- الوزير يتحمل مسئولية موت المراقبين إداريًّا وجنائيًّا

- صرف 5 آلاف جنيه لكل أسرة لا يكفي رسوم الدفن

- مطالب بكشف الملابسات التي تعرَّض لها المتوفون

 

تحقيق- يارا نجاتي:

طالب المعلمون في وقفة احتجاجية، صباح اليوم، أمام مقرِّ وزارة التربية والتعليم بإقالة الدكتور أحمد زكي بدر والدكتور حاتم الجبلي وزير الصحة، على خلفية وفاة 6 مراقبين خلال امتحانات الثانوية العامة التي انتهت أمس.

 

وحمَّل المتظاهرون، في بيان لهم، أحمد زكي بدر وزير التربية والتعليم، مسئولية وفاة المراقبين إدارايًّا وجنائيًّا، وطالبوا الحكومة بسرعة التدخل لمنع تكرار تلك الوقائع بين صفوف المعلمين القائمين بأعمال تصحيح أوراق امتحانات الثانوية، والذين يستمر عملهم لأسابيع مقبلة.

 

وردَّد المتظاهرون هتافات "بدر قاعد في التكييف.. والمراقبين يموتوا من حر الصيف"، و"زكي بيه يا زكي بيه.. المعلمين ذنبهم إيه؟"، "يسقط يسقط الوزير القاتل"، و"حاكموا قتلة المعلمين والطلاب"، كما رفعوا لافتات احتجاجية كتبوا عليها: "أوقفوا مسلسل القتل اليومي للقائمين بأعمال امتحانات الثانوية" و"نطلب التحقيق في وفاة المعلمين".

 

وأكد أشرف الحفني عضو اللجنة التأسيسية لنقابة المعلمين المستقلة، أنه سيكشف خلال ساعات عن تكليف الوزارة لمعلمين بأعمال التصحيح، رغم أنهم يعانون كسورًا في أذرعهم تحول دون ذلك، فيما ندَّد عبد الحفيظ طايل عضو اللجنة بما أسماه تحالف "بدر" مع المستشفيات العامة لمنع استقبال المراقبين.

 

وكان عددٌ من روابط التعليم تقدموا في وقت سابق ببلاغ للنائب العام ضد الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء، والدكتور أحمد زكي بدر وزير التربية والتعليم، والدكتور حاتم الجبلي وزير الصحة؛ حمَّلوهم فيه تعريض حياة المعلمين للخطر، مستشهدين بوفاة 3 من المراقبين المنتدبين لأعمال امتحانات الثانوية العامة، وكان وزير التربية والتعليم أصدر قرارًا عقب وفاة الحالة الثانية بصرف 10 آلاف جنيه لأسرتي المراقبين اللذين توفيا بمحافظة سوهاج أثناء قيامهما بأعمال مراقبة امتحانات الثانوية العامة "5 آلاف جنيه لكل أسرة".

 الصورة غير متاحة

 المعلمون طالبوا بإقالة ومحاكمة وزير التعليم

 

وحول قيمة المبلغ الذي قرَّر بدر صرفه للمدرس المتوفى تقول مديحة محمد (مديرة مدرسة): إن 5 آلاف جنيه تمثِّل تسعيرة المدرس المصري التي أقرتها الحكومة، وأضافت أن كلَّ إنسان له تسعيرة كالبضاعة تختلف باختلاف البلد، وفي دولة نامية كمصر سنظل نتحجج بقلة الموارد وزيادة عدد السكان؛ حتى لا نعطي المواطنين الحقوق التي ترضيهم أو تؤكد آدميتهم.

 

وتشير إلى أن المدرس من الممكن أن يتوفى على سريره وفي منزله لكن أن يتوفى أثناء انتدابه لمراقبة لجان الثانوية العامة بعيدًا عن منزله، فهو ما كان يتطلب دفع تعويض مناسب؛ حتى تتمكن أسرته من عيش حياة كريمة من بعده، مؤكدة أن 5000 جنيه بمقاييس العصر الحالي لا تُعتبر أموالاً، وليس من الممكن أن تقدم أية مساعدة لأهل المدرس المتوفى.

 

أسباب الوفاة

ويعتبر جمال التهامي (موجه أول الرياضيات) أن المدرسين المتوفين ضحية الوزير الذي لم يقبل اعتذارات المرضى منهم، إلى جانب نقص الرعاية الصحية في أماكن الإقامة، وانعدام الأمان النفسي للمعلم، ويضيف أن مبلغ التعويض قليلٌ جدًّا بالنسبة إلى حجم الكارثة الواقعة على الأسرة، ولا تعينهم على مواجهة مصاعب الحياة؛ لأن التأمينات والمعاشات (لا تسمن ولا تغني من جوع).

