أظهرت الأزمة التي مرَّت بنا في الأيام السابقة بين السادة المحامين أصحاب المقام الرفيع، وبين السادة القضاة سدنة الحق والعدل والإنصاف وحماة المظلومين الكثير من الإيجابيات- التي لن أتناولها- وكثير من العوار ومواطن الخلل التي يجب أن نواجه بها أنفسنا بكل شجاعة: نقابة محامين ونادي قضاة ومجلس أعلى للقضاء ونائب عام كي نخرج من الأزمة بما ينفعنا جميعًا، ونجعل من تلك المحنة منحة عظيمة منحنا الله إياها لنصحح الأخطاء، ونستشرف المستقبل بغدٍ أفضل تتحقق فيه منظومة العدالة وتتحقق به العدالة.
ومظاهر ذلك الخلل الذي أظهرته الأزمة تتمثل فيما يلي:-
1- أظهرت الأزمة مدى الفجوة بين الشركاء في العدالة، ووضح بشدة مدى البعد في الفهم بين تصور الكثير من القضاة، خاصةً القيادات منهم لمهنة المحاماة التي هي شريك للسلطة القضائية في تحقيق العدالة- فالبعض منهم صرَّح بنظرته الدونية للمحامي التي هي تخالف القانون شكلاً وموضوعًا بأن المحامي من أعوان القضاة كالمحضرين أو سكرتيري الجلسات- مع كامل الاحترام والتقدير لهذه الوظائف الغاية في الأهمية لمنظومة العدالة- لكن مع كامل الاحترام لكل القضاة فمهنة المحاماة وإن كانت من المهن الحرة إلا أنها شريكة في تحقيق العدالة ودون المحاماة لا يمكن أن يكون هناك قضاء- فالمحامي هو صاحب القضية هو مبدعها ومُنشئها، والقاضي هو مَن يقضي فيها ويرجح بين الخصوم، ولا أدري من أين جاءت هذه النظرية الغريبة علينا في محراب العدالة؟
لقد كانت العلاقة التي تربطنا بزملائنا من القضاة والنيابة في كل موسمٍ قضائي تصل إلى حدٍّ الارتباط الأخوي والتعاون المثمر حتى كنا في كل نهاية موسم قضائي نُقيم حفلاً باستراحة المحامين بكل محكمة جزئية لأعضاء النيابة والقضاة الذين تم نقلهم أو ترقيتهم في الموسم القضائي الجديد، ونتبادل الكلمات التي تُعبِّر عن مدى الاحترام والتقدير المتبادل.
إن كثيرًا من القضاة أو رجال النيابة العامة أو مجلس الدولة أو هيئة قضايا الدولة بدءوا حياتهم محامين، وعدد غير قليل منهم يُنهي حياته أيضًا محاميًا، ومنهم مَن كان رئيسًا للمحكمة الدستورية أو محكمة النقض أو محكمة استئناف.. فهل يصبح هؤلاء مثل المحضرين والكتبة؟ وما شعورهم حيال ما سمعوه من زملائهم السابقين؟
2- أظهرت الأزمة مدى القصور الذي يعانيه القضاء ونقابة المحامين في تدريب الشباب من الجانبين، وعلى كل المستويات المهنية منها والتربوية والسلوكية؛ الأمر الذي أفرز تلك الأزمة التي نحن بصددها كنتاجٍ طبيعي لهذا القصور، فكثيرٌ من المشكلات اليومية بين الجانبين بسبب نقص الخبرة الكافية وقلة القراءة والاطلاع على القانون والأحكام والمبادئ القضائية الصادرة من المحاكم العليا (الدستورية- النقض- الإدارية)- أو عدم الرجوع للتعليمات والكتب الدورية- وعدم الوقوف على الحقوق والواجبات المتبادلة والمنصوص عليها بكل ما سبق فيكون الاحتكاك اليومي مع هذا الجهل سببًا كافيًا لحدوث المشكلات.
وهذا يؤكد مدى الضرورة الملحة لمراجعة القضاء ونقابة المحامين ما يتم بمعهد القضاء ومعهد المحاماة من تدريب، وهل هو يحقق الهدف أم أنه تسديد خانة نص عليها القانون دون مراجعة للمستهدفات التربوية والمهنية؟.
