تحقيق- شيماء جلال:

اعتاد المصريون خلال الربع القرن الأخير على حل أزماتهم، كبيرة كانت أو صغيرة، بقرار سيادي، يمثل القرار الفاصل لتلك الأزمة، فخلال أربع وعشرين ساعة بعد تفجر أزمة جزيرة آمون صدر قرار سيادي بإلغاء التعاقدات التي تمت بشأن بيع جزيرة فندق آمون بأسوان المملوكة لشركة مصر أسوان للسياحة، وطالب القرار السيادي بإعادة طرح الأرض للبيع من خلال مزاد علني وبنظام حق الانتفاع لمدة لا تزيد على 49 سنة.

 

ودخلت أزمة القضاة والمحامين إلى نفق مظلم، وسط مطالبات بتدخل سيادي لحل الأزمة بينهما، وهو ما لم يتحقق حتى كتابة هذه السطور، وازدادت الأزمة بين القضاة والمحامين تعقيدًا مع تصريحات الرئيس مبارك أمس بأنه لن يتدخل لحل الأزمة، ولا أحد يدري لماذا لم تتدخل الجهات السيادية لحل تلك الأزمة التي تشكل شرخًا كبيرًا يزداد يومًا بعد يوم في طرفي جدار العدالة في مصر، وتؤثر بلا شك على هيبة كل طرف من طرفي هذه الأزمة، ولا أحد يعلم متى وعلى أي نحو ستنتهي تلك الأزمة بين القضاة والمحامين.

 

الغريب أن الجهات السيادية تدخلت في مواقف، لم ترتق حتى لمستوى الأزمة، فناشطة "الفيس بوك" تم إخراجها من المعتقل بقرار سيادي وأزمة عمال المحلة تم حلها بقرار سيادي وأزمة عصام الحضري حارس مرمي المنتخب المصري تم حلها بقرار سيادي ومؤخرًا أزمة الضرائب العقارية تدخل فيها القرار السيادي، وكذلك أزمة رغيف العيش حينما استفحلت وضاق بالمواطنين ذرعًا صدر قرار جمهوري بتولي القوات المسلحة أمر إنتاج وتوزيع الخبز وذلك بعد المزيد من الصراخات والاستغاثات من جانب المواطنين.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: أين ذهبت أجهزة الدولة ومؤسساتها حين وقعت تلك الأزمات المتتالية؟ وهل أصبحت أجهزة الدولة مجرد برفانات لا تملك من أمرها شيئًا؟ وهل علينا أن ننتظر حتى تتفاقم الأزمات وتتزايد وحينها نناشد بالتدخل السيادي؟ وما السيناريو المتوقع حدوثه إذا لم يصدر قرار سيادي للكوارث المتوالية التي تعصف بالمجتمع المصري؟

 

(إخوان أون لاين) عرض الظاهرة على عدد من الخبراء والمتخصصين في محاولة للوقوف على إجابة للتساؤلات السابقة.

 

منعطف خطر

 

 عبد الله السناوي

يقول عبد الله السناوي رئيس تحرير جريدة (العربي) الناصري: "نحن نعيش في عصر دولة الحكم الواحد والرجل الواحد"، موضحًا أن وزارات مصر أصبحت تدار من خلال مجموعة من رجال الأعمال سمحوا بتزاوج السلطة بالثروة فباتت ممتلكات الشعب بين أيديهم يتصرفون فيهما كما يحلو لهم.

 

ويشير إلى أنه منذ عام 1959 وتتناثر الأحاديث والأقاويل حول قيام الدولة المؤسسية، منتقدًا أن يكون طيلة الخمسين عامًا الماضية لا تشهد فيها مصر تفعيلاً حقيقيًّا لتلك المؤسسات والأجهزة على أرض الواقع في ظل توالي الأزمات من قضاة ومحامين ونهب أراضٍ ومياه نيل وكنيسة وقرار قضائي، ما من شأنه أن يدلل بشكل واضح على عدم الاطمئنان على واقع المستقبل المصري القادم.

 

ويتوقع السناوي أن تمر مصر بمنعطف حرج خلال الفترة المقبلة بسبب انهيار دور المؤسسات.