 

ويقول أحمد عبد الظاهر (مدرس فيزياء): إن تعويض أسرة المعلم المتوفى لا يكفي له حتى له 5 ملايين جنيه، وليس هناك قيمة تعوضه أو تعوض فقدانه، فلا يوجد ما أبشع من الوفاة أثناء تأدية العمل، مؤكدًا أن الظروف القاسية التي عاشها المراقبون كانت من أهم الأسباب التي أدَّت لوفاتهم كسوء الأماكن المقيمين فيها وتعامل رؤساء اللجان معهم كأنهم في السجن.

 

ويرى أن 5 آلاف جنيه تُعد رقمًا صغيرًا جدًّا في ظلِّ الغلاء الذي تعيشه البلاد، ولا يمكن أن يساعد الأسرة على الاستمرار في الحياة، كما كانت من قبل.

 

رسوم الدفن

ويقول الدكتور عز الدين سيد مدرس علم النفس بالتربية والتعليم: إن وفاة عدد من المدرسين في هذا العام شيء غريب لم نعتد على حدوثه في السنوات السابقة، ويرى أن من أسبابه الرئيسية الشد والعصبية التي يتعرض لها المدرس في المراقبة والانتقال، ويكون معظمهم مصابًا بعدد من الأمراض لا يتمكن معها من مواجهة كلِّ تلك العوامل.

 الصورة غير متاحة

المدرسون يحيطون بجثة زميلهم الذي توفي بلجنة الامتحانات بسوهاج

 

ويفضل أن تقوم الوزارة بتعويض الأسر من خلال معاش ملائم لا يقل عن 3 آلاف جنيه شهريًّا؛ حتى يعيشوا حياة كريمة من بعده، بدلاً من إعطاء الأسرة 5 آلاف جنيه لا تساوي سوى قيمة الدفنة، وبعدها يعودون للشارع، فلن يجدوا ما يساعدهم على الاستمرار في حياتهم، ويشير إلى أن أقلَّ تعويض يجب ألا يقل عن 40 ألف جنيه، إذا وضعوا في البنك يعطيهم أرباحًا يعيشون منها.

 

إهانة

ويقول رضا (أمين مكتبة) مبلغ الخمسة آلاف جنيه تعويضًا لأسرة المدرس المتوفى ما هو إلا استمرار لانتهاك وإهانة المدرس المصري، بدأت مع توزيع المدرسين على اللجان؛ حيث أرسلت السيدات إلى مناطق تبعد عن منازلهن بما لا يقل عن ساعتين، كما أن الرجال الذين انتقلوا إلى محافظات أخرى تمت معاملتهم معاملة غير آدمية أو إنسانية، وعاشوا في أماكن لا تعيش بها الحيوانات.

 

ويضيف: ذلك المبلغ الضئيل لن يساعد أسر المتوفين التي لا تقل عن ثلاثة أفراد، وبما أن مرتب المدرس ضعيف من البداية سنجد أن معظمهم عليهم ديون ومشاكل عديدة لن يسدِّدها الخمسة آلاف، مؤكدًا أن ذلك يعد ضربًا من تعقيد الحياة على أسر المعلمين.

 

وتقول ثناء (مدرسة تربية فنية): إن تعويض المعلم بخمسة آلاف جنيه ضئيلٌ جدًّا، وينبئ عن ضعف التقدير للمدرس المصري، كما أنه لا يعين أمًّا لعدد من الأطفال على تربيتهم بطريقة شريفة، وكان من الأولى أن يُحسب على أساس درجة المدرس وسنِّه وحالته الاجتماعية وعدد الذين يعولهم، وألا تكون ثابتة بمبلغ لا يقوى على عمل شيء في مصر هذه الأيام، مشيرة إلى أن الوزير تعامل مع المعلمين في امتحانات الثانوية العامة من نظرة فوقية، ولم يقبل أي استثناء نتيجة لمرض أو بُعد مسافة أو مراعاة للظروف الاجتماعية والخاصة بكلِّ فرد حتى وإن كانت المسألة قهرية.

 

وتؤكد أن المَدْرَسَة دفعتهم للإمضاء على إقرار قبل المراقبة: أنهم يتحملون كافة الظروف والمعاملة التي ستقدم خلال فترة المراقبة، وتروي أنها كُلِّفَت بمراقبة الامتحانات في منطقة تبعد عنها 3 ساعات ولم تكن قد سمعت بها من قبل.

