عرض- د. خالد فهمي:
كان مما تعلمناه في بواكير الصبا أن دساتير إنشاء كليات الآداب في مصر والعالم العربي، هو خدمة الثقافة العربية، والنهوض بالأفكار العربية، والسعي قدمًا نحو ترقية اللسان العربي.
وقد كان الكثيرون من الأساتذة الرُّواد الذين تخصَّصوا في الآداب المختلفة على وعي تام بهذا، فظهرت مدرسة مصرية أكاديمية راقية في ميادين تخصصات الآداب الأجنبية يصعب عدُّهم من أمثال: عبد الوهاب عزام، ومحمد نعيم حسانين، وحسين مجيب المصري، ومحمد سالم الجرح، ويحيى الخشاب، في اللغات الشرقية، ومجدي وهبة، ومحمد صقر خفاجة، والمسيري، وليلى عنان، ورمضان عبد التواب، ومهدي علام، في الآداب الأوروبية قديمها وحديثها.
وما زلتُ أذكر كلمةً للرائد الراحل الكريم مهدي علام في احتفال تخريجنا بآداب عين شمس وهو يقول: إن من حقِّ أوائل قسم اللغة العربية أن يفخروا بما صنعوا، وأن يفتتحوا حياتهم العلمية القادمة بأنهم أبناء القسم (الملك) وألا يرضوا من بقية الأقسام إلا أن يكونوا أبناء الأقسام (الرعايا)، وقد كان منَّا أن تفتح وعينا على تقدير من يخدم الثقافة العربية، والفكرة العربية، واللغة العربية من إخواننا المتخصصين في آداب اللغات الأجنبية قديمها وحديثها.
أقول هذا وأنا أقرا كتاب صديقي الدكتور صادق محمد نعيمي المؤمن بقيمة الثقافة العربية، والعامل على ترقية لسانها بما يخرجه من علم دالٍّ على هذه الهوية، ودالٍّ على هذا الانتماء.
وهو بعض ما يرقى بقيمة كتابه المهم (الهوية والتداخل الثقافي.. صورة العرب في السينما الفرنسية).
وهو وجه ليس وحيدًا في تقدير قيمة الكتاب ابتداءً، وإنما ينضاف إليها التخصص الدقيق لصادق نعيمي، بما هو أستاذ لتاريخ الفكر والحضارة الفرنسية بالإضافة إلى متابعته الغربية بحكم ترحاله المستمر نحو الجغرافيا الناطقة بالفرنسية في فرنسا، والجانب الفرنسي من سويسرا للسينما الفرنسية.
(1)
صمَّم صادق نعيمي كتابه مستعملاً اللغة الفنية المتداولة بين صانعي السينما فجاء في 12 مشهدًا (فصلاً) كما يلي:
1- المشهد الأول: صعوبة الاندماج والتداخل الثقافي.
2- المشهد الثاني: مشكلات اجتماعية.
3- المشهد الثالث: مشاكل عمالية.
4- المشهد الرابع: ضحايا العنصرية وكراهية الأجانب.
5- المشهد الخامس: التاريخ في السينما الفرنسية.. العلاقة الملتبسة بين علم التاريخ وفن السينما.
6- المشهد السادس: الشرق الجنسي وإعادة إنتاج الماضي الأدبي.
7- المشهد السابع: المتنافرون بالطبيعة الثقافية بين الحلال والكاشير.
8- المشهد الثامن: السينما تجرؤ.
9- المشهد التاسع: لغة الضواحي.
10- المشهد العاشر: الثلاثي المرح رغم القسوة.
11- المشهد الحادي عشر: هذه هي الحكاية.
12- المشهد الثاني عشر: النهاية السعيدة وحلم تجاوز الطبقات.
ولم يترك الدكتور نعيمي قلمه من إطلالة أخيرة يحاول بها أن يتماهى مع الأقلام فيصنع خاتمة يحاول أن يفتتح الآفاق على حقيقة المشهد الواقعي.
ويحسن من جديد في القائمة الورقية (الببليوجرافية) لمجموعة الأقلام التي شكَّلت مادة التحليل والمناقشة التي التقطها صادق نعيمي خلال عقد كامل بدأ في سنة 2000م.
(2)
المدخل: الروح الانتقامية الغربية
حضور لا يخفى
يفتتح صادق نعيمي كتابه ملخصًا في مشهد كاشف ملامح صورة العرب في السينما الفرنسية؛ حيث يقرر أنها جاءت مرتبطة إلى حدٍّ بعيد ومتطابقة مع ما كانت عليه هذه الصورة في الآداب الأوروبية في القرنين الميلاديين الثامن عشر والتاسع عشر الذي كان عمودها ناتجًا عن روح غازية احتلالية (استعمارية).
وهي صورة رُسمت بعناية لصناعة تسويغ أو تبرير لما قام به الغرب من حملات غزو وحركات احتلال فيما سُمِّي عن قصد (الاستعمار الحديث).
