- وزارة الإسكان تعلن الطوارئ للردِّ على بطلان العقد
- الحسيني: أراضي المشروع سرقة علنية برعاية "الوطني"
- د. عبد الحي: كشف باقي اللصوص ضرورة ومعاقبتهم أقل شيء
- د. عبد العظيم: الحكومة تتحدى الجميع وترفع شعار "أنا القانون"
تحقيق- شيماء جلال:
ما زالت أجواء الحكم القضائي ببطلان عقد "مدينتي" الذي أصدرته محكمة القضاء الإداري منذ أيام؛ تدوي داخل وزارة الإسكان، خاصةً مع إعلان أحمد المغربي وزير الإسكان تحديه لبطلان العقد، مؤكدًا أن مشروع "مدينتي" سيتم استكماله ولن يتوقف.
وتشهد وزارة الإسكان حالةً من الارتباك الشديد، انعكست على تصرفات المغربي؛ بسبب الأزمات المتوالية التي تعرَّض لها خلال الفترة الماضية من "ابني بيتك" لـ"جزيرة آمون" لـ"مدينتي"، تمثَّلت في عقد اجتماعات طارئة يوميًّا مع قيادات الوزارة، وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة؛ سعيًا لمواجهة تلك الأزمات، وخاصةً فيما يتعلق بتجهيز دعاوى الاستشكال التي سيتم التقدُّم بها ضد حكم بطلان عقد "مدينتي".
كان المهندس حمدي الفخراني "رجل الأعمال" قد أقام دعوى قضائية ضد رئيس الوزراء ووزير الإسكان، طالب فيها بإلغاء عقد "مدينتي" والحكم ببطلانه؛ لإهداره ١٤٧ مليار جنيه للدولة، وصدر الحكم لتسقط حلقة جديدة من حلقات فساد تزاوج السلطة بالمال في عهد حكومات الحزب الوطني.
وعقب إعلان قرار بطلان العقد توالت التصريحات المثيرة من جانب المسئولين عن العقد؛ حيث صرَّح المهندس أحمد المغربي وزير الإسكان فور صدور الحكم ببطلان مشروع "مدينتي" أن القرار ليس من شأنه إلغاء التعاقد، وإنما يتطلب اتخاذ إجراءات تصحيح الأوضاع التي استند عليها الحكم بالبطلان، وأن الحكم لا يعني إنهاء التعاقد أو توقف المشروع في خطوة مثيرة للجدل بين جميع الأوساط.
وكشفت مصادر أن الحكومة تجهِّز كافة الدفوع لديها للدفاع عن عقد "مدينتي" المعلن عن بطلانه قانونيًّا، وبدا ذلك جليًّا حينما تقدَّمت هيئة المجتمعات العمرانية ومحامو رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى بالطعن على قرار البطلان الصادر من محكمة القضاء الإداري.
وقعة فساد أرض "مدينتي" التي طفت على السطح الآن يقبع الكثير خلفها، فما زال هناك الكثير على نفس خُطاها ومنها "جزيرة آمون" التي أُنقذت بقرار سيادي، وصفقة بيع مساحة أرض بمدينة نصر التي تمتلكها شركة مدينة نصر للاستثمارات للشركة الطبية العالمية بسعر 100 جنيه للمتر، في حين أن المنطقة لا يقل سعر المتر فيها عن 5 آلاف جنيه.
ليس هذا فحسب، بل هناك صفقة أخرى لصالح الشركة القابضة للسياحة والثقافة والسينما؛ حيث قامت ببيع أرض التحرير بقيمة 10 آلاف و500 جنيه للمتر في عام 2005م، في حين قامت وزارة الداخلية ببيع قطعة أرض لها في نفس المنطقة في تاريخ سابق بـ23 ألف جنيه للمتر.
فما سبق تسبب في إثارة العديد من التساؤلات حول من يقف خلف رجال الأعمال الذين يستولون على أراضي الدولة؟ وهل أراضي الدولة على مقاس كبار رجال الأعمال فقط؟ وأين الجهات الرقابية على تلك الممارسات الفاسدة؟ وهل ستغلب موازين القوة والأقوياء أم سينتصر القانون ويُطبق؟
(إخوان أون لاين) طرح الأمر برمَّته للوقوف على حقيقة تلك الكارثة التي يتم فيها بيع الوطن بتراب الأموال، وكأن أراضي الدولة "مال سايب".
![]() |
|
م. سعد الحسيني |
ينتقد المهندس سعد الحسيني "عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة الإسكان بمجلس الشعب"؛ ما أعلنته هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة ومحامو رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى عن التقدم بالطعن على الحكم التاريخي الصادر من دائرة العقود بمجلس الدولة ببطلان عقد بيع إبراهيم سليمان وزير الإسكان السابق 8000 فدان لمشروع "مدينتي" أمام المحكمة الإدارية العليا؛ موضحًا أنه لا يجوز الطعن، وأن قرارات القضاء واجبة النفاذ.
