بأن السلطات القابعة على صدورنا ستحول بكل السبل أن تحول بين الدعاة وبين الانخراط بالجماهير، وأنها ستضرب بيد من حديد لتشل أيديهم عن الوصول إليهم، وأن تخرس ألسنتهم، وأن تكمم أفواههم.
وهذه الحجة رغم وجاهتها الظاهرة إلا أن فيها من الدهاء ما يجب ألا يخدعنا.
فالذي يجب حقًّا على أولي الغيرة على الإسلام وعلى مصلحة الأمة أن يعيدوا النظر في أساليب التجاوب والانخراط مع الجماهير، وأن يبتكروا في الوسائل التي تكفل الوصول إليهم، والحديث معهم، وتوجيههم وإيقاظهم، وإزالة الأقنعة التي يواري بها المفسدون جرائمهم، علينا أن نعيد النظر في أساليب عرض الإسلام، والدفاع عنه.
إننا نعاني اليوم في الحقيقة من أمرين:
الأول: التصور المشوش، والصورة المغلوطة لدى هذه الجماهير عن الإخوان المسلمين، تلك التصور الذي بثَّه إعلام الفاسدين المفسدين بواسطة قلة من أصحاب الأقلام المأجورة، والصفحات الملوثة والملطخة بالأكاذيب، وبزمرةٍ من أصحاب الأفواه المسعورة التي لا تنطق إلا بكل خبيث.
والثاني: جماعات وأحزاب متربصة، تقف بعيدًا دون عمل، لا تحمل في جعباتها إلا بطالة مقنّعة، لا يجيدون إلا مضغ كلمات فارغة، أو مجادلات فقهية، أو خصومات تاريخية.
وهؤلاء لا يختلفون كثيرًا عن هذه الجماهير السلبية التي اعتادت مصمصة الشفاة، ورضيت بسياسة الانزواء.
إن العمل الحقيقي المطلوب للإصلاح أجلُّ وأسمى من كلماتهم الفارغة، أو مجادلاتهم الفقهية العقيمة، فليس من الإسلام أن نضع قدمًا على الأخرى، ثم نرتقب جنَّ سليمان ليضع مقاليد الحكم- وفق شريعة الإسلام- بين أيدينا.
إن طريق النضال الدستوري السلمي من أجل الإصلاح، والذي يعتمد البناء التربوي أساسًا له؛ طريق كدح مضنٍ، ميادينه وعرة، أما وقد أخذ الإخوان على عاتقهم أن يخوضوا هذه الميادين رغم وعورتها، فعليهم أن يتحملوا لأوائها ونصبها، وأن يستعدوا لدفع ضريبة الإصلاح من دمائهم وأموالهم، وأن يدركوا أن الطريق قد تطول بهم، ولكنها هي الوحيدة الموصلة للغاية والهدف، ورحم الله الإمام الشهيد حسن البنا حين قال: "أيها الإخوان المسلمون وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم: اسمعوها مني كلمةً عاليةً داويةً من فوق هذا المنبر في مؤتمركم هذا الجامع، إن طريقكم هذا مرسومة خطواته، موضوعة حدوده، ولست مخالفًا هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول، أجل قد تكون طريقًا طويلةً، ولكن ليس هناك غيرها.
إنما تظهر الرجولة بالصبر، والمثابرة، والجد، والعمل الدائب، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها، أو يقتطف زهرة قبل أوانها، فلست معه في ذلك بحال، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات.
ومن صبر معي حتى تنمو البذرة، وتنبت الشجرة، وتصلح الثمرة، ويحين القطاف فأجره في ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين: إما النصر والسيادة، وإما الشهادة والسعادة".
فاللهم انصر دعوتنا، وحقِّق غايتنا، وبارك في أخوتنا وقوي أواصرنا.. آمين.. آمين.
-------------
* الباحث بقسم الشريعة الإسلامية- كلية دار العلوم
