تلحُّ الأوساط الصهيونية على ضرورة تدريس الهولوكوست ضد اليهود في ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، كما أن الأونروا ألحَّت منذ عدة شهور قبل هولوكوست غزة على تدريس الهولوكوست اليهودي في مدارسها في فلسطين، وهذه الفكرة تقوم على أساس أن تذكير الناس بآلام اليهود في المحرقة سوف يدفع الشعوب إلى تجنُّب الإبادة، على افتراض أن المحرقة هي أعلى صور الإبادة.

 

بهذا المعنى كتب كوفي عنان الأمين العام السابق للأمم المتحدة مقالاً في (النيويورك تايمز) يوم 18/6/2010م، وعُقد في القدس مؤتمر لهذه الغاية، كما نشر رئيس بولندا السابق الكسند كواسنوفسكي مقالاً في 28/6 في نفس الصحيفة تعليقًا على مقال عنان وعنوانه on holocaust education .

 

ونحن لا نمانع من أن يذكر الناس باستمرار مأساة اليهود، ولكن مع مراعاة الحقائق الآتية، بحيث تصبح هذه الحقائق متكاملةً لا يجوز الفصل بينها.

 

الحقيقة الأولى: هي أنه لكي يتم تدريس الهولوكوست لا بد من توفُّر معلومات موثَّقة عنه، وضرورة رفع الحظر عن هذه المعلومات والتساؤلات، ولا يجوز أن تظل المصادر اليهودية هي وحدها صاحبة الاحتكار.

 

وتشمل هذه المعلومات الأعداد الحقيقية وطرق الإبادة وأسبابها، ولماذا لم تقع الإبادة قبل الحرب العالمية الثانية؟ وما دور "إسرائيل" التي قامت بعد المحرقة في أن تكون وكيل الدم لكل اليهود عبر العصور؟، وما الإجراءات التي اتخذتها "إسرائيل" للقصاص من المشاركين في المحرقة، وضرورة التحقق من أن "إسرائيل" لا تملك ترخيصًا من يهود العالم بمقاييس الدول المعاصرة وليس بمقاييس المفاهيم الصهيونية.

 

الحقيقة الثانية: هي أن الهولوكوست الفلسطيني في غزة وبقية المجازر الصهيونية ضد الشعوب العربية، والتي شاهدها العالم كله، ووثَّقتها لجان تحقيق دولية يجب هي الأخرى أن تُدرس في جميع مدارس العالم، وأن يتم تفسير إبادة سكان فلسطين وفق المعايير الدولية المقبولة، وما علاقة الفلسطينيين بإبادة اليهود وما دور الفلسطينيين في هذه الإبادة؟!

 

الحقيقة الثالثة: هي أن "إسرائيل" تريد أن تذكر الآخرين بمآسي اليهود الذين كان لهم دخل في صناعتها بسبب عقدة الاضطهاد قبل أن يُفكِّر أحدٌ في اضطهادهم، وقد رأينا ما تقوم به "إسرائيل"، وهو كفيلٌ باستعداء العالم كله ضدهم؛ ليس اضطهادًا بل استنكارًا لما يرتكبونه من جرائم، والتذكير هنا يقصد به استعطاف الشعوب الأخرى لتبرير الجرائم الصهيونية، وقد رأينا نموذجًا لذلك في نظرة "إسرائيل" إلى جريمتها في أسطول الحرية؛ حيث تعدُّ القافلة المدنية لأغراض إنسانية تحديًا لمشروعها بإبادة غزة، وأن أية محاولة لكسر الحصار هي إفساد لهذا المخطط، وتحرُّش بـ"إسرائيل" التي استعلت على المساءلة والعقاب.

 

أما التذكير بمحنة الفلسطينيين فهو يزيد الشعوب الأخرى نقمةً على العدوانية "الإسرائيلية" ومشروعها الغاصب، ويزيد فرص انكشاف "إسرائيل" ونزع الشرعية الدولية عنها.

 

لقد تذرَّعت "إسرائيل" طويلاً بأنها مشروع أخلاقي يجمع يهود الأرض في أرض الأجداد، كما قال نتنياهو حتى تعيد الأمة اليهودية مسيرتها الحضارية مرةً أخرى، ولقد رأى العالم نموذج "إسرائيل" التي يجب أن تبرأ منها الأمة اليهودية والديانة اليهودية السمحة؛ لأن "إسرائيل" مشروع سياسي استغلَّ الدين استغلالاً بشعًا، وعمل باسم الله ضد مراد الله في الأرض، فحقت مقاومة المشروع وإسقاطه إنقاذًا للبشرية من شرور هذا الكيان البغيض الذي قَبِلَ أن يكون أداةً لشرور الاستعمار والهيمنة، ويمارس دوره بطريقة بشعة.

 

لا بد من تدريس المحرقة في غزة والطابع الإجرامي للمشروع الصهيوني، وبراءة العرب من دم اليهود الذين أُبيدوا في بلادهم ألمانيا لأسباب ليست متحقِّقة بطريق مستقل ومنطقي، والدليل على ذلك أن الحركة الصهيونية تتكتَّم على كل ما يتعلق بمحرقتهم حتى يظلوا في غيِّهم ورواياتهم التي لم يعد يصدقها أحد.

 

والغريب أن الإعلام العربي أصبح يخشى من الملاحقات الشخصية والقضائية من التعرض لهذه المحرقة، فيبدأ الكتاب عادةً بتأكيد أنهم لا يشكِّكون في مبدأ وقوع المحرقة، ولكنهم يختلفون فيما وراء ذلك، وعيونهم طبعًا على ضحايا الحقيقة في أوروبا نفسها التي عطَّلت البحث العلمي وحرية الرأي خصيصًا في هذا الملف.

 

ولكن تدريسه يجب أن يتم وفقًا لرواية تعتمدها اليونسكو بعد دراستها من لجنة عالمية علمية، وألا تكون اليونسكو أداةً لإضفاء الشرعية على الرواية الصهيونية.

 

الحقيقة الرابعة: هي أن تدريس المحرقتين معًا يفيد في تحصين الشعوب الأخرى ضد الإبادة؛ ولذلك فإن قراءة المحرقة اليهودية تثير السخط على الألمان، كما أن قراءة المحرقة الفلسطينية تثير الحنق على يهود "إسرائيل" وتواطؤ يهود العالم تقريبًا، فضلاً عن واشنطن ومعظم أوروبا في هذه المأساة.

 

لقد أعددتُ كتابًا عن هولوكوست غزة- يوشك أن يرى النور- موثقًا عن محرقة غزة وتقرير جولد ستون، وسوف يكون هناك مادة علمية لتدريسها في الجامعات والمدارس العربية إلى أن يتقرَّر توسيع تدريسها في مختلف الجامعات الأجنبية.

 

إننا مع الحقيقة أينما كانت ولكننا ضد ابتسار الحقيقة أو تشويهها أو احتكار "إسرائيل" للأكاذيب وتقديمها في ثوب الحقيقة والحقيقة منها براء.

 

نعم لتدريس المحرقتين، ونعم لكي تكون هذه الحقائق جزءًا من المقرر الدراسي، وحبَّذا لو تبنَّى كوفي عنان ورئيس بولندا الأسبق نفس الفكرة التي سوف أسعى إلى إثارتها في الصحف الأمريكية تعليقًا على اجتهادهما في هذا الشأن.