 

صمت المسئولين

ويرى أيمن البيلي (عضو اللجنة التأسيسية لنقابة المعلمين المستقلة) أن وفاة 6 معلمين أثناء مراقبتهم لامتحانات الثانوية العامة، جاء نتيجة لإهمال وزارة التربية والتعليم في تقديم الخدمات المناسبة في الاستراحات والمدارس التي يقيم بها المعلمون في المحافظات قائلاً: إن هذا العام كان المعلم يمكث في فصل داخل مدرسة مع 30 آخرين، مشيرًا إلى أن ظروف وشروط العمل داخل مدارس ومنشآت الوزارة لا تتفق مع شروط العمل الآدمية التي نصَّت عليها المواثيق الدولية وحقوق الإنسان بالإضافة إلى الدستور المصري.

 

ويقول: إن التعليمات التي يُصدرها وزير التربية والتعليم تشكِّل ضغطًا على المدرس يصل إلى حدِّ الإرهاب والتهديد؛ ما أصاب عددًا من المدرسين بأزمات قلبية ونفسية أوصلتهم إلى الوفاة، ويكمل كل ذلك في الوقت الذي لا تقدم فيه الوزارة الحدَّ الأدنى من شروط العمل الطبيعية.

 

ويؤكد أن الوزير هو المُذْنِب في وفاة هؤلاء المعلمين بإصداره تعليمات تمنع تحويل المعلمين أثناء أعمال الامتحانات، وهي التعليمات التي نفذتها المستشفيات الحكومية، وكذلك مستشفيات التأمين الصحي التي رفضت دخول (أحمد محمد عاكف) المتوفى الأول؛ لأنه لا يحمل دفتر التأمين الصحي، وطلبت منه 1000 جنيه كمقدم دخول.

 

ويستنكر مبلغ التعويض الضئيل الذي لن يعيد حقَّ المعلم المصري المتوفى في ظروف العمل السيئة التي تتنافى مع ما تنادي به الدولة من نُظُم الجودة، وتحسين حال التعليم والمعلم، قائلاً: إن 5 آلاف جنيه هو مبلغٌ قليلٌ جدًّا وغير طبيعي ولا يناسب أسرة فقدت عائلها الرئيسي، الذي توفي أثناء تأدية عمله ولم يختر الإقامة بعيدًا عن أسرته ومنزله بل أجبر على ذلك.

 

ويستطرد: مع المبلغ الضئيل الذي لا يساوي شيئًا في هذه الأيام كل ما سيبقى للأسرة هو معاش الوزارة الهزيل، ومعاش النقابة الأقل الذي يقتطع من أموال المعلم طوال سنوات عمله، وفي النهاية لا يحصل سوى على 330 جنيهًا كل ثلاثة شهور، ويطالب أن تتوقف النقابة العامة عن الدور السلطوي التابع للوزارة مخالفة للدستور الذي ينص على أن تكون النقابة ممثلة للمعلم وليس للجهة التنفيذية، إلى جانب البدء في تحسين أوضاع الاستراحات والانتقالات؛ حيث لم يقم مسئول واحد بمحاولة تصليح الأوضاع منذ الحادثة الأولى لوفاة المعلم.

 

وزير عسكري

 الصورة غير متاحة

عبد الحفيظ طايل

ويعلِّق عبد الحفيظ طايل مؤسس شبكة معلمي مصر أن مبلغ الخمسة آلاف جنيه تعويض زهيد جدًّا، متسائلاً عن سبب التعويض، وهل هو قتل خطأ أم تعريض حياة المعلمين للخطر؟، وفي كلتا الحالتين لا بد أن يحاكم المتسبب في وفاة هؤلاء المدرسين، وتكشف الملابسات والظروف التي أحاطت بهم قبل الوفاة، سواء كانت وفاة طبيعية أو بسبب الإهمال أو المرض أو نقص الرعاية الطبية.

 

ويشير إلى أن منهج زكي بدر في التعامل مع المعلمين ليس جديدًا خلال امتحانات الثانوية العامة، بل هو أسلوبه العسكري الذي يرى فيه حفاظًا على كرامة المعلم ثابت منذ الأسبوع الأول لتوليه الوزارة، مؤكدًا أنه بتلك الطريقة يكون مفهومه للكرامة خاطئ ويحتاج إلى التصحيح، والتوقف عن معاملة المعلم الذي بلغ عمره أكثر ممن 50 سنة كأنه عسكري لدى وزير الداخلية، والطلاب وكأنهم المجرمون.

 

ويصف قرارات وزير التربية والتعليم بخصوص منع علاج المعلمين أثناء سير الامتحانات بأنها أوامر لكتيبة في الجيش.