 

ويرى جمال تاج أمين عام لجنة الحريات بالنقابة العامة للمحامين أن الأنظمة الاستبدادية حولت الدولة من دولة مؤسسية إلى دولة حكم الفرد الواحد، مشيرًا إلى أن أوضاع الانهيار والفساد التي يشهدها الواقع المصري جاءت نتيجة لتخلي أجهزة الدولة ومسئوليها عن أدوارهم في الرقابة وإصلاح الأوضاع.

 

ويضيف: أجهزة الدولة أصبحت خربة ملأها الفساد والخراب لا تحركهم ضمائرهم ولا مسئولياتهم التي كانوا من المفترض أن يكونوا أمناء عليها.

 

ويلفت الانتباه إلى حتمية الاحتكام إلى القانون وسيادته في أي مشكلة بجانب إقرار العدالة والحرية والديمقراطية الحقيقية.

 

ويؤكد أن ثمة حقيقة واضحة من خلال مجموعة الأزمات التي عصفت بالواقع المصري مؤخرًا وهي أن مؤسسات وأجهزة الدولة عليها السلامة والحكومة لا تملك مفاتيح أي قرار وأن الخلل يسيطر على الوضع العام للحكومات.

 

خلل كبير

 

عصام شيحة

يقول عصام شيحة عضو الهيئة العليا لحزب الوفد أن مصر تعاني من خلل كبير في مرافق الدولة بأجمعها فضلاً عن عدم توافر الرؤى الإستراتيجية الواضحة لحل جميع الأزمات التي تعصف بالواقع المصري من وقت لآخر.

 

ويوضح أن غياب الرؤى الإستراتيجية لدى مسئولي مصر تسببت في تفشي الفساد في الشارع السياسي المصري الأمر الذي تسبب في إهدار الكثير من حقوق المواطنين والشعوب حيث باتت القوانين حبرًا على ورق لا ينظر إليها أحد.

 

ويرى شيحة أن الفترة الأخيرة تسببت في إضعاف هيبة الدولة أمام الجميع، مشيرًا إلى أن الفتن الطائفية كانت دائمًا ما تنتهي عبر التصالح بين كلا الفريقين ولكننا وجدنا أن الاشتعال والتشاحن بات هو السمة المسيطرة على الكوارث التي تطفو على الساحة وعلى الجانب الآخر نجد الشوارع تضج بأعداد غفيرة من المعتصمين والمحتجين رغبةً في الحصول على حقوقهم المهضومة.

 

ويستنكر شيحة حالة التدهور والتدني التي تعيشها حاليًا أجهزة الدولة بمختلف مؤسساتها بالإضافة لغياب الشفافية واحتكار السلطة للثروة وبالأخص في يد رجال الحزب الوطني.

 

ويستطرد: "إن مصر تشهد مراحل تدنٍ غير عادية بدءًا من أزمة المياه وحوض النيل والشح المائي في حين ملاعب جولف رجال الأعمال تهدر بها آلاف الأفدنة من كميات الماء، مرورًا بأزمات السوق وغياب الرقابة وضبط الأسعار، بجانب تدهور التعليم وسرقة ونهب الأراضي وتأخر قرارات العلاج على نفقة الدولة".

 

وحول الأسباب التي تقف خلف تأخر القرار السيادي وصدوره بعد تفاقم الأزمة يوضح شيحة أننا نعيش في عصر الدولة المركزية التي تحكم من قمة الهرم، مشيرًا إلى واقعة فتاة كفر الشيخ التي تدخل فيها القرار السيادي لحل الأزمة التي كان سببها امتحان تعبير وإنشاء.

 

وعن دور المسئولين والوزراء في مواجهة الكوارث المتلاحقة يصفهم شيحة بأنهم "برافانات" أو مجرد سكرتارية، منتقدًا أن نكون في دولة يصل تعدادها لأكثر من 80 مليون نسمة ويكون القرار الوحيد في حل أزمتها يرجع للقرار السيادي.