ومن منظور آخر استمرت مداعبة العرب في الجغرافيا العربية مضمومًا إليهم العرب المولودون في فرنسا وما يحيط بهم من مشكلات متنوعة، وإن كانت في كثير من الأحيان تشكل امتدادًا من بعض الوجوه للصورة التقليدية التي افتَتَحَت بها السينما الفرنسية تعاملها مع العربي.
(3)
صعوبات:
وفي مشهد أساسي من مشاهد الكتاب يرصد نعيمي عددًا من الصعوبات التي يصورها الفيلم الأوروبي وهو بصدد تصوير العربي المنحدر من الصلب العربي في المهجر الفرنسي يجملها فيما يلي:
1- صعوبة الاندماج، ويعلق عليها قائلاً: إنها الصعوبة المركزية التي تأتي من حيث الأهمية في المقدمة من معالجات السينما الفرنسية؛ لأنها توظف مشكلة التداخل الثقافي والهوية.
ومشكلة التداخل الثقافي أو التشابك الحضاري لا تظهر إلا مع الاحتكاك مع الثقافات الأخرى التي ترقى بالعقل شريطة ألا يُستلب أو ينكسر.
ويقرر صادق نعيمي أن التداخل الثقافي برز موضوعًا أساسيًّا لعدد كبير من الأفلام الفرنسية، كما ظهر موضوعًا هامشيًّا يعمق طرح عدد من القضايا الأخرى.
وقد وقف صادق نعيمي عند الأفلام التالية التي عرضت لهذا الموضوع محللاً ومناقشًا وهي:
أ- غيّر حياتي (يظهر سامي الجزائري بسبب اقتصادي إلى ممارسة الرذيلة حتى يصل إلى مرحلة العجز الجنسي بما هو رمز للعجز على الاندماج والتعايش؛ حتى يموت مدمنًا منهارًا مخفقًا).
ب- فيلم: ما وراء جبل طارق (صورة كريم المغربي المهاجر المولود لأبوين عربيين مسلمين في الغرب، الذي يقع في صراع ثقافي، وتوزَّع بين هويتين، فيحاول التقدم؛ ليعمل محاسبًا فيُرْفَض ويعاني).
ج- فيلم: بيير وجميلة: (جميلة بنت جزائرية لأب مهاجر تحب بير في مواجهة رفض أخيها جعفر بسبب من نصرانيته إلى أن تصل إلى قرار الانتحار في النهاية بعد إخفاق مشروع ارتباطها ببيير الذي قتله أخوها، الفيلم يقضي على إحدى الهويتين).
الغريب في الأمر هو ما يسوقه صادق نعيمي في التعليق على الموضوع الذي شكل أزمة الفيلم بصورة لا ندرى معها هل هذا تعليقه التقييمي لطرح الفيلم، أم أنه تعليق الشارح والمحلِّل والمفسِّر؟ عندما يقول: إلا أن الأخ الأكبر لجميلة واسمه جعفر لا يقبل بهذا الحب ليس إلا أن بيير فرنسي ولا يحب لأخته أن ترتبط بنصراني كافر حسب تصوره، وأظن ذلك راجعًا إلى حقد ضد المجتمع الفرنسي الذي نشأ في نفسية هذا الشاب؛ مما جعله يمارس هذه السلطة الاستبدادية الذكورية تجاه أخته ويقف في وجه سعادتها).
وأحسب أن تصدير التعليق بالفعل المضارع (الفعل الذاتي): أظن يحسم قدرًا من هذا الخلاف حول طبيعة التعليق الوارد هنا.
المسألة ليست سلطة ذكورية استبدادية وليست حقدًا تنامى ضد المجتمع الفرنسي، وإنما له علاقة بطبيعة المكون الأساسي للهوية العربية لجميلة (المسلمة) الذي يرفض أن تتزوج من صاحب اعتقاد مخالف لها، لاعتبار منطقي متعلق برفض معتقده للمعتقد الإسلامي، وهو السبب المانع حقيقة من تزويج المسلمة من غير المسلم، حمايةً لها من القهر، وحمايةً لها من اغتيال هويتها، صحيح أننا لا نوافق على قتل بيير بما هو شكل من أشكال حماية هوية جميلة، الأزمة معقدة ولا يصح اجتزاء مشهد واحد استجلابًا للتعاطف مع فكرة الحرية الشخصية معزولة عن بقية مفردات المشهد.
2- انكسار الحلم: ويقف صادق نعيمي عند محور آخر يلخصه عنوانه (انكسار الحلم) ذلك أن العربي منذ فترة طويلة يرى في الغرب (جنة الله في الأرض) وربما وقع ذلك من العربي نتيجة تاريخ طويل من الانهزام النفسي أمام الغرب وهو الأمر الذي يسميه صادق نعيمي- محقًّا- بالاستلاب الحضاري الذي تجذَّر وترسَّخ بفعل تاريخ طويل للحملة الغازية الاحتلالية التي ضغطت مع العقل العربي بعد اجتياح دياره.
وهو الأمر الذي يصل بالمهاجرين وأولادهم في البلاد الغريبة والغربية معًا إلى الاعتراف الذي يلخصه التعبير الموجع (إن مكاننا ليس هنا).