وفيما يتعلق بأدوات مكافحة الفساد للقضاء على قضايا الاستيلاء على أراضي الدولة التي ينتهجها مجموعة من رجال الأعمال، أكد الحسيني أننا لا نملك الأدوات والآليات الكافية للقضاء على فساد رجال الأعمال، فضلاً عن خرق القانون وإمكانية إيجاد ثغرات؛ للتهرب من الأحكام القضائية، مشيرًا إلى أننا دولة عُرفت بعدم الإذعان لأحكام القانون.
وأعرب عن عدم رضاه من محاولات بعض الجهات الحكومية ومجموعة من رجال الأعمال من التصدي لأحكام تهدف في الأساس إلى إحقاق الحقوق وإعطاء كلّ ذي حقٍّ حقه، مبينًا أن عقد "مدينتي" لا يمكن وصفه سوى أنه جريمة أضاعت على الدولة عشرات المليارات كأقل تقدير؛ نتيجة أخذها بثمن بخس منذ أكثر من 4 سنوات.
وأضاف: "ما حدث في عقود أرض "مدينتي" يعد سرقةً علنيةً؛ حيث تم بيع أموال وحقوق لجيوب أفراد بعينهم دون خشية أو احترام للشرعية القانونية".
سجل الفساد
ومن جانبه، طالب الدكتور محمود عبد الحي "المدير السابق لمعهد التخطيط" بكشف النقاب عن بقية قضايا الاستيلاء وتخصيص الأراضي التي قام بها مجموعة من رجال الأعمال، مضيفًا أن عقد "مدينتي" لم يكن الأول ولن يكون الأخير في ظلِّ تنامي ظاهرة تخصيص الأراضي غير القانونية.
وعلَّق د. عبد الحي على ما قامت به هيئة المجتمعات العمرانية بشأن السماح لشركة هشام طلعت مصطفى بحق الشفعة، في امتلاك المساحة المحصورة بين أرض المشروع وطريق القاهرة السويس، والتي تقدر بـ10 كيلومترات، أي ما يساوي 1800 فدان، في حال أرادت الهيئة بيعها، أن العقد به العديد من المشاكل والأخطاء، وكان كشفًا جديدًا يُضاف إلى سجل الفساد في دولتنا.
وتساءل د. عبد الحي مندهشًا: لماذا في هذا التوقيت بالذات تم الإعلان عن بطلان العقد؟ وهل سيتم تنفيذ الحكم أم ستتم تسويته أم سيكون مصيره كغيره من القرارات؟!
وأكد أن الدولة وحكومتها هي المسئول الأول عن فساد عقد مدينتي، وبقية العقود على نفس شاكلته، مشيرًا إلى أن الحكومة كمَّمت أنفاس الأجهزة الرقابية من التعليق على فساد العقد، وغضت الطرف عن ملاحظات الجهاز المركزي للمحاسبات.
وأشار إلى أن تلك اللعبة سيكون المواطن فيها هو الضحية، فهو الذي دفع في تلك الوحدات، وإذا تم رفعها في ظلِّ تلك الظروف المتوترة سيقع العبء عليه؛ ما يزيد من خسائر تلك الأعمال الفاسدة.
وطالب بسرعة اتخاذ الإجراءات اللازمة بشأن حصر بقية الأراضي التي تم الاستيلاء عليها من قِبَل رجال الأعمال أو التي تمَّت سرقتها بشكل علني دون مساءلة قانونية.
فساد الكبار
ومن جانبه، أوضح المهندس حمدي الفخراني "صاحب دعوى بطلان عقد مدينتي" أن محاربته في معركة فساد مدينتي إنما جاءت من قَبِيل القدر الذي دفعه لاكتشاف فساد الدولة، موضحًا أنه منذ خمس سنوات توجَّه لهيئة المجتمعات العمرانية بطلب لشراء قطعة أرض بمساحة 120 مترًا، ولكنه عانى أمرَّ المرار- على حدِّ تعبيره- وظل يقدِّم أوراقًا ومستندات، وفي نهاية المطاف طلبوا منه الدخول في مزاد، وهنا بدأ شعاع انفجار الأزمة؛ حيث أعلن رفضه من أن يطبق عليه قوانين لا تُطبَّق على الكبار.
ويضيف أنه حينما تقدَّم بطلب لدائرة العقود والتعويضات بمحكمة القضاء الإداري كان لديه يقين أن القضاء المصري سيكون منصفًا ونزيهًا، مؤكدا أن عقد بيع أرض مدينتي ترتب عليه خسارة كبيرة للدولة تقدر بنحو 147 مليار جنيه، مشيرًا إلى أن وزارة الإسكان ساهمت في الجريمة بتقديمها تسهيلات غير متوقعة لصالح رجل الأعمال طلعت مصطفى.
ويَرْوِي أنه واجه الكثير من العقبات خلال فترة التقاضي ما بين تهديدات ومساومات للتراجع عن أمر التقاضي، مندهشًا من أن يصل حال الفساد لهذه الدرجة.
