مثَّل العدوان الخارجي على الأمة الإسلامية عاملاً حاسمًا في العديد من المراحل التاريخية، لم يكن هو العامل الوحيد المؤثر، ولكنه كان دائمًا عاملاً حاضرًا في تاريخ الأمة، فالعدوان الخارجي أسس لانهيار وحدة الأمة، وعمل على تفكيكها إلى دول قومية قطرية، وزرع الكيان الصهيوني في المنطقة ليكون حاميًا لمصالحه، ثم ساند النخب الحاكمة المتحالفة معه، حتى يضمن ولاء الدول العربية والإسلامية لمصالحه وسياساته، وأصبح التدخل الخارجي حاضرًا في كلِّ المعادلة السياسية للمنطقة، ومؤثرًا على مجريات التفاعل السياسي، حتى يحمي مصالحه في المنطقة، كما يدعي.
والتدخل الغربي في المنطقة بدأ بالاحتلال العسكري المباشر، ثم انتقل إلى الهيمنة السياسية والاقتصادية، أي الاستعمار السياسي غير المباشر، ثم عاد مرةً أخرى إلى الغزو العسكري بدءًا من أفغانستان إلى العراق، ثم تزايد دور القوى الغربية في المنقطة، حتى باتت اللاعب الرئيس في كل المناطق الملتهبة، من السودان والصومال واليمن، وحتى باكستان وغيرها.
وبهذا تحوَّلت القوى الغربية إلى أحد العناصر الفاعلة والحاسمة في المعادلة السياسية الداخلية لمعظم البلاد العربية والإسلامية، ولم يعد من الممكن تصور حدوث تغير في المنطقة، دون وجود دور للعامل الخارجي، أو دون مواجهة معه.
تعددت بهذا ساحات المواجهة العسكرية المباشرة، وتعددت أيضًا ساحات المواجهة السياسية والاقتصادية، ولكن دور الدول القائمة من هذه المواجهات تغيَّر بصورةٍ كبيرة، فلم تعد الدولة القائمة في البلاد العربية والإسلامية طرفًا في المواجهة مع الغرب وتدخله السياسي، وعدوانه العسكري، بل أصبحت الدول القائمة جزءًا من منظومة التدخل الخارجي، وهنا دخلت الأمة في مرحلة التحدي التاريخي، فالدول القائمة في البلاد العربية والإسلامية لا تحمل راية المواجهة مع الغرب الاستعماري، ولا تقف في وجه التدخل الخارجي، ولا تقف أيضًا في وجه الاستعمار العسكري.
ولم تعد تلك الدول ترفع راية الجهاد لتحرير فلسطين، بل أصبح بعضها يساعد الاحتلال الصهيوني على تأمين بقائه في المنطقة، فأصبحت الدول القائمة تمثل أحد مفردات التدخل الخارجي، وأحد عناصره المهمة، بل لا نبالغ إذا قلنا إن الدول القائمة والأنظمة السياسية الحاكمة، باتت هي الحامي الأول للتدخل الغربي، والحامي الأول للاحتلال الصهيوني، وهي التي تمنع الجهاد والمقاومة ضد الاستعمار بكل صوره، وهي التي تحول بين الأمة وبين الحصول على استقلالها الحضاري والسياسي الشامل.
المقاومة ترفع الراية
لم يكن هذا مجرد تغيَّر بين مرحلة من مراحل التاريخ ومرحلة أخرى، بل كان تغيرًا في طبيعة الوضع السياسي والتاريخي للمنطقة، فبعد أن كانت الدول ترفع راية الاستقلال في وجه العدو الصهيوني، أصبحت ترفع راية الاستسلام له.