(4)
سلسلة من المشكلات:
ويرصد صادق نعيمي في بقية مشاهد الكتاب عددًا ضخمًا من ملامح الصورة التي يرسمها الفيلم الفرنسي المتحاور مع العربي، للعربي أصلاً أو للعربي المنحدر من أبوين عربيين؛ مما يظهر عددًا كبيرًا من المشكلات المتنوعة التي تحيط بالشخصيات العربية في الأفلام الفرنسية من مثل:
أ- صعوبة التعلم، تركَّز ذلك في السود (رمز لوني مريح يشير للثقافة العربية) في مواجهة اللون الأبيض.
ب- ارتكاب الجريمة، وهو ما يظهر في فيلم (جريجوري) يمكن أن يكون أفضل.
ج- الانخراط في تشكيلات عصابيَّة وإجرامية فيلم (رسول) وفيلم (طريق الوادي).
ولا يقف الحدُّ عن طرح هذه المشكلات الاجتماعية التي تعبِّر بشكل أو بآخر عن مرض عدم الاندماج ولكن يتجاوز الأمر إلى ظهور علامات دالة على طريقة الأزمة التي يعيشها العربي في رحلة البحث عن هوية جديدة، ولا سيما في إطار العمل بما هو جزء من تحقيق إثبات الذات الداعم لاستقرار الهويات، والداعم لمقولات الانتماء بما هو مغذٍّ للبناء البدني للإنسان الذي لا يمكن إنكار أثره على البناء الروحي له، فتعكس مجموعة الأفلام مادة كتاب صادق نعيمي عددًا من المشكلات العمالية من مثل:
أ- الشعور بالمهانة؛ نتيجة ممارسة أعمال حقيرة فيلم (عمل أحد العرب).
ويواصل صادق نعيمي تصوير الموقف السلبي للفن الفرنسي ممثلاً في السينما من العرب والثقافة العربية، وهو الموقف الموروث في العقل الأوروبي الذي نجح عدد من الأفلام في تصويره؛ حتى نقرر معها أن العرب كانوا ضحايا العنصرية والكراهية التي تجذَّرت في الوجدان الأوروبي ضد العرب، وهو الأمر الذي استطاعت مجموعة من الأفلام تصويره على ما يظهر في فيلم (العين السوداء)، وفيلم (مثل صورة)، وفيلم (النشالات).
وربما نتجت بعض ملامح هذه الصورة؛ بسبب من عمليات تشويه التاريخ المستمر الذي خضع له التاريخ العربي في أوروبا.
وهو الأمر الذي يمكن تفسير الإلحاح على حِسِّية الشرق، وتصوير شهوانيته الجنسية في ضوئه.
وهو بعض التأثير الضار لعدد من الأدبيات العربية التي التقطها الغرب، وضخم استثمارها على ما حدث مع ألف ليلة وليله، من دون إدراك أن إنتاج هذا النص كان ابن حقب انهيار حضاري في الداخل العربي والإسلامي.
وفي هذا السياق تظهر أفلام تصوِّر هذه الروح الشيقة من مثل (قصة معروف)، وفيلم (رقصة الكنكان)، و(الحريم الأخير).
والعجيب الذي ينبغي أن نتنبه إليه هو أن كثيرًا من هذه الأفلام يقدم في بعض مستويات قراءته تسويغًا لإسقاط الخلافة العثمانية، والتبشير بالغزوة الأوروبية للعالم الإسلامي تحريرًا للمرأة الخاضعة المستكينة، وحمايتها من العنف الذكوري، وإعادة بناء الذات العربية المختلة.
ومن الملامح الجيدة التي عالجها صادق نعيمي يتمثل في وقوفه أمام المشكل اللغوي اللهجي؛ حيث حاول ناجحًا أن يحلل الاستعمال اللغوي في لغة الفطوحي بما رصده من سمات السوقية VULGAN أو البذاءة bowdy ليعبر من خلالها عن تعميق ملامح التهميش، وعدم الاندماج الذي عانى منه العربي على ما تصوره الأفلام الفرنسية، وهو الأمر المعروف في اللسانيات الاجتماعية بما هو ناتج عن العيش على هامش الحياة، وعدم التواؤم النفسي والاجتماعي والاقتصادي بما هو اتهام في الأساس للحكومات المركزية النظامية في المجتمعات المنتمية لهذه اللغات السرية أو شبه السرية الذي يتبدل فيها المعجم لتكتسب المفردات دلالات أخرى.
وفي مشهد ختامي بالغ الدقة يقف صادق نعيمي ليقرر أن السينما الفرنسية لم تكن صورة المحروم المهمَّش، إنها لم تكن إنسانية كلها، صحيح أن بعضها قد نجح أحيانًا في تصوير بعض المسكوت عنه لكن ذلك كان في الغالب ذرًّا للرماد في العيون؛ ليبقى الصمت هو سيد الموقف، وتبقى الكراهية هي عنوان الغرب ضد العرب.
----------
* كلية الآداب جامعة المنوفية.