ولفت الفخراني إلى حتمية وجود قوانين تحمي المواطنين من فساد الكبار، أسوة بالقوانين التي يحتمي بها كبار رجال الأعمال، لا سيما استنادهم على الوزراء في الحصول على ما يريدون دون أدنى مساءلة، وحول ما صرَّح به أحمد المغربي وزير الإسكان أن صدور الحكم في قضية مشروع مدينتي ليس من شأنه إلغاء التعاقد، وإنما يتطلب اتخاذ إجراءات تصحيح الأوضاع التي استند عليها الحكم بالبطلان، وأنهم مستمرون في تنفيذ المشروع، علَّق الفخراني معلنًا أنه سيتقدم بشكوى أمام النائب العام استنادًا على تلك التصريحات التي تعدُّ غير قانونية، لا سيما أن هناك أكثر من 10 قرارات وزارية صادرة بشأن العقد، وتتضمن بنودًا غير قانونية.
واجب النفاذ
د. عاطف البنا

ويؤكد الدكتور عاطف البنا أستاذ القانون الدستوري بكلية الحقوق جامعة القاهرة أن قرار محكمة القضاء الإداري واجب النفاذ، مهما كانت الأقاويل بأن هناك بحثًا عن ثغرات أو طعون ضد القرار لوقف التنفيذ، مشيرًا إلى أن هناك حالةً واحدة فقط يتم فيها إلغاء القرار، وهو أن يتم إصدار حكم جديد من المحكمة الإدارية العليا، وفي نفس الوقت لن يكون إلغاء للحكم أو وقف التنفيذ بل سيكون التعديل.
ويضيف: مهما كانت الطعون المقدَّمة ضد الحكومة لن يتم التحايل على أحكام القانون، متوقعًا أن يتم تأييد الحكم؛ لأنه استند إلى مسألة مهمة في عملية تخصيص الأراضي دون اتباع قانون المناقصات والمزايدات التي توجب إجراء مزايدة علنيَّة يتقدم لها الجميع بعروضهم، ويتم الاختيار وفقًا لأحكام القانون.
وطالب بضرورة إذعان جميع الجهات المخالفة لحكم القانون؛ حتى تسود العدالة الاجتماعية، موضحًا أن هذا ما يحدث في أيِّ بلد عادلة حينما تقع مخالفة قانونية.
فوق القانون
د. حمدي عبد العظيم

ويرى الدكتور حمدي عبد العظيم "أستاذ الاقتصاد ورئيس أكاديمية السادات للعلوم الإدارية سابقًا" أن قرار عقد مدينتي يشوبه الكثير من المغالطات القانونية، وبحيلة ذكية من الوزير السابق إبراهيم سليمان تمَّ ابتداع فكرة السداد العيني بتخصيص نسبة الـ7% من الأرض لصالح هيئة المجتمعات العمرانية ظنًّا منهم أننا سنصدِّق بأن ذلك العقد بمثابة مكسب للدولة، في حين أنه يتعارض مع قانون المناقصات رقم 89 لسنة 1998م.
وانتقد عبد العظيم غضَّ طرف الحكومة عن اعتراضات الجهاز المركزي للمحاسبات بشأن عمل الصفقة مجاملة لرجل الأعمال، مشيرًا إلى أن وزارات مصر حينما تتوغل تعتبر نفسها فوق القانون، وأنه لا يستطيع أي فرد مخالفة قراراتها، ولسان حال وزرائها "القانون أنا، وأنا القانون".
وكشف عن سبب الإعلان عن بطلان العقد في تلك الأثناء، موضحًا أنه من المستحيل أن يتم الكشف عن فساد تلك القضية أثناء فترة تولي الوزير؛ لأنه بسلطاته كان "هيودِّيهم ورا الشمس"، على حدِّ وصفه.
وعن السيناريوهات المتوقعة بشأن الإشكاليات حول بطلان عقد مدينتي وتشدق المتهمين بعدم الاكتراث بالقرار والطعن عليه، يتوقع أن يتم الامتناع من قبل مجموعة طلعت مصطفى عن التنفيذ والمماطلة في تعطيل الحكم، خاصةً أن هيئة المجتمعات العمرانية تتفق مع الأخير، في حين أن القاعدة القانونية تقول: "ما بُني على باطل فهو باطل"، مطالبًا بسرعة تصحيح العقد ودفع القيمة العادلة التي تتناسب مع سعر المتر نقدًا وليس عينًا.
أما السيناريو الثاني أن تعقد تسوية مع الحكومة ويتم دفع قدر من الأموال التي أُهدرت على الدولة وفي الغالب لن يكون في صالحنا بالقدر الذي نتوقعه.
وعن الآثار السلبية المترتبة على خلفية عقد مدينتي وبقية العقود المشابهة له، أوضح عبد العظيم أنه من المتوقع أن تحدث أضرار اقتصادية كبيرة خلال الفترة المقبلة، بدءًا من تبديد موارد الدولة المحدودة والثروات الطبيعية مرورًا بإهدار المال العام وانتشار سلطة الأغنياء وزيادة عدد الفقراء؛ ما يتسبب في حدوث خللٍ في الدخل القومي ومن ثم تتأثر الخزانة العامة للدولة، وتشهد الموازنة عجزًا كبيرًا ومديونيات وفي النهاية تتراجع معدلات النمو ويزداد التضخم.