وتلك كانت هي النهاية الحقيقية للدولة القومية القطرية، التي تركها الاستعمار في البلاد العربية والإسلامية، وورثتها نخب التحرر الوطني العلماني، فالدولة القومية رفعت في البداية شعار الوحدة العربية ورفعت شعار التحرر في وجه كل أشكال الاستعمار، وحملت راية تحرير فلسطين، ولو على مستوى الخطاب أكثر من الفعل، وكانت عندئذٍ تحمل جزءًا من ثوابت الأمة الإسلامية، وإن لم تحمل كل ثوابتها، ولكن ظهر عجز الدول القائمة عن مواجهة الاستعمار الصهيوني، بل وامتدت مساحة الاحتلال الغربي في عصر الدول القائمة، وتزايد التدخل الغربي بصورة واضحة، ولم تعد الدول ترفع شعار الاستقلال، بل أصبحت ترفع شعار التطبيع مع القوى الغربية المهيمنة والاحتلال الصهيوني الغاصب، وبعد تنازل الدول عن دورها في تحرير الأمة، ومن قبله تنازلها عن دورها في توحيد الأمة الإسلامية، أصبحت الدول القائمة فاقدة للشرعية، بعد تخليها عن كل مسئولياتها الحضارية والتاريخية.
فالدور الأول المنوط بأية دولة، هو حماية هوية أمتها وحماية حدودها وأرضها، أي حماية الأرض والحضارة، وبما أن الدول القائمة لمن تعد ترفع شعار حماية الأرض أو حماية الحضارة، بل أصبحت تقبل بالحكم الغربي العالمي، تحت شعار العولمة، وأصبحت تقبل بسيادة العلمانية الغربية والهيمنة السياسية الغربية؛ لذا لم تعد الدولة تقوم بمسئوليتها تجاه شعبها، ولم تعد مسئولية التحرير من الأدوار التي تقوم بها الدولة، وهنا بدأ التغير الكبير في مسار التاريخ العربي والإسلامي؛ حيث ظهر البديل الذي يحمل الراية بدلاً من الدولة، ولم يكن هذا البديل هو فقط حركات المقاومة، بل كان أيضًا هو حركات المقاومة الإسلامية، التي رفعت راية الجهاد دفاعًا عن الأمة.
فبعد سقوط المشروع القومي العلماني الذي مثلته الدولة، وتحولها إلى تابع للسياسة الغربية، وتنازلها عن أرض فلسطين المحتلة، تبعتها حركات المقاومة العلمانية واحدة بعد الأخرى، وأصبحت حالة التنازل الرسمي والكامل تنتقل من الدولة القومية العلمانية، إلى حركات المقاومة القومية العلمانية؛ حتى باتت العلمانية والقومية شعارًا للاستسلام للقوى الغربية، والاستسلام أمام الاحتلال الصهيوني.
ومع الخروج المتدرج والمتتالي لحركات المقاومة العلمانية بمختلف فصائلها، خاصةً مع توقف دعم الدول لها، أصبحت ساحة الجهاد أمام العدو خاليةً من القوى العلمانية والقومية، وأصبح المشروع القومي العلماني، سواء اليساري أو الليبرالي، مشروعًا للاستسلام أمام الهيمنة الغربية والاحتلال الصهيوني.
هنا ظهر البديل، الذي حمل الراية، وتمثل في حركات المقاومة الإسلامية، والتي حملت راية الجهاد أمام العدو في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان وغيرها، وأصبحت حركات المقاومة الإسلامية، هي التي تحمل مسئولية تحرير الأمة الإسلامية، وتحقيق استقلالها الحضاري والتاريخي، أي استقلالها الشامل، وليس فقط استقلالها من الاحتلال العسكري، بل واستقلالها أيضًا من أي شكل من أشكال الهيمنة الخارجية، بما في ذلك الهيمنة الحضارية.
فقد وقفت الحركة الإسلامية أمام الهيمنة الحضارية، ورفضت العولمة والتغريب والغزو الحضاري، كما رفضت الاستعمار واحتلال الأرض، ورفضت الاستعمار الاستيطاني الذي يمثله الاحتلال الصهيوني، فأصبحت الحركة الإسلامية هي القوى التي تقود الأمة نحو الاستقلال، وهي التي تدفع ضريبة الجهاد في ساحات المعارك.