 

ويستكمل بلهجة يشوبها السخط على الأوضاع القائمة، مؤكدًا أن تلك الأوضاع تؤكد حقيقة واضحة وهي أننا نعيش في عصر الدولة البوليسية التي تدار عن طريق الأمن فجميع الملفات تحال إلى الجهات والأجهزة الأمنية لكي تحلها لتكون وزارة الداخلية هي حجر الأساس في مواجهة الكوارث والأزمات المتعاقبة.

 

ويقترح شيحة ثلاثة حلول للخروج من أزمة انهيار وفساد المؤسسات التي تنتظر تدخل الجهات السيادية لحل أزماتها وكأنها في وادٍ ومشكلات وكوارث الدولة في وادٍ آخر، تتمثل في ضرورة إحقاق القانون على أرض الواقع وخروجه من طي الأدراج، وتحول النظام السياسي الذي تدار به مصر من نظام رئاسي إلى نظام برلماني نزيه بجانب توفير كافة الضمانات المؤسسية الكافية لضمان نزاهة العملية الانتخابية.

 

توابع لا مؤسسات

وحول انتظار القرار السيادي لكي تنتهي الأزمات التي تنزل بالواقع المصري يقول الدكتور سمير عليش، المتحدث الرسمي باسم الجبهة الوطنية للتغيير إن مؤسسات وأجهزة الدولة أصبحت تابعة ومجرد توابع للجهات السيادية للدولة.

 

ويوضح أن الدستور المصري منح جميع السلطات للقيادة السياسية وأصبحت الوزارات بمثابة أشكال صورية لا تفعل أي قرار على أرض الواقع.

 

ويقول إن هناك تصورًا خاطئًا يتغني به البعض بأننا دولة مؤسسية لديها أجهزة رقابية ومساءلة قانونية، مشيرًا إلى أننا لا ننفذ أي قوانين أو قرارات وأن الأزمات حينما تشتعل ويزداد لهيبها يتدخل القرار السيادي لإنقاذ الموقف والأزمة بعد تدهورها ووصولها لأقصى درجات التدني.

 

ويتساءل مندهشًا: ماذا سيحدث إذا لم يتدخل القرار السيادي لحل الأزمة؟ أو لو تأخر القرار وتزايد اشتعال الأزمات العاصفة؟! وهل سيكون الشعب الضحية كم هو الحال دائمًا؟!.

 

ويؤكد أن هذه الوضع يشكل مناخًا خصبًا لانتشار البلطجة والرشوة والفساد وأخذ الحق بالذراع لأن المواطنين لن يجدوا مخرجًا لهم سوى أخذ حقوقهم بأيديهم.

 

 المتفرجون

 

المستشار مرسي الشيخ

ويستنكر المستشار مرسي الشيخ وكيل حزب الغد السابق ما آلت إليه الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية بمصر، مشددًا على ضرورة إحداث إصلاح سياسي شامل يسمح بنزاهة الانتخابات وبإجراء الشفافية للكشف عن الممارسات والألاعيب غير الدستورية التي تتم تحت مرأى ومسمع من الجميع.

 

وحول أزمة المحامين والقضاه التي ناشدوا فيها بضرورة تدخل القرار السيادي لكي تنفرج الأزمة يتهكم الشيخ متسائلاً: "من يقف وراء تلك الأزمة؟ ومن السبب في اشتعالها؟ وأين ذهب وزير العدل؟ ولماذا يقف موقف المتفرج؟!".

 

ويقول: لقد اعتاد الوزراء والمسئولون على الهروب من مواجهة الأزمات والمشكلات متنازلين عن أدوارهم ليشاركوا المواطن في مشهد الفرجة والمشاهدة فحسب دون تفعيل أو اتخاذ قرار، فضلاً عن عدم امتلاكهم لأي أدوات لحسم الأزمات التي يكونوا هم في الأساس جزء منها وفي صنعها.

 

وعن الوقت الذي يبدأ فيه تفعيل القرار السيادي يرى الشيخ أن القرار يفعل حينما يبدأ الشعب في التذمر وتعلو أصوات الصحف ووسائل الإعلام في الكشف والفضح حينها يخرج القرار السيادي من أعلى لمحاولة تهدئة الأوضاع وفي كثير من الأحيان تكون قد تفاقمت وتزايدت بشكل كبير المدى.