وأتصور أن يكون معهد المحاماة من ثلاث سنوات: سنة كاملة قبل القيد وسنتان أثناء التمرين (القيد بالجدول العام)، وفي نهاية كل فترة تراجع الملفات وينظر في قيد المحامي من عدمه بناءً على شرائط قانونية وأخرى تتعلق بآداب وسلوكيات الفرد.
ونفس الشيء ينطبق على شباب أعضاء النيابة من المعاونين والمساعدين والوكلاء بالنيابة العامة، والقضاة الجزئيين.
مع ضرورة التعليم المستمر والتقييم الدائم ولا يقبل تعديل قيد إذا تغيَّر سلوك الفرد أو كان غير كفء من الناحية المهنية، وكذا لا تقبل ترقية بالقضاء أو النيابة لذات الأسباب، ولا يُكتفى بتقارير التفتيش في ذلك.
3- أظهرت الأزمة مدى الحاجة لمراجعة أنفسنا في نظام التأديب بالنقابة ومدى الحاجة لرجوعه للنقابة بعيدًا عن محكمة استئناف القاهرة، فبمجرد صدور قرار النقابة بأن مَن يخالف قراراتها أثناء الأزمة يعاقب بالوقف لمدة ستة أشهر عاد كثيرٌ من الانضباط بين المحامين والاحترام لقرارات النقابة، وقد كنا نفتقد لذلك فيما سبق.
إذن فلا بد من تفعيل نظام التأديب وعدم السماح بخروج البعض الذي يسيء لصورة المحامين ونقابتهم، ونفس الشيء ينطبق على نظام التقييم والمراجعة لسلوكيات بعض القضاة، والتي تسيء لسمعة القضاء.
4- أظهرت الأزمة مدى قصور شيوخ القضاة وشيوخ المحامين في احتضان الشباب وتوريث القيم العظيمة لهم ورفع مستواهم؛ وذلك الاختلاط بهم وتربيتهم بطريق القدوة وطريق المحاكاة، وكذا طريق التلقين المباشر بالمحاضرات أو الندوات أو المؤتمرات- نفتقدهم جميعًا ولا شك-.
5- أظهرت الأزمة مدى الجفاء والبعد بين قيادات الطرفين- فبعيدًا عن المظاهر البروتوكولية وتوزيع الابتسامات في اللقاءات وتبادل كلمات الاحترام والتقدير فمع كامل تقديري هذا ليس الحل- فالحل معروف للطرفين، وهو ضرورة تحمل المسئولية القدرية بتكوين لجنة عليا دائمة يتفق عليها لها مواعيد ثابتة تناقش القضايا المشتركة تصدر الدوريات- تحل المشكلات لحظيًّا ولا تسمح بأي خروج- تتبادل سبل رفع الكفاءة المهنية والسلوكية.. إلى آخر ذلك من مسئوليات لا نستطيع الهروب منها، ولا أن نتقابل حين ظهور مشكلة للتباحث في كيفية حلها.
6- أظهرت الأزمة مدى الحاجة الملحة لاحترام حق المحامين في تطبيق نص م 47 من قانون السلطة القضائية بتعيينهم قضاة وبالنسب المنصوص عليها في القانون، والتي يتم تعطيلها الآن- فتصور معي لو فعلت هذه النصوص، وكان 25% سنويًّا من القضاة المعينين كانوا محامين- هل كان تعامل القضاة ونظرتهم لزملائهم المحامين هي الموجودة الآن؟ لا أعتقد.
7- أظهرت الأزمة مدى القصور في تولي النيابة وظيفتي التحقيق والاتهام فهي بحسب الأصل تتولى سلطة الاتهام، وهي ليست سلطة تحقيق خاصة مع كثرة عدد القضايا وقلة عدد وكلاء النائب العام، وعليه فقد وجب الرجوع لنظام قاضي التحقيق ليكون إجباريًّا وليس سلطة تقديرية لرئيس المحكمة الابتدائية في بعض الحالات؛ وذلك بالطبع مع زيادة أعداد القضاة لتفي بالحاجة ولحسن سير العدالة.
وبعد فهذه بعض مواطن الخلل وسبل الخروج منها عسى أن نستفيد جميعًا منها وتعود العلاقة لسابق عهدها بين جناحي العدالة.
حفظ الله مصرنا الحبيبة، ووقانا جميعًا شر الفتن.
--------------------
* عضو مجلس النقابة العامة للمحامين- مقرر لجنة الإعلام.