حركة بدل الدولة
لم يكن هذا مجرد تغير في لحظة تاريخية، بل كان بمثابة مرحلة جديدة من تاريخ الأمة، فقد خرجت الدولة عن الدور المنوط بها، وأصبحت الحركات الإسلامية هي التي تقوم بهذا الدور، ففقدت الدولة وظيفتها، وفقدت بالتالي شرعيتها، وفقدت أيضًا وجودها الحقيقي، فلم تعد الدولة وكيلة عن الأمة، ولا ممثلة لها، ولم تعد الدولة تحظى بتفويض من الأمة لممارسة السلطة والحكم، وبهذا لم تعد الدولة تملك القواعد والمبررات اللازمة، ولم تعد تحظى بالشروط الواجب توافرها في أي دولة.
يمكنا القول بأنها لم تعد دولة، فالحركة الجهادية المقاومة، هي التي تحمل مسئولية الدولة، وهي التي أصبحت تحظى بتفويض الأمة، وهي التي أصبحت وكيلة للأمة، وأصبحت الحركة الإسلامية المقاومة، تحظى بكل الشروط التي يجب أن تحظى بها الدولة، فأصبحت بحق مشروعًا لدولة بديلة، توفر لها كل شروط التفويض والشرعية، قبل أن تتوفر لها السلطة أو القيادة الرسمية، فالحركة الإسلامية المقاومة تبني مشروعًا جديدًا، تبني الدولة البديلة، وتأسس لتلك الدولة على قاعدة الاستقلال الكامل والحفاظ على هوية الأمة، ورفع مرجعية الأمة واستعادتها لتكون المرجعية العليا للأمة، وبهذا تحوَّلت حركة المقاومة الإسلامية إلى حركة لبناء مستقبل جديد، يختلف عن الحاضر القائم.
وهنا أصبحت راية الاستقلال ترفع من الحركات الإسلامية، وتقف أمامها الدول القائمة، بل وتعاديها، لأن الدولة أدركت أن بديلها أصبح حاضرًا، كما أدركت الطبقة الحاكمة أن قيادة جديدة ولدت على أرض الواقع، وتتمتع بتفويض من الأمة كلها، فحركات المقاومة الإسلامية لا تحمل تفويضًا قوميًّا أو قطريًّا، بل تحمل تفويضًا من الأمة الإسلامية، وتمثل كل الأمة وتتبنى غايات وأهداف الأمة؛ لذا أصبحت الحركة الإسلامية عنوانًا جديدًا يمثل الأمة، بأكثر من قدرة الدول القائمة على تمثيل الأمة، بل أصبحت الدول القائمة تواجه الأمة، وتواجه الحركات الممثلة للأمة، فوضعت نفسها في موضع العدو الحليف لأعداء الأمة.
الغرب يدرك الخطر
لقد أدركت الدول الغربية أنها أمام بديل مستقبلي، سيكون عليها مواجهته في نهاية الأمر، فهي أمام قوى إسلامية تعبِّر عن قطاعات واسعة من الأمة، وأمام حركات إسلامية مقاومة تحمل مسئولية تحرير أراضي الأمة، وكلما حققت تلك الحركات نصرًا في معركة من المعارك، اقتربت أكثر من الوصول إلى مرحلة تمثيل وقيادة الأمة، فالحركة الإسلامية تدفع الثمن نيابة عن الأمة وبدعم منها؛ لذا تصبح هي القائد القادم للأمة، والدول الغربية تدرك تدريجيًّا تلك الحقيقة، ولكنا ما زالت تراهن على بقاء الدول القومية العلمانية، وتراهن على بقاء حلفائها في المنطقة؛ لذا نجد عداء الدول الغربية لحركات المقاومة الإسلامية، يفوق عداءها للحركات الإسلامية، فكل حركة إسلامية تحمل السلاح في وجه العدو، تصبح حركة إرهابية، وتريد الدول الغربية من تلك الحركات تسليم سلاحها، أو تواجه بحرب من الدول الغربية وحلفائها في المنطقة، حتى يتم القضاء عليها.
فقد أصبح هدف القضاء على الحركات الإسلامية المقاومة هدفًا مشتركًا للدول الغربية والدول المتحالفة معها في المنطقة، والاحتلال الصهيوني، فبقاء حركات المقاومة الإسلامية، يمثل تحديًا وجوديًّا للاحتلال الصهيوني، كما يمثل تحديًا للهيمنة الغربية ومشروع العولمة والتغريب، كما يمثل تحديًا وجوديًّا أيضًا للدولة العلمانية القومية القائمة في البلاد العربية والإسلامية، والتي تمثل السند الحقيقي للهيمنة الغربية العالمية.
والدول الغربية لا تريد الاعتراف بحق الأمة في المقاومة، بل إنها تتعامل مع الأمة الإسلامية، بوصفها الأمة الوحيدة في العالم التي لا يحق لها مقاومة العدوان العسكري على أراضيها، فكل حركة مقاومة تصبح حركة إرهابية، وكل محاولة لتسليح حركات المقاومة، تواجه بحلف غربي واسع لمنع وصول السلاح لأي حركة من حركات المقاومة، فأصبحت الشعوب العربية والإسلامية، هي الشعوب الوحيدة في التاريخ، التي لم تُمنح حق المقاومة، فالدول الغربية تدرك أنها هي الفاعل الرئيسي في كل الهجمات المسلحة على المنطقة العربية والإسلامية، وتدرك أنها الفاعل والمحرض على قيام كيان الاحتلال الصهيوني في المنطقة، وتدرك أنها هي التي تتدخل عسكريَّا في بعض البلاد مثل أفغانستان والعراق وغيرها، وبالتالي تدرك الدول الغربية أن سلاح المقاومة يرفع في وجهها، لذا تحاول حرمانه من عنوان المقاومة، حتى تعتبره سلاحًا إرهابيًّا.
ولكن المقاومة باقية حقًّا لكل شعوب الأرض، والجهاد باقٍ سلاحًا للأمة الإسلامية في وجه كلِّ مَن يعاديها، ولن تتنازل الأمة الإسلامية عن حقها في الجهاد، وعن غايتها الأولى، وهي التحرر من كل استعمار أو هيمنة خارجية، فالأمة الإسلامية، مثل كل الأمم والشعوب الحرة، تريد الاستقلال الكامل، وتريد تحرير إرادتها وتحرير دولتها.
دورة تاريخية جديدة
لقد انتهت مرحلة التحرر الوطني الأولى، والتي قامت على أسس علمانية وقومية، ولهذا سقطت في النهاية تحت الهيمنة الغربية، ولم تعد قادرة على تحقيق الاستقلال الكامل للأمة، ولا تحقيق وحدتها.
وبهذا انتهت دورة كاملة من تاريخ الدولة القومية العلمانية، وأصبحت تلك الدول القائمة تقترب من مرحلة النهاية، أو بداية النهاية.
وقد بدأت مرحلة جديدة، هي دورة جديدة للتحرر، تقودها حركات المقاومة الإسلامية، تحت عنوان المرجعية الإسلامية، لبناء دولة تستند لمرجعية الأمة، وبناء وحدة الأمة، ومواجهة الاستعمار العسكري والسياسي والثقافي والحضاري، ومواجهة العلمانية والتغريب والنزعة القومية، هي حرب تحرير شامل، أي تحرير حضاري شامل.
وهذا هو السبب في حالة المواجهة المفتوحة التي تمر بها الأمة، وتزايد الاعتداء الخارجي عليها، وتزايد الحصار الذي تتعرض له حركات المقاومة الإسلامية، وأيضًا الحصار الذي تتعرض له كل الحركات الإسلامية، فالمعركة الآن هي جوهر الحرب التي بدأت منذ عهد الاستعمار الغربي على المنطقة؛ لأنها معركة حول التحرر الكامل للأمة، وبناء مشروعها الحضاري الإسلامي، وبناء وحدتها ونهضتها.